محليات

الصين ومنقل الفحم .. الرعب القادم من الشرق

112 مشاهدة قراءة 18 دقيقة

الكاتب : رشدي نواف الأشهب

يبدو العنوان غريباً للوهلة الأولى، لكنه يختزل حكاية تحوّل دولة من أدنى مراتب التنمية إلى مصاف القوى العظمى. ففي غضون عقود قليلة، تحوّلت الصين إلى دولة تكاد ترى العظمة في كل زاوية من زواياها، وفي كل تفصيل من تفاصيل حياتها. أينما اتجهت داخل حدودها الجغرافية، تطالعك روعة العمارة، والنظافة العامة، وانسيابية شرايين المواصلات بمختلف وسائطها. تشعر وأنت تسير على طرقاتها أنك لا تتحرك فوق طريق تقليدي، بل تنساب على بساط من الحرير؛ طرق تشقها المركبات الكهربائية في هدوء وثبات، وكأنها ومضات من الضوء تتحرك فوق قطعة حريرية عجز أمهر نسّاجي العالم عن حياكة مثيل لها.

الصين اليوم قطعة حرير ناعمة الملمس، غير أن كل خيط في نسيجها يخفي نصل سيف حاداً، بتّاراً، قاطعاً. قد يبدو هذا الوصف مبالغة، لكنه حقيقة شعرت بها خلال زيارتي الأولى لتلك الدولة؛ زيارة جعلتني أحدّق في كل تفصيل منذ اللحظة التي وطئت فيها قدماي أرضها.

ولست هنا أتحدث عن التقدم التكنولوجي، ولا عن روائع العمارة الحديثة، ولا عن أنواع السيارات والطائرات، ولا عن أحدث الهواتف المحمولة، أو سعات تخزين الحواسيب وسرعة معالجاتها. لا أتحدث عن أصناف الشاي وأسعار المعتّق منها، ولا عن جودة الطعام ومدى ملاءمته لذائقة زائر قادم من الشرق الأوسط. ولا أتحدث عن جمال العيون، أو رشاقة الأجساد، أو سرعة قبضة مقاتل الكونغ فو.

إنني أتحدث عن المكنسة والكريك!

نعم، عن المكنسة والكريك. عن بلد ما زال، حتى يومنا هذا، يستخدم فيه عامل النظافة فرشاة تقليدية مصنوعة من أغصان الأشجار، يمسكها بيديه لينظف بها الشوارع والممرات والساحات. تلك المكنسة المتواضعة، في يد ذلك العامل البسيط، تعزف أغرب وأعجب وأعذب سيمفونية لم أسمع ألحانها بأذني، لكنني رأيت آثارها في كل بقعة من تلك البلاد.

الدولة التي اخترقت الفضاء، وشيدت ناطحات سحاب تعانق الغيوم، وأنشأت شبكات مواصلات تفوق في تعقيدها، للوهلة الأولى، بعض شبكات المعلومات الرقمية، ما زالت تستخدم المكنسة التقليدية لتنظيف شوارعها!

رأيت كفاءة المكنسة في النتيجة، لا في شكل الأداة. رأيت النظافة، لا التكنولوجيا المستخدمة لإنتاجها. وأدركت أن الصين قد استوعبت حقيقة جوهرية: أن بناء الحضارات لا يبدأ بالضرورة من أعقد الاختراعات، بل من أبسط الأعمال؛ الإنسان أولاً، ثم الإتقان، ثم النتيجة.

نعم، إن عجب العجاب خرج من تلك المعادلة البسيطة التي يُشكّل الإنسان عنصرها الأساس. فالإنسان في الصين هو سر عظمة تلك الحضارة. لم أمرّ بحانوت أو دكان أو بسطة في الشارع إلا ورأيت إنساناً منشغلاً بعمله، مستغرقاً في مهمته، لا يقطعه عنها إلا سؤال زبون عن ثمن بضاعة، أو نوعيتها، أو مقاسها، أو أمر يتصل بما يعرضه.

إنه إنسان يبدو وكأنه آمن بأن الوقت أمضى من السيف، وأن لكل فرد رسالة يؤديها، مهما بدت متواضعة. كل واحد منهم إمبراطور في مملكته الصغيرة؛ يدرك أن دوره بالغ الأهمية، وأن تأخره قد يعني ضياع فرصة، أو إهدار وقت، أو تعطيل دور آخر في سلسلة طويلة من الأدوار المتكاملة، فتختل الصورة الجميلة التي تصنعها خيوط تلك القطعة الحريرية الزاهية.

وهنا تبدأ الحكاية...

بدأت القصة مع زميل لي من بلدي، مغرم بالأرجيلة كما أنا مغرم بالسيجارة. يحب أن يؤرجل بين حين وآخر، كما أحب أن تداعب أصابع يدي سيجارتي.

خرج زميلي بعدّته وعتاده الكامل: ملقط الفحم، والمعسّل، وقطع الفحم التي أحضرها خصيصاً من فلسطين، وقارورة الماء ليملأ بها بطن النارجيلة. لكن الأهم من كل ذلك كان منقل الإشعال!

فمن دونه لا تكتمل طقوس المتعة؛ إذ لا بد من إشعال الفحم حتى يتحول إلى جمر متوهج، يبث حرارته عبر فتحات رأس الأرجيلة، فتتفاعل ذرات المعسّل بحرارتها، وتبدأ رحلة الدخان في اندفاع ديناميكي عجيب، عبر الشهيق والزفير، مروراً بشبكة مواصلات النارجيلة، إلى أن ينطلق من فم صاحبنا كعادم محرك نفاث لطائرة أسرع من الصوت!

أنهى زميلي غرامه بالاستمتاع بنرجيلته، ولملم أغراضه على عجل ليلحق بالمحاضرة التالية، التي لم يكن يفصلنا عنها سوى دقائق. فقد اقتربت الساعة من الثالثة بعد الظهر، موعد اللقاء الثاني من محاضرات الدورة التدريبية التي شددنا الرحال إليها من فلسطين، براً وجواً، لننهل من معين العلم، دون أن نتوقع أن يكون أحد أعظم دروسها خارج قاعات المحاضرات تماماً.

ولكن، وسط تلك العجلة، نسي زميلي شيئاً واحداً.

نسي العنصر الأهم في طقوس كل عاشق للنارجيلة .

نسي المنقل!

نعم، نسي المنقل، أو المشعل، أو موقد الفحم الكهربائي؛ ذلك الجهاز البسيط الذي يعرف عشاق النارجيلة شكله وأهميته وثمنه. جهاز إذا علاه الصدأ، أو أصابه عطل، سارع صاحبه إلى التخلص منه واستبداله بآخر، دون كثير تفكير أو عناء.

لكن هذا المنقل كان، في تلك اللحظة، كل شيء بالنسبة إلى زميلي!

أخذ يحدثني وثلة من الزملاء عن مصيبته: لقد نسي المنقل، ولا أمل، في تقديره، بأن يجده في مكانه إن عاد للبحث عنه. وعليه الآن أن يجد وسيلة لشراء منقل جديد في وقت قياسي، كي يستعيد متعته المفضلة، ويطلق من فمه سحب دخان تتصاعد إلى عنان السماء، فتشكّل غيوماً ركامية من صنع الإنسان!

عدنا إلى الفندق الذي كنا نقيم فيه، واتجه زميلي مباشرة إلى مكتب الاستقبال.

وبعد جهد وعناء، وشرح طويل، واستعانة بكل ما أتاحته التقنيات الحديثة في هاتفه من وسائل ترجمة، استطاع أن يوضح لموظفة الاستقبال أنه فقد المنقل!

نعم، فقد شيئاً لا يقدّر بثمن، ليس لقيمته المادية، بل لما سيحرمه منه من متعة لساعات، وربما لأيام، إلى أن يتمكن من الحصول على منقل آخر.

وهنا، تحديداً، بدأت الحكاية العجيبة التي تختزل، في نظري، سر الصين.

لم تتعامل الموظفة مع طلب زميلي باستخفاف أو استغراب. لم تسأله لماذا كل هذا الاهتمام بجهاز زهيد الثمن، ولم تلقِ عليه محاضرة عن الصحة العامة، أو مخاطر التدخين، أو الحفاظ على البيئة، أو فوائد تقليل التلوث. ولم تبدأ بسرد قائمة المسموح والممنوع في أنظمة الفندق.

بل أخذت الأمر على محمل الجد.

استمعت إليه، وفهمت قصته، وأدركت مقدار أهمية المنقل بالنسبة إليه. تعاملت مع شكواه وكأنه فقد عزيزاً غالياً، شيئاً ثميناً لا يقدّر بثمن، شيئاً سيحرمه فقدانه من متعته الخاصة، ومن تلك السيمفونية التي تعزفها فقاعات الماء داخل النارجيلة ، والتي قد تكون في أذنيه أعذب من بيتهوفن وموزارت، وأجمل من هدير الشلالات وكل ما يخطر ببالكم من ألحان الطبيعة!

لم تُصنّف الموظفة شكوى زميلي طلباً تافهاً، ولم تقل في سرّها، على ما يبدو: وما شأني أنا بمنقل الفحم هذا؟

بل انطلقت كالسهم نحو الكمبيوتر، وفتحت تسجيلات كاميرات المراقبة، وطلبت من زميلي تحديد المكان الذي كان يجلس فيه مستمتعاً بنارجيلته ، والوقت الذي غادر فيه.

حدد لها المكان والزمان.

وبدأت تعود بالتسجيلات إلى الوراء، تتابع حركة المكان، وكل شخص مرّ به، حتى وصلت إلى أول خيط في الحكاية.

عامل النظافة... صاحب المكنسة والكريك!

كان الرجل يمارس عمله الاعتيادي، وكأنه يطبق أدق معايير الجودة العالمية، من تلك التي تتباهى المؤسسات بالحصول على شهاداتها. وبينما كان ينظف المكان، لاحظ منقلاً كهربائياً ملقى في زاوية على الأرض.

تعامل معه باعتباره قطعة مهملة، فالتقطه وألقاه في سلة النفايات، ثم تابع عمله.

وهكذا كُشف مصير المنقل!

أخبرت الموظفة زميلي بأنها ستتابع الموضوع وستبلغه بالنتيجة.

غادر زميلي مكتب الاستقبال، وفي رأسه سؤال واحد:

هل ستعود معشوقته لتعزف ألحانها من جديد، أم أن عليه البدء فوراً بالبحث عن البديل؟

تحرك زميلي من مكانه، لكن القصة الحقيقية كانت قد بدأت للتو!

أعلنت حالة الطوارئ القصوى!

شاب فلسطيني فقد منقلاً كهربائياً!

المواصفات مرفقة، والصورة متاحة، والموقع معروف، والساعة محددة!

على جميع الفرق والطواقم البرية والبحرية والجوية، ومراكز المعلومات والأمن والاستخبارات، والأجهزة السرية والعلنية، إعلان الاستنفار من الدرجة الأولى!

المهمة: العثور على المنقل وإعادته إلى صاحبه، بحالته وشكله ومواصفاته.

الأمر صادر من القيادة العليا! أحضروا المنقل!

بالطبع، لم تُعلَن حالة طوارئ عسكرية حقيقية، لكن ما حدث بعد ذلك جعلني أشعر، من فرط الدهشة، وكأن استنفاراً بهذا الحجم قد جرى بالفعل من أجل قطعة معدنية صغيرة!

وهنا كانت الصدمة.

في نحو الساعة العاشرة مساءً، تلقى زميلي اتصالاً يطلب منه الحضور إلى غرفة العمليات المركزية... عفواً، أقصد مكتب الاستقبال!

توجه إلى هناك، فاستقبلته الموظفة بابتسامة هادئة، ثم ناولته المنقل.

نعم، المنقل!

المنقل بشحمه ولحمه!

لم تنقص منه قطعة، ولم يظهر عليه تلف أو أثر رحلة شاقة بين النفايات. بل بدا نظيفاً، وفي حالة ممتازة، وكأنه خرج للتو من المصنع.

كان المنقل ذاته، لكنه عاد وكأنه جديد!

والأغرب من ذلك أن الموظفة اعتذرت عن الإزعاج الذي تعرض له زميلي، وعن المعاناة التي سببها فقدان المنقل، موضحة أن عامل النظافة تعامل معه خطأً باعتباره قطعة من النفايات!

يا الله!

هل يمكنكم أن تتخيلوا حجم الوقت والجهد والتكلفة التي ربما انفقت من أجل إعادة منقل فحم؟!

أين عثروا عليه؟ وفي أي مستوعب للنفايات، أو محطة تجميع، أو مكبّ انتهى به المطاف؟ وهل اضطروا إلى البحث عنه وسط أكوام من المخلفات، أم تمكنوا من الوصول إليه قبل مغادرته المكان؟

كم مسافة قطعها المنقل في رحلة الذهاب؟ وكم من الأيدي تحركت، ومن المكالمات أُجريت، ومن الإجراءات اتُّخذت كي يعود إلى صاحبه بهذه السرعة المدهشة؟

لا أعرف التفاصيل، ولا أملك حساباً دقيقاً للكلفة.

لكنني أعرف النتيجة: خلال ساعات قليلة، عاد المنقل إلى صاحبه.

منقل لا يتجاوز ثمنه، في أقصى الحالات، مئتي شيقل، استُنفرت من أجله جهود لا أعرف قيمتها، لكنها بدت، في عيني، أكبر بكثير من قيمته المادية.

وهنا أدركت أن المسألة لم تكن متعلقة بثمن المنقل أصلاً.

كانت متعلقة بثمن الإنسان.

بثمن الالتزام.

وبقيمة الوعد الذي تقطعه مؤسسة على نفسها حين تقول لأحد ضيوفها: سنتابع الأمر ونبلغك بالنتيجة.

ولم تكن قصة المنقل الوحيدة.

فقد رافقتها قصة أخرى، مع زميل آخر، لكن بطلها هذه المرة لم يكن منقلاً كهربائياً، بل نحلة!

كنا نجلس أمام الفندق عندما لسعت نحلة أحد زملائنا. توجه الرجل إلى مكتب الاستقبال ليطلب المساعدة، فما كان من الموظفة إلا أن استنفرت بدورها، ورافقته إلى الصيدلية، وساعدته في الحصول على الدواء والمرهم المناسبين، ثم بدأت تشرح له كيفية الاستخدام.

وحين حاول زميلنا دفع ثمن الدواء والمرهم، بدأت معركة من نوع آخر!

نحن نصرّ على الدفع، وهي ترفض.

نقول لها إن الأمر بسيط، وإن لسعة النحلة لا علاقة للفندق بها، وهي تصر على أن الحادث وقع أمام الفندق، وأن مساعدته جزء من مسؤولية الفندق تجاه ضيوفه، وأن تكلفة العلاج على حسابهم!

وبعد مئة «طوشة» ومحاولة لإقناعها بأن تدعنا ندفع، ظل موقفها كما هو! ونحن على موقفنا!

يا عالم، أين نحن؟!

أي فلسفة هذه التي تجعل موظفة الاستقبال تتعامل مع منقل فحم كما لو كان كنزاً مفقوداً، ومع لسعة نحلة كما لو كانت قضية تستوجب استنفار طاقم كامل؟

وأي ثقافة مؤسسية تلك التي تجعل قيمة الإنسان وراحته ووقته أكبر من قيمة الشيء الذي فقده، أو ثمن الدواء الذي احتاجه؟

إنها الصين.

الصين التي اختزلتها لكم في حكاية منقل فحم، ولسعة نحلة، ومكنسة من أغصان الأشجار.

الصين التي لم أجد عظمتها الحقيقية في أبراجها الشاهقة وحدها، ولا في قطاراتها السريعة، ولا في مصانعها العملاقة، ولا في مختبراتها ومراكز أبحاثها، بل في ذلك الإنسان البسيط الذي يؤدي عمله بإتقان، وفي تلك الموظفة التي لم ترَ في ضيفها مجرد رقم غرفة، وفي عامل النظافة الذي كان يؤدي واجبه، حتى وإن أخطأ في تقدير ما وجده على الأرض.

هناك، في التفاصيل الصغيرة، رأيت شيئاً أكبر من التكنولوجيا وأعمق من الاقتصاد.

رأيت حضارة تُبنى من القاعدة إلى القمة، من المكنسة إلى المركبة الفضائية، ومن منقل الفحم إلى أعقد شبكات الصناعة والاتصال.

وحين يتقن الإنسان أبسط أدواره، ويؤمن بأن مسؤوليته، مهما صغرت، جزء من صورة وطن كامل، يصبح من السهل أن تفهم كيف تستطيع أمة أن تنهض بهذه السرعة، وأن تفرض حضورها على العالم.

وهنا يكمن الرعب الحقيقي القادم من الشرق.

ليس في زئير التنين، ولا في حدّة أنيابه، ولا في اتساع جناحيه، وإنما في ملايين البشر الذين يعمل كل واحد منهم وكأنه مسؤول عن عظمة ذلك التنين.

فإذا كان منقل الفحم يحظى بكل هذا الاهتمام، فكيف تُدار المصانع؟ وكيف تُبنى المدن؟ وكيف تُصنع الطائرات؟ وكيف تُرسم استراتيجيات الدولة؟

هذا هو السؤال الذي عدت به من الصين.

وهذه هي الحكاية التي جعلتني أنظر إلى المكنسة والكريك ومنقل الفحم نظرة مختلفة تماماً.

إنها الصين... فانتظروا رعب التنين القادم من الشرق!

*مقالة مستوحاة من تجربة شخصية خلال زيارة الكاتب الأولى إلى جمهورية الصين الشعبية في سبتمبر/أيلول 2026. تعبّر الآراء والانطباعات الواردة فيها عن وجهة نظر الكاتب.

*خبير في الإدارة المالية والحوكمة التقنية