غزة-واثق نيوز-بعد ثلاثة أعوام من الحرب على قطاع غزة، تكشف المعطيات الفلسطينية والأممية عن تداعيات قاسية طالت النساء والفتيات، شملت القتل والإصابات والفقدان والنزوح، إلى جانب تدهور الصحة الإنجابية وارتفاع معدلات الإجهاض والولادات غير الآمنة وسوء التغذية.
ومع انهيار أجزاء واسعة من المنظومة الصحية، واجهت النساء الحوامل صعوبات متزايدة في الحصول على الرعاية الطبية، واضطرت كثيرات إلى الولادة في المنازل أو مراكز النزوح، فيما أدت التحولات التي طرأت على بنية الأسر إلى انتقال مسؤولية الإعالة إلى آلاف النساء، بعد فقدان الأزواج أو إصابتهم أو فقدان مصادر الدخل.
خسائر بشرية واسعة ..
أظهرت بيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، الصادرة في 18 تموز/يوليو 2026، استشهاد 12 ألفًا و400 سيدة في قطاع غزة منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، من دون احتساب الفتيات.
كما أشارت البيانات إلى وجود 4 آلاف و700 امرأة وطفل ضمن 11 ألفًا و200 مفقود، لا يزال مصيرهم مجهولًا، وسط ترجيحات بوجود عدد منهم تحت أنقاض المباني المدمرة.
وفي تقرير بعنوان «كلفة الحرب على النساء والفتيات»، صدر في نيسان/أبريل 2026، قدّرت هيئة الأمم المتحدة للمرأة استشهاد أكثر من 38 ألف امرأة وفتاة بين تشرين الأول/أكتوبر 2023 وكانون الأول/ديسمبر 2025، بمعدل يقارب 47 امرأة وفتاة يوميًا.
كما أشار التقرير إلى إصابة 11 ألف امرأة وفتاة بإصابات يُرجح أن تترك آثارًا دائمة، في وقت تواجه فيه الناجيات مخاطر مستمرة مرتبطة بالقصف والجوع والنزوح المتكرر وصعوبة الوصول إلى الخدمات الأساسية.
ووفق التقرير ذاته، تجاوز عدد الفلسطينيين الذين استشهدوا خلال الفترة التي شملها الرصد 71 ألفًا و200 شخص، فيما شكّلت النساء والأطفال وكبار السن أكثر من نصف إجمالي الشهداء. وأشار التقرير إلى أن الحصيلة قد تكون أقل من العدد الفعلي، في ظل انهيار نظم المعلومات الصحية وآليات الإبلاغ.
وكانت الأشهر الستة الأولى من الحرب الأكثر دموية بالنسبة إلى النساء والأطفال، إذ شكّلوا قرابة ثلثي الشهداء الموثقين خلال تلك الفترة.
ورغم التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار في تشرين الأول/أكتوبر 2025، استمر تعرض النساء والفتيات للقتل والإصابة، بينما بقيت الظروف الإنسانية والصحية التي تهدد حياتهن دون تحسن ملموس، وفق التقرير الأممي.
تدهور حاد في الصحة الإنجابية ..
منذ الأشهر الأولى للحرب، شهدت الصحة الإنجابية للنساء تدهورًا كبيرًا، في ظل تضرر المرافق الطبية وصعوبة الوصول إلى خدمات الرعاية الصحية، إلى جانب النزوح المتكرر وسوء التغذية.
وفي تموز/يوليو 2024، أفاد الاتحاد الدولي لتنظيم الأسرة بارتفاع حالات الإجهاض في قطاع غزة بنسبة لا تقل عن 300% خلال الأشهر التسعة الأولى من الحرب.
وفي كانون الثاني/يناير 2026، قالت منظمة أطباء من أجل حقوق الإنسان إن تقريرها «تدمير الأمل في المستقبل: العنف الإنجابي في غزة» وثّق 2600 حالة إجهاض خلال النصف الأول من عام 2025.
كما وثّق التقرير 220 وفاة مرتبطة بالحمل، إلى جانب 1460 ولادة مبكرة، فيما احتاج أكثر من 2500 طفل حديث الولادة إلى الرعاية في وحدات العناية المركزة.
وفي سياق متصل، أظهرت بيانات سابقة لوزارة الصحة في قطاع غزة أن 57.1% من الحوامل المسجلات خلال عام 2025 كنّ يعانين من فقر الدم.
الولادة في ظروف غير آمنة ..
أدى انهيار المنظومة الصحية إلى تعقيد ظروف الحمل والولادة في قطاع غزة، وحرمان كثير من النساء من الرعاية الطبية اللازمة.
ووفق تقرير هيئة الأمم المتحدة للمرأة، كان القطاع يسجل حتى آذار/مارس 2025 نحو 130 ولادة يوميًا، أكثر من ربعها بعمليات قيصرية، ما فرض ضغطًا إضافيًا على نظام صحي كان يعاني أصلًا من تدهور حاد في قدرته على الاستجابة.
وأجبر نقص الخدمات الصحية وتضرر المرافق الطبية نساء كثيرات على الولادة في المنازل ومواقع النزوح، بعيدًا عن الرعاية الطارئة التي توفرها المستشفيات.
وحتى بعد وقف إطلاق النار، استمرت الولادات خارج المستشفيات بمعدل 15 حالة أسبوعيًا، غالبًا في ظل غياب قابلات مؤهلات وضمن ظروف تفتقر إلى الحد الأدنى من الأمان، بحسب التقرير.
وزادت الأوضاع الغذائية المتدهورة من المخاطر التي تواجه الحوامل والمواليد، بما في ذلك انخفاض أوزان الأطفال عند الولادة، والولادة المبكرة، وولادة أجنة ميتة، وارتفاع مخاطر وفاة الأمهات.
وفي تموز/يوليو 2025، كانت 40% من الحوامل والمرضعات في غزة يعانين سوء التغذية، بينما واجهت نحو نصف مليون امرأة وفتاة خطر المجاعة، وفق تقرير لهيئة الأمم المتحدة للمرأة.
وقدّر التقرير أن نحو 37 ألف حامل ومرضع احتجن إلى علاج من سوء التغذية الحاد خلال السنة التالية لوقف إطلاق النار، إلى جانب 50 ألف فتاة.
وفي تقرير آخر صدر في 19 حزيران/يونيو 2026، قالت الهيئة الأممية إن مليون امرأة وفتاة في غزة يفتقرن إلى المياه النظيفة، فيما يعيش نحو 690 ألفًا في ملاجئ مكتظة، إضافة إلى انقطاع 328 ألف فتاة عن الدراسة.
ارتفاع جديد في معدلات الإجهاض ..
تكشف أحدث بيانات وزارة الصحة في غزة عن استمرار المخاطر التي تواجه الحوامل، إذ سُجلت نحو 3958 حالة إجهاض خلال الفترة الممتدة من كانون الثاني/يناير إلى حزيران/يونيو 2026.
وبحسب «إنفوغرافيك» نشرته الوزارة في 20 تموز/يوليو 2026، بلغ معدل الإجهاض خلال النصف الأول من العام 208.5 حالات لكل ألف مولود حي، مقارنة بـ64 حالة لكل ألف مولود حي خلال النصف الثاني من عام 2025، أي بزيادة بلغت نحو 3.3 مرات.
وسجل شهر نيسان/أبريل أعلى معدل شهري، بواقع 377.25 حالة لكل ألف مولود حي، بينما شهد حزيران/يونيو أعلى عدد من حالات الإجهاض، بواقع 790 حالة.
وأظهرت البيانات أن 73.6% من حالات الإجهاض حدثت خلال الثلث الأول من الحمل، أي قبل إتمام الأسبوع الثالث عشر، مقابل 26.4% خلال الثلث الثاني، الممتد من الأسبوع الثالث عشر وحتى الرابع والعشرين.
نساء يتحملن مسؤولية إعالة الأسر ..
لم تقتصر تداعيات الحرب على الجوانب الصحية والإنسانية، بل امتدت إلى بنية الأسرة الفلسطينية في القطاع، مع انتقال مسؤولية إعالة آلاف الأسر إلى النساء.
فقد أدى استشهاد الأزواج أو إصابتهم أو فقدانهم، إلى جانب فقدان مصادر الدخل، إلى ارتفاع نسبة الأسر التي تعيلها نساء.
ووفق تقرير هيئة الأمم المتحدة للمرأة، ارتفعت نسبة الأسر الفلسطينية التي تعيلها نساء في قطاع غزة من 9% قبل الحرب إلى 14% خلالها، ليصل عدد هذه الأسر إلى نحو 58 ألفًا و600 أسرة.
ويفرض هذا التحول أعباء اقتصادية واجتماعية طويلة الأمد على النساء والفتيات، في ظل تحملهن مسؤوليات الإعالة والرعاية، إلى جانب مواجهة تبعات النزوح والفقر وفقدان أفراد الأسرة.
حرب تركت آثارًا ممتدة ..
بعد ثلاثة أعوام من الحرب، تظهر البيانات حجم التداعيات المتراكمة على النساء والفتيات في قطاع غزة، من الخسائر البشرية والفقدان إلى تدهور الصحة الإنجابية وانعدام ظروف الولادة الآمنة وسوء التغذية.
كما أعادت الحرب تشكيل أدوار داخل آلاف الأسر، بعدما وجدت نساء أنفسهن أمام مسؤوليات جديدة تتعلق بالإعالة والرعاية في ظل فقدان أفراد الأسرة ومصادر الدخل.
وتشير هذه المعطيات مجتمعة إلى أن آثار الحرب على النساء لا تقتصر على الخسائر المباشرة، بل تمتد إلى الصحة الجسدية والإنجابية والأوضاع الاجتماعية والاقتصادية، بما قد يترك تداعيات طويلة الأمد على النساء والأسر والمجتمع في قطاع غزة.

