برلين - واثق نيوز- "هل هو إمكانية؟ لا"، بهذه العبارة تقطع الكاتبة النمساوية الحائزة لجائزة نوبل للآداب إليفريده يلينك حديثها عن "حل الدولتين"، معتبرة أن استمرار السياسيين الغربيين في الترويج لقيام دولة فلسطينية، فيما تتغير الوقائع على الأرض، لم يعد أكثر من "كلام". وفي نص عنونته بـ "In einem ausgelobten Land" (في أرض موعودة) نشرته في 28 أغسطس/آب المنصرم على موقعها الرسمي، ترى الكاتبة أن الدولة الفلسطينية لا يمكن أن تقوم "على الطريق الحالي"، إذا لم تتغير الشروط التي يفترض أن تسمح بوجودها بصورة جذرية.
تنطلق يلينك، البالغة 79 عاما، من العلاقة بين الكلام والتفكير، قبل أن تربط فراغ الحديث عن الدولة الفلسطينية بما تسميه "الاستيلاء على الأراضي" في الضفة الغربية وغزة والقدس. وتصرح بأنها تخشى أن يقود ذلك إلى "تطهير عرقي"، متسائلةً عما يبقى للناس عندما تُنتزع منهم الأرض: أين يمكنهم أن يعيشوا ويتحرّكوا إذا لم يعد لهم مكان؟ وفي هذا السياق، تصف الحديث المتكرر عن حلّ الدولتين بكونه "كلاما" يجري التعامل معه كما لو كان إمكانية قائمةً، رغم الوقائع التي تقول إنها تنشأ على الأرض.
وتضع الكاتبة مسألة الأرض والانتماء إليها في مركز النص. إذ تقارن بين الفلسطينيين الذين يعيشون في أرضهم منذ أجيال، وبين المستوطنين الجدد الذين يصلون إلى هذه المناطق من بلدان أخرى، وتصف هؤلاء في أحد مقاطع النصّ بـ"المستعمرين". وتستحضر في هذا السياق الفيلسوفة حنة آرندت، في إحالةٍ إلى مفهوم الميلاد والانتماء، لتسأل أين يمكن أن يتحقق "العيش معاً" عندما يجري اقتلاع السكان الأصليين من مسارات حياتهم اليومية في وقتٍ يستمر فيه وصول مستوطنين جدد.
وتصير لغة يلينك أكثر مباشرةً عند حديثها عن الفلسطينيين الذين فقدوا أراضيهم وممتلكاتهم. فهي تقول إنهم قد يُعرّفون بأنهم مجرمون وإرهابيون رغم كونهم مزارعين ورعاة عاشوا على أراضيهم أجيالاً، ثم يتم طردهم منها، فيما يجري التفكير في استخدام الأرض لأغراض أخرى. وتسخر في هذا السياق من احتمال إقامة "منتجع شهير" مستوحى من أفكار الرئيس الأميركي دونالد ترامب وصهره جاريد كوشنر.
وترى يلينك أن المشكلة لا تقتصر على الأرض نفسها، وإنما تمتد إلى اللغة التي تصفها. فالكلام عن الأرض باعتبارها ملكية ومكانا للعيش والزراعة، في رأي كاتبة المقال المذكور، يتراجع أمام "أساطير غائمة" مرتبطةٍ بالماضي التوراتي. وفي مقطع مكثف تقول إن لغتها "تموت تحت أصابعها"، بالتزامن مع موت أشخاص في أماكن أخرى، لأن اللغة تصير عاجزةً عن الإمساك بشيء ترى أن الواقع السياسي نفسه يمنع وجوده. وتوجه انتقادها إلى سياسيين غربيين، من بينهم وزيرة خارجية نمساوية، يواصلون الحديث عن فلسطين الدولة من دون التعامل مع الشروط التي تقول إنها تحول دون قيامها.
ولا تفصل الكاتبة هذا الموقف عن علاقتها الشخصية بـ"الدولة اليهودية"، التي تقول إن بعض أسلافها وجدوا فيها ملاذاً بعد الاضطهاد. لكنها تنتقل من هذه الذاكرة إلى مساءلة الدور الأوروبي، متسائلةً عن استمرار شعور "بلدان الجناة" بالذنب التاريخي، وعن احتمال تحول هذا الإرث إلى سبب للصمت. وفي خاتمة النص تستعيد مفردات من التاريخ السياسي الألماني، بينها عبارة "الدم والأرض"، في إحالة إلى تاريخ القومية الألمانية والفكر الفاشي.
ومن هذا التشخيص تنتقل يلينك إلى مطلب سياسي واضح وهو فرض عقوباتٍ أوروبية صارمةٍ على الاستيلاء على الأراضي وأعمال العنف ضدّ أصحابها. وترى أن زمن الاكتفاء بالتعهدات والبيانات بشأن شيء لا تراه قائماً قد ولى وانتهى، وأنّ المطلوب المفروض الآن هو تحقيق ما تصفه بكونه حقاً وعدالةً. وتخلص إلى أنّ الأرض لا يمكن انتزاعها ونقلها إلى مكان آخر، ولذلك يجب أن تُترك لمن تعود إليهم أو تُعاد إليهم عندما تكون قد انتزعت منهم.
ويأتي نص يلينك التي حصلت على جائزة نوبل للآداب عام 2004، بعد مسارٍ أدبي طويل، لكنه لا يقدم خطةً سياسية للتسوية أو تصورا بديلا لحل الصراع. وتكمن أهميته في مساءلته للفجوة بين ما تقوله الحكومات الغربية عن الدولة الفلسطينية وما تقول يلينك إن الوقائع تقوم بإنشائه على الأرض. فبالنسبة إليها، لا يمكن أن يستمر الحديث عن دولة فلسطينيةٍ بما هي مشروع ممكن من دون مواجهة ما يحدث للأرض التي يفترض أن تقوم عليها.

