بقلم : نافذ الرفاعي
عندما كنت عضو مجلس بلدية بيت لحم، أمسك ميشيل ناصر ذراعي وسار بي نحو مركز شرطة بيت لحم هذا المبنى البريطاني والذي شكل مركزا للقمع ضد أهالي المحافظة ، وهمس قائلا : انت رجل ثقافة وأدب، هذا المبنى المقزز يجب أن يهدم بكل ما يحمله من تاريخ قمع استعماري بريطاني بغيض، يجب أن يزال وانا شخصيا اكره هذا المبني الذي اذل أهالي المدينة واضحى عصا الاحتلال الإسرائيلي الذي ورث المكان، وعلينا أن ننتهز الفرصة .
نظرت إليه بدهشة وقلت انا ضد هدم المباني التاريخية،
ترك ذراعي ووقف امامي قائلا : اي معنى تاريخي لسجن بريطاني وإسرائيلي حقير،
: استطيع جلب تمويل لبناء مركز ثقافي تنويري في المكان، ساعدني لنهدم الزنازين ونبني صرخا ثقافيا ، ليس لك خلاص مني ايها الاديب.
وفي عرض استعدادات الألفية الثانية للميلاد ،كانت تقدم المدينة والمحافظة خطتها، وحشدت التصويت لأحلام ميشيل حبيب ناصر، وفعلا بدأت الجرافات في هدم المبنى الاستعماري، كان ميشيل يوزع ابتساماته حالما، رآني عانقني لأول مرة قائلا : نجحنا يا صديقي، كان المبنى يتهاوى وانا لم استطع قراءة عواطفي في تلك اللحظة ما بين الندم وما بين احلام ناصر،
وكنت مدعوا إلى فض مغلفات التصاميم لمبنى مركز السلام والذي تنافس فيه مصممون معماريون ومهندسون مرموقون،
واتصل بي بعدما تم إرساء تصميمه الحالي،
تحدثنا وقال: قد لا يعجبك التصميم ولكن سيعجبك المحتوى، نهض المبنى بسرعة وميشيل ناصر لا يغادر ليل نهار، واخيرا قبل الافتتاح تم التصويت على ميشل مديرا لمركز السلام، كان قد منعني من الدخول الى المركز، وقال: لن أسمح لك الا عند الافتتاح،
كان افتتاحا تاريخيا وسرنا نحو. الطابق الثاني، أعلن عن متحف الميلاد العالمي وهو مجموعة من ثقافات عالمية تصور رحلة ميلاد رسول المحبة ،
وتم دعوتي إلى المعرض الفني للفنانة سمر غطاس التلحمية التشكيلية أستاذة الفن في جامعة بيت لحم كي اقص شريط المعرض، كان ميشيل ضاحكا مبتسما وهمس أنه الحلم المحقق يا صديقي ونحن اليوم في مركز السلام صرحا فنيا وثقافيا، وأصاف: طبعا على برنامجي القادم اشهار رواية لك، وفي مسرح الطابق الثاني حضر مجموعة من المثقفين المتميزين الإعلامي والمفكر د سعيد عياد و الفيلسوف محمد نعيم فرحات والمفكر نصار ابراهيم والنقابي جورج حزبون والناقد الكبير عزيز العصا والدكتورة كفاح مناصرة والمرحوم ميخائيل رشماوي والفنان حسن اللحام والشاعر امان الله عايش والشاعر محمد شريم والاستاذ فؤاد اللحام وأحمد رباح عابدين وعبد الله ابو حديد وعشرات الشخصيات ،
كان ميشيل يدور بين الحاضرين وكأنه يتحسس أحلامه في مركز ثقافي ومعارض فنون ومسرح ومتحف ونقطة بيع كتب ، يحمل رسالة واحدة اسمها الابداع بديلا لسجن الإنجليز،
هذا الرجل له بصمة تاريخية على مدينة بيت لحم؛ وعلينا أن ننسب الفضل لأهله، أنه ميشيل ناصر الرجل الهادئ والرزين، وهو يحث الخطى نحو أحلامه الكبرى في هدم السجن البريطاني من ساحة المهد، إزالة هذا الأثر الاستعماري البغيض والذي في جنباته آهات من عذبهم البريطاني الوضيع، وافضل ما يحل مكانه واستبداله مركز السلام.
استثمر كل علاقاته في مشروع بيت لحم 2000 وعلاقاته مع المانحين من أجل بناء هذا الصرح الكبير، والذي يطل على ساحة الميلاد ويزينها .
انها المدن العابثة والتي لا تقدر انبيائها، وتهدر الوفاء لمن صنعوا أثرا في مدينتهم، لقد نبذت المدينة مبدعيها في مكان قصيا،
الا أنه من منطق الوفاء اكتب عنك يا ميشيل حبيب ناصر في رحيلك الهادئ أيها الرجل الهادئ مؤسس مركز السلام في مدينة بيت لحم يا رجل الألفية الثانية .
بيت لحم احزني ميشيل ناصر في ذمة الله .
لروحك الرحمة والسلام ايها الإنسان.



