الكاتب : الصحفي/ أحمد عثمان جلاجل
لم يعد استهداف مدينة القدس يقتصر على الإنسان والأرض والمنازل، بل امتد ليطال المؤسسات الرياضية والثقافية والاجتماعية، في مشهد يكشف حجم الاستهداف الذي تتعرض له كل مساحة تمثل الهوية الفلسطينية والحضور الوطني في المدينة.
وفي أحدث فصول هذا الاستهداف، يأتي قرار وزير الأمن الداخلي الإسرائيلي إيتمار بن غفير بإغلاق نادي أبناء القدس، ومنع الأنشطة والفعاليات الثقافية، ليؤكد أن المؤسسات المقدسية باتت في دائرة الاستهداف المباشر.
فإغلاق نادي أبناء القدس في حارة السعدية بالبلدة القديمة، ومنع نشاطه لمدة ستة أشهر، وفقاً لما أعلنته الجهات الرياضية الفلسطينية، ليس مجرد قرار إداري يستهدف مؤسسة رياضية، بل هو استهداف لمساحة اجتماعية وتربوية احتضنت أجيالاً من أبناء القدس، وشكّلت على مدار سنوات طويلة متنفساً للأطفال والشباب، ومكاناً لممارسة الرياضة وتعزيز روح الانتماء والتواصل المجتمعي.
فالنادي ليس مجرد جدران وملاعب وقاعات، بل هو ذاكرة مقدسية وحاضنة للأجيال، ومؤسسة تؤدي دوراً يتجاوز حدود النشاط الرياضي إلى الحفاظ على النسيج الاجتماعي داخل البلدة القديمة، في ظل الظروف الصعبة التي يعيشها المقدسيون.
ولم تتوقف الإجراءات عند إغلاق النادي، بل امتدت لتطال المشهد الثقافي المقدسي، مع منع إقامة فعاليات وأنشطة ثقافية وفنية، من بينها أمسية فنية كان من المقرر تنظيمها في المسرح الوطني الفلسطيني «الحكواتي»، الأمر الذي أثار تساؤلات حول طبيعة الاستهداف الذي بات يلاحق المؤسسات الثقافية والفنية في المدينة.
وهنا تتضح الصورة أكثر؛ فنحن أمام استهداف لا يطال مؤسسة بعينها، وإنما يمتد إلى الرياضة والثقافة والفن والتراث، وإلى كل مساحة يستطيع المقدسيون من خلالها التعبير عن هويتهم وحضورهم في مدينتهم.
الخوف… حين يصبح الحديث للإعلام مصدر قلق
ولعل الأخطر في هذه الإجراءات لا يقتصر على قرارات الإغلاق والمنع، بل يمتد إلى حالة الخوف والقلق التي باتت تسيطر على القائمين على بعض المؤسسات والفعاليات المقدسية، إلى درجة أن عدداً منهم لا يرغبون في إجراء مقابلات صحفية أو الإدلاء بتصريحات إعلامية، خشية الملاحقة أو التعرض لإجراءات انتقامية من سلطات الاحتلال.
وهذا ما يضع الصحفي المقدسي أمام واقع مهني وإنساني بالغ الصعوبة؛ فهناك مؤسسات تتعرض للإغلاق، وفعاليات تُمنع، وأشخاص لديهم الكثير مما يريدون قوله، لكنهم يفضلون الصمت خوفاً من العواقب.
إن امتناع البعض عن الحديث لا يعني غياب الرواية أو عدم وجود موقف، بل يعكس حجم الضغوط التي يعيشها العاملون في المؤسسات المقدسية، حيث أصبح مجرد الحديث لوسائل الإعلام مصدر قلق لدى البعض.
فحين يخشى أصحاب المؤسسات الحديث عن إغلاق مؤسساتهم، فإن الاستهداف لا يعود مقتصراً على النشاط الرياضي أو الثقافي، بل يمتد إلى حرية التعبير وإيصال صوت المقدسيين إلى العالم.
بن غفير والمؤسسات المقدسية… إلى أين؟
إن بن غفير، الذي تتكرر في عهده الإجراءات التي تستهدف المؤسسات والفعاليات الفلسطينية في القدس المحتلة، يتعامل مع النادي الرياضي والمسرح الثقافي والمؤسسة الاجتماعية باعتبارها مساحات ينبغي إخضاعها للمنع والتقييد، في محاولة لتضييق الخناق على الحياة الفلسطينية في المدينة.
والسؤال الذي يطرح نفسه: ما الخطر الذي يشكله نادٍ رياضي يحتضن الأطفال والشباب؟ وما الذي يهدد الأمن في أمسية فنية يشارك فيها شبان مقدسيون لإحياء تراث مدينتهم؟ وهل أصبحت ممارسة الرياضة وإقامة الفعاليات الثقافية بحاجة إلى إذن من وزير الأمن القومي الإسرائيلي؟
إن هذه الإجراءات تفتح الباب أمام تساؤلات جدية بشأن مستقبل المؤسسات المقدسية، التي تعمل في ظروف بالغة الصعوبة، وتواجه تحديات مالية وإدارية وملاحقات متواصلة.
فالقدس ليست حجارة وأزقة ومعالم تاريخية فقط، بل هي إنسان ومؤسسات ومدارس وأندية ومراكز ثقافية ومسرح وفن وتراث. وأي محاولة لتفريغ المدينة من مؤسساتها وإضعاف دورها المجتمعي والثقافي إنما تستهدف جوهر الحياة المقدسية وحق أهلها في الحفاظ على هويتهم.
إن سياسة الإغلاق والمنع قد تنجح في تعطيل نشاط هنا أو إلغاء فعالية هناك، لكنها لا تستطيع إلغاء ذاكرة مدينة، ولا اقتلاع انتماء أهلها، ولا إسكات صوت الثقافة والفن والرياضة.
وفي الوقت الذي يسعى فيه بن غفير إلى فرض واقع جديد في القدس عبر القرارات والإجراءات الأمنية، فإن الرسالة التي ينبغي أن تصل من المؤسسات المقدسية والفعاليات الوطنية والرياضية والثقافية هي أن القدس ليست ساحة فارغة، وأن مؤسساتها ليست أرقاماً في سجلات الإغلاق، بل هي عنوان صمود أهلها وحضورهم.
قد تُغلق الأبواب بقرار سياسي، وقد تُمنع الفعاليات بالقوة، وقد يخشى أصحاب المؤسسات الحديث أمام الكاميرات، لكن القدس ستبقى تنبض بالحياة، وسيبقى أبناؤها متمسكين بمؤسساتهم وهويتهم وحقهم في مدينتهم. فالمؤسسات قد تُغلق أبوابها مؤقتاً، لكن إرادة المقدسيين لا تُغلق بقرار من ايتمار بن غفير.

