آراء

 نتنياهو... قيصر المنطقة الذي لا يرى إلا نفسه ..

9 مشاهدة قراءة 17 دقيقة

الكاتب : يونس العموري 

يطل بنيامين نتنياهو على المنطقة من شرفة غروره، يتحدث عن الحروب كما لو أنه يوزع مواعيدها، وعن الدول كما لو أنها خرائط موضوعة على مكتبه، وعن الشعوب كما لو أنها مجموعات من الرعايا الذين ينتظرون إشارة من صاحب العرش. يرفع صوته، يلوح بالقوة، يهدد هنا ويتوعد هناك، ويمنح نفسه حق تقرير ما يجوز أن يكون وما يجب ألا يكون، ومن يملك السلاح ومن ينبغي أن يتخلى عنه، ومن يحق له أن يحكم أرضه ومن عليه أن ينتظر موافقة إسرائيلية لن تأتي. هكذا يتحدث نتنياهو، وكأن المنطقة قد تحولت إلى مملكة واسعة، وهو قيصرها الأوحد، لا ينازعه أحد في القرار، ولا يملك أحد حق الاعتراض على أوامره.

ليست المسألة في تصريح عابر، أو نبرة متعالية، أو مقابلة تلفزيونية يبالغ فيها رئيس حكومة في وصف قوته. المسألة في عقل سياسي يتعامل مع القوة العسكرية باعتبارها تفويضا مفتوحا لإخضاع الآخرين، وفي دولة ترى أن أمنها لا يكتمل إلا حين يصبح الآخرون أقل أمنا، وأن حدود قوتها لا ينبغي أن تتوقف عند حدود جغرافية أو سياسية أو أخلاقية. فنتنياهو لا يكتفي بالدفاع عن سياسات حكومته، بل يتحدث بلغة من يعتقد أن له حق الوصاية على مستقبل المنطقة، وأن إرادة إسرائيل ينبغي أن تكون المرجعية التي تقاس بها إرادات الشعوب، وأن اعتراض الآخرين لا يعدو كونه مشكلة أمنية يمكن حلها بمزيد من القوة.

في قاموس نتنياهو، لا يبدو أن الفلسطيني يملك حقا مستقلا في تقرير مصيره، ولا أن للأرض الفلسطينية أهلها الذين يقررون مستقبلها، ولا أن الاحتلال ينتج مقاومة، أو أن السيطرة العسكرية الدائمة تخلق أسبابا متجددة للصراع. هناك، بدلا من ذلك، معادلة جاهزة .. إسرائيل تقرر، والفلسطينيون يتكيفون. إسرائيل تحتفظ بالسيطرة، وعلى الآخرين أن يسموا ذلك أمنا. إسرائيل توسع الاستيطان، وعلى العالم أن يتعايش مع الأمر الواقع. وإسرائيل ترفض قيام دولة فلسطينية، ثم تتحدث عن السلام كما لو أن السلام شهادة امتياز تمنحها القوة لمن تشاء وتحجبها عمن تشاء.

وحين يعلن نتنياهو أن دولة فلسطينية لن تقوم ما دام في السلطة، فإنه لا يكشف فقط عن موقف انتخابي متشدد، بل يختصر جوهر المشروع السياسي الذي تدافع عنه حكومته .. إبقاء الفلسطينيين في مساحة معلقة بين سلطة محدودة السيادة واحتلال واسع الصلاحيات، بين إدارة شؤون الحياة اليومية والعجز عن التحكم في الأرض والحدود والموارد، وبين مطالبتهم بتحمل مسؤوليات الأمن والاقتصاد والخدمات وحرمانهم من الحق السياسي الذي يمنح هذه المسؤوليات معناها. يريد للفلسطيني أن يكون مسؤولا عن كل ما لا يملك، وأن يقبل بما يفرض عليه، وأن يظل مطالبا بإثبات استحقاقه لحقوق لا تعترف بها إسرائيل أصلا.

أما غزة، فقد تحولت في خطاب الحكومة الإسرائيلية إلى امتحان دائم لمدى خضوع الفلسطينيين للشروط الإسرائيلية. حرب مدمرة، وقطاع مثقل بالخراب، وملايين البشر الذين يدفعون أثمان الصراع من بيوتهم وأمنهم ومستقبلهم، ثم يأتي نتنياهو ليضع نزع السلاح شرطا مركزيا لكل ما بعد الحرب، بينما تظل أسئلة الانسحاب وإعادة الإعمار والإدارة السياسية معلقة. لا يعني ذلك أن ملف السلاح أو الترتيبات الأمنية يمكن تجاهلهما، بل إن السؤال الحقيقي هو.. هل يراد لهذه الملفات أن تكون جزءا من تسوية تنهي الحرب وتفتح طريقا سياسيا، أم أن تتحول إلى شروط تتجدد كلما اقترب استحقاق، بحيث يبقى إنهاء السيطرة الإسرائيلية مؤجلا إلى أجل غير معلوم؟

هنا يتجلى غرور القوة بأوضح صوره. فالدولة التي تستطيع تدمير المباني لا تصبح بالضرورة قادرة على بناء السلام، والجيش الذي يستطيع احتلال الأرض لا يكتسب بمجرد ذلك حق تقرير مستقبل سكانها. القدرة على الإيذاء ليست حجة سياسية، والتفوق العسكري ليس سند ملكية للأرض، والتفوق في ميزان القوة لا يمنح صاحبه حق كتابة التاريخ وحده. لكن نتنياهو يتصرف كما لو أن الانتصار في معركة يمنحه الحق في تحديد شروط الحياة بعد المعركة، وكأن الدمار الذي تتركه الحرب لا يطرح على إسرائيل مسؤولية سياسية وأخلاقية، بل يوسع فقط قائمة المطالب التي ينبغي على الفلسطينيين تنفيذها.

وفي الضفة الغربية، تتخذ هذه العقلية شكلا أكثر وضوحا، حين يعلن نتنياهو أنه لن تكون هناك قوة عربية غرب نهر الأردن، وحين يتحدث عن استمرار السيطرة الإسرائيلية وعن التوسع الاستيطاني الذي يجهض قيام دولة فلسطينية، فإنه يتعامل مع المجال الجغرافي كله كما لو أنه امتداد طبيعي لسلطة إسرائيل. لا يسأل من يملك الحق في تقرير مستقبل هذه الأرض، ولا كيف يمكن أن يتعايش شعبان في ظل حقوق متساوية، بل يعلن ما لن يسمح به، وما لن يقبله، وما لن يترك مجالا لحدوثه، وكأن الفلسطينيين والعرب مطالبون بالوقوف أمام باب القرار الإسرائيلي، لا ليشاركوا في صنعه، بل لمعرفة ما إذا كان السيد قد سمح لهم بشيء من حقوقهم أم لا.

إنها ليست مجرد غطرسة شخصية لرجل اعتاد الظهور بمظهر المنتصر، بل غطرسة سياسية تتغذى من واقع اختلال القوة، ومن حكومة تضم قوى يمينية متطرفة، ومن مشروع استيطاني لا يخفي سعيه إلى تغيير الوقائع على الأرض. ومن الخطأ أن نختزل المشكلة في نتنياهو وحده، وكأن رحيله، إن حدث، سيزيل تلقائيا كل ما راكمته إسرائيل من سياسات الاحتلال والاستيطان والتمييز ورفض السيادة الفلسطينية. فالمعارضة الإسرائيلية التي تنافسه في الانتخابات لا تتبنى بالضرورة رؤية تقوم على إنهاء الاحتلال وإقامة دولة فلسطينية مستقلة، وبعض خلافاتها معه يتعلق بطريقة إدارة القوة وعلاقات إسرائيل الخارجية، لا برفض جوهر السيطرة على الفلسطينيين. ولذلك، فإن نقد نتنياهو لا ينبغي أن يتحول إلى إعفاء للدولة التي يقودها، ولا إلى افتراض أن تغيير الحاكم يكفي لتغيير المشروع.

لكن نتنياهو يريد من الانتخابات شيئا آخر أيضا. يريد أن يجعل نفسه مرادفا للأمن، وأن يصور بقاءه في الحكم باعتباره ضرورة وطنية، وأن يحول المنافسة السياسية إلى استفتاء على من يستطيع تهديد الخصوم أكثر، ومن يرفض التسوية بصوت أعلى، ومن يعد بالقوة الساحقة ويعلن أنه لن يتراجع. وحين يربط مصير الدولة ببقائه، ويقول لناخبيه إن فوز خصومه سيعني قيام دولة فلسطينية، أو الانسحاب من أراض محتلة، أو تغيرا في سياسة إسرائيل تجاه إيران، فهو لا يقدم برنامجا انتخابيا فحسب، إنه يستثمر في الخوف، ويقدم التغيير السياسي باعتباره مجازفة وجودية، ويضع نفسه في مركز المشهد بوصفه الرجل الذي لا بديل منه.

ولعل أكثر ما يكشف حساباته الانتخابية أن خطابه لا يكتفي بتعداد الأخطار، بل يسعى إلى احتكار تفسيرها واحتكار الحلول لها. إيران تريد إسقاطه، وحماس تريد إسقاطه، وحزب الله يريد إسقاطه، والمعارضة الإسرائيلية في روايته ستقود اسرائيل إلى خسارة كل شيء. وهكذا يصبح خصومه، على اختلافهم وتناقض مصالحهم، كتلة واحدة في صورة يصنعها هو، فيما يقدم نفسه باعتباره الحاجز الأخير الذي يقف بين إسرائيل وبين الكارثة. إنها طريقة سياسية مألوفة في تحويل المنافسة على السلطة إلى معركة بين وجود القائد ووجود الدولة، لكنها تصبح أشد خطورة حين يكون القائد نفسه صاحب قرار الحرب والتصعيد، وحين يمكن أن تنتقل الرسائل الانتخابية من الشاشات إلى ميادين القتال.

والأخطر أن هذا الاستعراض ليس لعبة كلامية محصورة داخل إسرائيل. فحين يتحدث نتنياهو عن إيران، أو يهدد غزة، أو يعلن أن الضفة الغربية لن تكون دولة فلسطينية، فإنه لا يخاطب الناخب وحده، بل يرسل إشارات إلى دول وشعوب، ويؤثر في حسابات الحرب والسلام، ويجعل حياة ملايين البشر جزءا من المشهد الذي يريد من خلاله تثبيت صورته. وإذا صحت التقارير التي تحدثت عن مناقشات بشأن احتمال استئناف عمليات عسكرية واسعة ضد إيران قبيل الانتخابات، فإنها تكشف مدى حساسية التداخل بين الحسابات العسكرية والحسابات السياسية، من دون أن تثبت وحدها أن الدافع الانتخابي هو السبب الوحيد لأي قرار محتمل. فالخطر هنا أن يصبح التصعيد خيارا جذابا سياسيا في لحظة يحتاج فيها الحاكم إلى مشهد جديد للقوة، حتى لو كانت كلفة ذلك تتجاوز حدود إسرائيل إلى المنطقة كلها.

ومع ذلك، فإن نتنياهو ليس قيصر المنطقة مهما بالغ في تمثيل الدور. إنه رئيس حكومة يقود دولة تملك تفوقا عسكريا هائلا، لكنه لا يملك إرادات الشعوب، ولا يستطيع تحويل الاحتلال إلى حق، ولا يجعل التهديد سلاما، ولا يحول الرفض السياسي إلى حقيقة أبدية بمجرد تكراره. يستطيع أن يوسع الحرب، لكنه لا يستطيع أن يضمن أن الحرب ستنتج النظام الذي يريده، ويستطيع أن يفرض وقائع بالقوة، لكنه لا يستطيع أن يمحو حقوق أصحاب الأرض أو أن يجعل الخضوع خيارهم الوحيد إلى الأبد. فالتاريخ لا يوقع على قراراته، والجغرافيا ليست ملكا خاصا لرئيس حكومة، والشعوب ليست أرقاما في جدول أمني، ولا رعايا في إمبراطورية يتخيلها صاحبها من خلف المنصة.

إن إسرائيل التي تتحدث باسم الأمن بينما توسع الاستيطان، وتتشبث بالسيطرة وترفض السيادة الفلسطينية، وتطالب الآخرين بالتنازلات بينما تعتبر تنازلاتها خطرا وجوديا، لا تستطيع أن تطلب من المنطقة تصديق أن القوة وحدها ستنتج استقرارا. فالاستقرار لا يقوم على إدامة الاحتلال، ولا على إلغاء حقوق شعب، ولا على تحويل كل اعتراض إلى تهديد يستدعي الرد العسكري. وكلما بالغت الحكومة الإسرائيلية في تقديم القوة بوصفها الحل الوحيد، كشفت عن عجز سياسي عن تخيل نهاية للصراع لا تقوم على إخضاع الطرف الآخر.

وهنا يصبح الاستعراض الانتخابي أكثر من مجرد محاولة لكسب أصوات اليمين واليمين المتطرف. إنه عرض لقوة تريد أن تكون بلا حدود، ولسياسة تريد أن تجعل الرفض الفلسطيني بلا أفق، ولرئيس حكومة يسعى إلى إقناع جمهوره بأن استمرار حكمه هو استمرار لانتصار إسرائيل. لكن السؤال الذي يهرب منه هذا العرض هو .. ماذا بعد كل هذه القوة؟ ماذا بعد الحروب والتهديدات والاحتلال والاستيطان؟ هل ستبقى المنطقة إلى الأبد ساحة يقرر فيها نتنياهو من يحكم، ومن ينسحب، ومن يتسلح، ومن يتنازل؟ وهل يمكن لدولة أن تبني أمنا دائما على إنكار الحقوق السياسية للشعب الذي يعيش تحت احتلالها؟

ليست المنطقة ملكا لنتنياهو، وليست فلسطين بندا في برنامجه الانتخابي، وليست حياة الفلسطينيين مادة خاما لصناعة صورة القائد الذي لا يهزم. يستطيع نتنياهو أن يرفع صوته كما يشاء، وأن يلوح بالقوة أمام الكاميرات، وأن يخاطب ناخبيه بلغة القيصر، لكنه لا يستطيع أن يجعل غروره قانونا للتاريخ. فالقوة التي لا تعرف حدودها تتحول إلى عبء على صاحبها، والسلطة التي تحتاج إلى إبقاء الخوف حاضرا كي تبرر استمرارها تكشف عن مأزقها بقدر ما تستعرض نفوذها.

أما الفلسطينيون، فليس مطلوبا منهم أن ينتظروا نهاية العرض الإسرائيلي كي يعرفوا أن لهم حقا في الحرية والسيادة وتقرير المصير، وليس على المنطقة أن تتعامل مع تهديدات نتنياهو باعتبارها أوامر نهائية لا تقبل النقاش. إن أخطر ما في هذا الخطاب هو محاولة تطبيع فكرة أن إسرائيل وحدها تقرر، وأن الآخرين عليهم أن يتكيفوا، وأهم ما ينبغي قوله في مواجهته هو أن التفوق العسكري، مهما اتسع، لا يمنح صاحبه حق الوصاية على مستقبل الشعوب.

قد يخوض نتنياهو معركته الانتخابية بوصفه الرجل الذي لا يتراجع، لكنه يظل مسؤولا عن سياسات دولته ونتائجها، وعن الاحتلال الذي تفرضه، والاستيطان الذي توسعه، والحروب التي تشنها، وعن أي أفق سياسي تغلقه أمام الفلسطينيين. وهذه ليست تفاصيل جانبية يمكن تغطيتها باستعراض جديد للقوة، بل هي جوهر المسألة التي ينبغي أن يحاكم عليها خطابه السياسي، ليس بعدد التهديدات التي أطلقها، ولا بحجم القوة التي تفاخر بها، بل بما إذا كان يقود المنطقة نحو نهاية للصراع أم يريدها أن تبقى مسرحا مفتوحا لاستعراضه، فيما يدفع الآخرون ثمن العرض من أرضهم ودمهم ومستقبلهم.