آراء

العام المدرسي الجديد في فلسطين: تأملات تربوية في زمن المقاومة والانهزام

7 مشاهدة
العام المدرسي الجديد في فلسطين: تأملات تربوية في زمن المقاومة والانهزام

الكاتب: نسيم قبها

مشهد الافتتاح بين الأمل والتردد:

يقف العام المدرسي الجديد على أعتاب فلسطين هذه الأيام، حاملاً في جعبته تناقضات لاهبة: من جهة، الأمل المتجدد في قدرة التعليم على صناعة المستقبل، ومن جهة أخرى، واقعٌ اقتصادي خانق يضع المعلم الفلسطيني في مواجهة مع أدنى متطلبات العيش الكريم. بين هذا وذاك، تتشابك الأسئلة الوجودية حول دور التعليم في زمن الاحتلال، وحول قدرة المؤسسة التربوية على الصمود حين تنهار مفاصل الحياة اليومية.

المعلم الفلسطيني: البطل المقهور

إن المعلم في فلسطين ليس مجرد موظف يؤدي واجباً، بل هو حامل مشعل الوعي في معركة وجودية مع الاحتلال. ومع ذلك، يُطلب منه اليوم أن يُبدع في غياب الحد الأدنى من التقدير المادي، وأن يزرع الأمل في نفوس طلابه وهو يعاني من مرارة العيش. هذه المفارقة تطرح سؤالاً فلسفياً عميقاً: كيف يمكن للفعل التربوي أن يكون محفزاً للحياة وهو يصدر عن ذات منهزمة مادياً؟

يكمن الجواب في فكرة "التربية كمقاومة وجودية" - فالمعلم الفلسطيني، حتى في لحظات انكساره المادي، يمارس فعلاً وجودياً مقاومًا بمجرد وقوفه أمام طلابه. إنه يعلن أن الحياة تستمر، وأن المشروع الوطني لا يمكن أن ينهزم حتى لو تهاوت الرواتب.

أزمة التمثيل النقابي: تمزق الجسد النقابي

في ظل تعدد الإطلالات و المسميات النقابية - لجان، تنسيقيات، اتحاد، حراكات - نجد أنفسنا أمام أزمة تمثيل حقيقية. هذا التعدد لم يولد قوة، بل ولّد تشتتاً أفقد المعلم صوته الموحد. وكأن المعلم، الذي يُعلّم طلابه أهمية الوحدة، يعجز عن تحقيقها بين صفوفه.

هذا التمزق يعكس أزمة ثقة أعمق في المؤسسة التربوية والسياسية. وكأن المعلمين، حين فقدوا الأمل في القدرة الجماعية على التغيير، لجأوا إلى التجمعات الصغرى بحثاً عن هوية بديلة. لكن السؤال الفلسفي هنا: هل يمكن للفعل التربوي أن يكون موحداً في ظل مؤسسة ممزقة؟

الإضراب المحلي: صراع بين الحاجة والواجب

تُعلن بعض المناطق والمسميّات الإضراب، رافضة افتتاح العام الدراسي، وهنا نصل إلى لحظة تأملية مركزة: هل الإضراب في السياق الفلسطيني هو فعل نقابي محض، أم أنه يتخذ أبعاداً وطنية وأخلاقية؟

الإضراب، في جوهره الفلسفي، هو تأكيد على كرامة المعلم وحقه في العيش الكريم. لكن في سياق فلسطين، حيث المعركة مع الاحتلال هي المعركة الأم، يصبح الإضراب موقفاً معقداً. إنه صراع بين الحاجة الماسة للتحسين المادي وبين الواجب الوطني في الحفاظ على استمرارية التعليم. هذا الصراع يذكرنا بمعضلات الفلسفة الأخلاقية حين تتصادم القيم، وحين يصبح الاختيار بين سيئين.

الاحتلال والاستيطان: عائق أمام الوصول

يُقطع الاحتلال الطرق، وتُحاصر المدن، ويُستولى على الأراضي، ويجد الطالب والمعلم نفسهما أمام تحديات الوصول إلى المدرسة. هنا يتحول الفعل التربوي إلى فعل مقاومة مكاني، حيث يصبح الذهاب إلى المدرسة تحدياً يومياً يذكرنا بأن التعليم في فلسطين ليس حقاً طبيعياً، بل انتصار يتم تحقيقه كل صباح.

هذا البعد المكاني للتربية يطرح إشكالية فلسفية حول العلاقة بين الجغرافيا والتعليم. ففي فلسطين، لا يمكن الفصل بين المعرفة والمكان، فالأولى تُبنى رغم قسوة الثاني، وتتشكل الهوية في مواجهة محو المكان.

وزارة التربية: بين المسؤولية والثقة

تُطرح اليوم أسئلة حول قدرة وزارة التربية على مواكبة الصمود الأكاديمي، وحول أحقيتها بالثقة المجتمعية. وهنا، لا يمكن فهم دور الوزارة بمعزل عن السياق العام: فوزارة التربية في فلسطين تعمل ضمن نظام سياسي واقتصادي يعاني من التبعية، وتحت احتلال يضيق الخناق على كل مفاصل الحياة.

لكن الثقة المجتمعية بالوزارة لا تُمنح تلقائياً، بل تُكتسب عبر الفعل. السؤال الأعمق هو: هل يمكن للوزارة، في ظل محدودية الإمكانات، أن تكون قادرة على تجاوز دورها التقليدي لتتحول إلى مؤسسة صمود؟ الإجابة تتطلب إعادة تعريف لدور الوزارة من مجرد جهة إدارية إلى شريك في بناء المشروع الوطني التربوي.

ماذا يتعلم الطالب في زمن الاشتباك؟ منهجان متوازيان

هنا نصل إلى جوهر السؤال الفلسفي التربوي: ماذا يتعلم الطالب الفلسطيني اليوم، في ظل هذه الظروف المركبة؟ الإجابة تتجاوز المنهاج الرسمي إلى ما يمكن تسميته "منهاج الحياة ذاته".

أولاً: التعلم النظامي - أفق المعرفة المؤسسية

يبقى الطالب متعلماً للرياضيات واللغة والعلوم، يحفظ جداول الضرب ويتدرب على قواعد النحو. لكن هذا التعلم النظامي يكتسب، في السياق الفلسطيني، دلالة مختلفة تماماً. إنه ليس مجرد تحصيل معرفي، بل هو فعل تحرر معرفي. فتعلم اللغة العربية في ظل الاحتلال الذي يحاول طمس الهوية هو مقاومة لغوية. وتعلم التاريخ الفلسطيني الذي يُحاول الاحتلال تشويهه هو مقاومة سردية. وحتى تعلم العلوم والرياضيات هو استعداد لبناء وطن قادر على المنافسة.

لكن التعلم النظامي اليوم يواجه تحديات حقيقية: المناهج قد لا تستجيب بسرعة للتحولات، والكوادر قد تكون منهكة، والبنية التحتية قد تتداعى. ومع ذلك، يبقى هذا التعلم هو العمود الفقري، لكنه يحتاج إلى إعادة تأطير فلسفي: أن نتعلم ليس فقط لاجتياز الامتحان، بل لبناء القدرة على المواجهة.

ثانياً: التعلم من قسوة الحياة - المدرسة الموازية

لكن هناك منهجاً آخر، لا يُدرّس في الفصول، ولا توزع له كتب، لكنه الأعمق أثراً. إنه التعلم من قسوة الحياة واشتباكاتها. هنا، يتعلم الطالب الفلسطيني دروساً لا يمكن لأي منهاج أن يقدمها:

· يتعلم الصبر في زمن القهر: كل صباح يقطع فيه طرقات محفوفة بالحواجز، يتعلم أن الحياة ليست سهلة، وأن الوصول إلى حلمه يتطلب تضحيات.
· يتعلم معنى العدالة الظالمة: حين يرى والده المعلم يعمل بشغف ولا يحصل على قوت يومه، حين يرى الفوارق بين ما يستحقه وما يحصل عليه، يتعلم الطالب أن العالم ليس عادلاً، وأن عليه أن يكون هو صانع عدله.
· يتعلم التضامن في زمن التفتت: حين ترى المدرسة تنقسم حول الإضراب، حين تسمع الخلافات النقابية، يتعلم الطالب صعوبة الوحدة، لكنه أيضاً قد يتعلم من هذه التجربة أن التضامن الحقيقي يحتاج إلى وعي ونضج، وأن الانقسام هو هدية مجانية للاحتلال.
· يتعلم الخوف والحذر، لكنه يتعلم الشجاعة أيضاً: عبور الحواجز، مواجهة المستوطنين، العيش تحت الاحتلال - كلها تعلم الطالب أن الخوف شعور طبيعي، لكن الشجاعة هي فعل اختيار.
· يتعلم الأمل في زمن اليأس: إن مشاهدة معلم يعود إلى الفصل رغم كل شيء، ورؤية الأسرة تصر على التعليم رغم الفقر، ومواكبة المجتمع الذي يتمسك بالمدرسة كرمز للصمود - كل هذا يعلم الطالب أن الأمل ليس ترفاً، بل ضرورة وجودية.

جدلية التعلّمين: بين المنهاج ومنهاج الحياة

الأجمل في المشهد الفلسطيني أن هذين التعلّمين يتشابكان. فالطالب الذي يدرس نصاً أدبياً عن الحرية في كتاب اللغة العربية، يقرأه في ضوء تجربته اليومية مع الاحتلال. والطالب الذي يدرس الجغرافيا، يربطها بوعيه المكاني لفلسطين التي تتقلص. والطالب الذي يدرس التاريخ، يربطه بلحظته الراهنة.

وهنا يأتي دور المربي الفلسطيني كوسيط وجودي بين هذين العالمين. المعلم الذي يستطيع أن يربط بين الدرس النظامي والتجربة الحياتية، هو من يُحدث الفارق في زمن المصادر المفتوحة . إنه يعيد تفسير المنهاج في ضوء الواقع، ويجعل من الفصل الدراسي مساحة للتأمل الجماعي في معنى الحياة تحت الاحتلال.

نحو استشراف تربية المقاومة

ما نحتاج إليه هو مشروع تربوي فلسطيني يستند إلى أسس فلسفية جديدة:

1. التربية كفعل وجودي مقاوم: حيث يصبح التعليم، في حد ذاته، شكلاً من أشكال المقاومة، بغض النظر عن الظروف.
2. الأخلاق في زمن الأزمات: وهي دعوة لتجاوز النقابات المتشرذمة نحو أخلاقيات مهنية تضع المصلحة الوطنية فوق المصالح الضيقة ، والعمل على بناء عقد اجتماعي مع المعلم .
3. التعليم من أجل التحرر: فلسفة تعليمية ترى في المعرفة أداة للتحرر الفردي والجماعي، وليس مجرد وسيلة للحصول على شهادة.
4. التعلم المزدوج: الاعتراف بأن التعلم النظامي والتعلم من الحياة هما وجهان لعملة واحدة، وأن على المؤسسة التربوية أن تدمجهما في رؤية واحدة.

 في حضرة الأمل الممكن:

إن افتتاح العام المدرسي في فلسطين، رغم كل الصعاب، هو فعل مقاومة واستمرار. إنه إعلان أننا، كشعب، لن نستسلم، وأن مشروعنا الوطني الذي لا يمثله الانقسام سيستمر عبر الأجيال. صحيح أن المعلم يعاني، وأن النقابات متشرذمة، وأن الاحتلال يضيق الخناق، لكن في عمق كل هذا، هناك إيمان عميق بأن التغيير يبدأ من الفصل الدراسي.

والطالب الفلسطيني، بتعليمه المزدوج، هو الأكثر جهوزية لفهم تعقيدات الحياة. إنه يخرج من المدرسة ليس فقط حاملاً شهادة، بل حاملاً خبرة وجودية لا تعادل أي شهادة. إنه يتعلم أن المعرفة الحقيقية ليست فقط ما يُكتب في الكتب، بل ما يُختبر في الحياة.

لعل المشهد التربوي الفلسطيني اليوم، بأزماته وتناقضاته، هو الأكثر صدقاً في تعبيره عن حالة الشعب الفلسطيني بأسره: يعاني لكنه يصمد، يتشتت لكنه يتوحد في لحظات الحقيقة، يفتقر لكنه يُنمي الأغلى: الوعي.

فلنفتتح عامنا المدرسي بإصرار، ليس رغم الظروف، بل في مواجهتها. ولنذكر أنفسنا بأن كل طفل يجلس على مقعد الدراسة هو انتصار على كل آلة حربية، وأن كل معلم يقف أمام سبورته هو جدار منيع أمام كل مشروع استيطاني. وبأن كل درس نظامي يُعطى، وكل درس غير نظامي تُلقنه الحياة، يصنعان معاً إنساناً فلسطينياً قادراً على حمل مشعل التحرير.

التربية في فلسطين ليست مجرد مهنة، بل هي مشروع وجودي بامتياز. وختاماً، نقول كما قال الأقدمون بلا فلسفة : "بالعلم تُبنى الأوطان، وبالجهل تهدم." وفي فلسطين اليوم، يبقى العلم هو الأمل الوحيد في بناء وطن لا يمحى، وإنسان لا يستكين.