آراء

الرحى تطحن عظم السماء

59 مشاهدة
الرحى تطحن عظم السماء

الكاتب : أحمد دخيل


تخوض الدول انتخاباتها بالكلمات: برنامجٌ أمام برنامج، ومناظرةٌ أمام مناظرة، وناخبٌ يزن الوعود قبل أن يضع ورقته في الصندوق. في إسرائيل يبدو المشهد مختلفًا، فالانتخابات كثيرًا ما تدور فوق خرائط الآخرين ودمائهم، في الضفة والقطاع، وعند تخوم لبنان، وفي سماء سورية، حيث يدخل غبار الحرب في حسابات الأمن والصندوق معًا.
هناك رحى تدور، ولا تطلب القمح، تقتات على العظم.
من غزة إلى جنوب لبنان، ومن الجنوب السوري إلى أبو الظهور، ومع تبدل أسماء الخصوم، يبقى الخوف حاضرًا في الخطاب الإسرائيلي: الفلسطيني خطر، وتركيا خطر محتمل، والأقليات تحتاج إلى حماية، وجنوب لبنان تهديد دائم.
تتغير الحكاية، ويظلُّ الخوف بطلًا.
المسألة أعمق من صدق رواية أو كذبها، لأن من يملك حق تسمية الخطر، يملك إلى حد بعيد صورته وحدوده. وحين يملك صورته، تصير الحرب دفاعًا، والعدوان ضرورة، والدم تفصيلًا في دفتر أمنه.
في غزة اختلط البحر بالدم، واختلطت الجغرافيا بالطاقة، واختلط مستقبل القطاع بحسابات الإقليم. وحقل غزة مارين واحد من خيوط الصورة، لكن الغاز وحده شحيحٌ ليفسر حروب الشرق الأوسط، فالمنطقة أعقد من حقل غاز.
وفي سورية، دولة تحاول إعادة بناء مؤسساتها واقتصادها، واستعادة قرارها
واستقرارها بعد سنوات من الحرب والخراب. 
ثم تأتي الضربة إلى أبو الظهور، في سياق الاتهام الإسرائيلي بأن سورية كانت تقترب من السماح بانتشار قوات تركية في القاعدة، فيما نفت أنقرة وجود انتشار عسكري تركي على النحو الذي تطرحه إسرائيل.
والذي يريد أن يهزم شعبًا يكفيه أن يمنع عنه الغد.
ومصر، عند النيل، تحرس شريانًا لا تريد أن يتحول إلى كابوس. وأزمة سد النهضة نزاع حقيقي على الماء والتنمية والأمن، دخل منذ سنوات في صلب الحساب الاستراتيجي المصري. 
وفي ظل اتساع العلاقات الإسرائيلية في القرن الأفريقي، ولا سيما حضورها المتنامي في ملف صوماليلاند، يبقى من المشروع التساؤل عن موقع إسرائيل في شبكة التوازنات المحيطة بمصر، من دون تحويل التساؤل إلى حقيقة لا دليل عليها.
وهكذا تتوزع المنطقة على جبهات كثيرة: مصر عند النيل، سورية في ورشة استعادة الدولة، لبنان عند حدوده، وفلسطين في معركة الوجود.
كل بلد مشغول بناره، وهنا تتقن السياسة فنًا قديمًا: أن تجعل النار في كل بيت، حتى يصعب على أحد أن يرى الخريطة كاملة.
لكن وسط هذه الحرائق كلها، بقيت هناك معركة مختلفة: معركة البناء.
أما فلسطين، فقد عرفت أن البناء نفسه فعل سياسي، جاءت أوسلو محاولة للانتقال من زمن الثورة في المنفى إلى بناء إطار للحكم الفلسطيني على الأرض، من حمل القضية إلى المؤسسات، إلى خلق مؤسسات تحمل القضية.
 وقد صُممت المرحلة الانتقالية أصلًا لتقود إلى مفاوضات الوضع النهائي حول قضايا القدس واللاجئين والمستوطنات والحدود وغيرها.
صحيح أنّ أوسلو لم يكن خلاصًا، ولكنه لن يكون نهاية الحكاية، حيث كان محاولة لوضع حجر في أرض اعتادت استقبال الرصاص.
وعندما ضاق الطريق، تمدد الاستيطان، وتقطعت الأرض، وطال المؤقت حتى كاد يصير دائمًا.
لذلك فإن ضرب المسار الذي مثّلته أوسلو، في جوهره، هو ضرب للطريق الذي كان يفترض أن يقود منها إلى الدولة.
فالدولة تحتاج إلى أرض، وسيادة، واقتصاد يتنفس، وجغرافيا قابلة للحياة، وقرار فلسطيني يحمله الإطار الوطني الجامع لمنظمة التحرير ومشروعها في تقرير المصير وإقامة الدولة.
أن تبني يعني أنك تقول: أنا هنا، فالبناء بقاء، إنها صلاة من نوع آخر، وهي أيضًا مقاومة.
في غزة، إعادة فتح شارع ترميم للحياة. وفي سورية، بناء مؤسسة بعد الخراب إعلان بأن الدولة قادرة على العودة. وفي فلسطين، كانت المدرسة والجامعة والمصنع والثقافة أحجارًا في الطريق إلى الدولة.
إسرائيل تضع الأمن في صدارة خطابها.
وأي أمن هذا؟
أمن يحتاج إلى جوار ضعيف ومضطرب، فيغادر معناه الدفاعي ويدخل في هندسة الجغرافيا.
والخوف سيدٌ لا يحب الدول القوية.
يحب الفراغ، يحب الانقسام، لكن للأرض سرًا آخر.
تحت الركام تبقى حبة قمح، وتحت الخوف تبقى روح.
وهذه مسؤوليتنا الفلسطينية: أن نحافظ على فلسطين وهي تنتقل من قضية إلى دولة، ومن ذاكرة إلى مؤسسات، ومن مخيم إلى وطن، من دون أن نفقد البوصلة.
فالزمن ملك الشعوب، والرحى، مهما دارت، قد تطحن الحجر والعظم والذاكرة، ويستحيل عليها طحن المعنى.
في مكان ما، تحت التراب، حبة قمح تنتظر.
هي تلك الفلسطين، كلما ظنوا أنهم دفنوا الحكاية، نبتت من جديد.
الرحى تطحن عظم السماء، وتبقى الروح العارفة لدرب الضوء.