الاخبار الرئيسية

تحقيق ل "إندبندنت" يرجح ارتكاب إسرائيل جريمة حرب بقتل مريم أبو دقة وصحافيين في مستشفى ناصر قبل عام

95 مشاهدة
تحقيق ل "إندبندنت" يرجح ارتكاب إسرائيل جريمة حرب بقتل مريم أبو دقة وصحافيين في مستشفى ناصر قبل عام

لندن - واثق نيوز- نشرت صحيفة “إندبندنت” تحقيقا مفصلا حول مقتل الصحافية مريم أبو دقة التي قتلت في غارة جوية مزدوجة في 25 آب/ أغسطس على مستشفى ناصر في غزة وإمكانية ارتكاب إسرائيل جريمة حرب.

وفي التحقيق الذي شاركت فيه بيل ترو وعز الدين أبو عيشة ونضال حمدونة قالوا فيه إن أبو دقة كانت وسط دوي مدافع الدبابات الإسرائيلية تقضي ما تبقى لها من وقت ثمين وهي تحتسي القهوة مع صديقتها الصحافية براء لافي.

ووقعت الحادثة في يوم الإثنين وسط هذه المذبحة المستمرة لقطاع غزة. وكانت الصحافية البالغة من العمر 33 عاما، والتي تعمل في “إندبندنت عربية” و”أسوشيتد برس” في المبنى المدمر جزئيا الذي تتقاسمه مع صحفيات أخريات في خان يونس، جنوب قطاع غزة.

وكانت الجرافات العسكرية الإسرائيلية قد اخترقت في وقت سابق من هذه الحرب جانبا من الجدار، الذي قام أصحابه بترميمه بالأنقاض والأسمنت والصخور. ولذا، فقد كانت الغرفة “محطمة ومشوهة”، كما تقول براء لافي، لكنها منزلهم في الوقت الراهن.

وناقشت الصحافيتان التي يربطهما حب العمل معا  أحدث تقرير مشترك لهما حول الاكتظاظ في مستشفى ناصر، الواقع على الجانب الآخر من الشارع. وقد أجرتا مقابلة مع صديقتهما، الممرضة الكندية الفلسطينية المتخصصة في طب الطوارئ والمتطوعة الدولية أماندا، والتي صادف أن يكون اسم عائلتها هو ناصر، وقاطعتهما والدة براء باتصالها للاطمئنان عليهما، فطمأناها بأنهما بخير.

وفي الحقيقة، لم تكن مريم على ما يرام لأسابيع. فهي تفتقد بشدة ابنها الوحيد غيث، البالغ من العمر 14 عاما، والذي تمكنت من إرساله من غزة إلى الإمارات العربية المتحدة العام الماضي. ولا تزال تعاني من فقدان والدتها التي توفيت بمرض السرطان في خضم القصف في أيار/ مايو 2024، ويعود ذلك جزئيا إلى نقص العلاج. كما أن والدها، الذي تبرعت له بإحدى كليتيها قبل الحرب، لم يكن بصحة جيدة أيضا.

ووسط الموت الذي يحيط بها، تركت سرا وصية لابنها لدى صديقتها براء. وقبلها بثلاثة أيام، أرسلت أيضا رسالة صوتية إلى هادي طرفي، رئيس تحريرها في صحيفة “إندبندنت عربية”، تحذره فيها من احتمال اضطرارها للفرار للمرة الرابعة.

وفي داخل  المستشفى، كانت أماندا ناصر، المتطوعة مع منظمة غليا الطبية الخيرية الكندية، تشعر بالإحباط لاضطرارها لمغادرة عملها للانضمام إلى قافلة، حيث أُبلغ جميع المسعفين الدوليين في مستشفى ناصر الليلة الماضية بضرورة حضور دورة تدريبية إلزامية تنظمها منظمة الصحة العالمية حول العنف القائم على النوع الاجتماعي، خارج مقر المستشفى. وكانت أجنحة المستشفى تفوح منها رائحة الموت والتحلل ومكتظة جدا، ولذا بدا خروج أي مسعف من المستشفى أمرا غير مبرر.

وتتذكر قائلة: “عادة ما نحصل على التدريب من خلال دروس عن بعد عبر الإنترنت، فالعنف القائم على النوع الاجتماعي مشكلة قائمة أيضا، لكن من الواضح أننا نعيش في خضم إبادة جماعية”.

وتساءل متطوع دولي آخر مع منظمة غليا، وهو طبيب التخدير الدكتور ترافيس ميلين، بنفس القدر عن دورة التدريب، فهذا هو آخر يوم له في غزة “لماذا يحتاج إلى حضور هذا التدريب الآن؟”.

ويتذكر قائلاً: “عادة ما يخططون للأمور مسبقا وما أثار استغرابنا هو أنهم فجأة قالوا: هناك تدريب إلزامي الآن”.

وفي الخارج، تستيقظ ساحة المستشفى التي تحولت إلى مدينة خيام صاخبة، وسط حرارة صباح صيفي لاهب.

وأقام المدنيون الذين فروا من منازلهم المدمرة عبر القطاع الممتد على طول 40 كيلومترا مخيما في أرض مجمع من المفترض أن يكون محميا بموجب القانون الدولي، وقد نشأت بيئة متكاملة عند البوابة الرئيسية، يبيع الناس ما لديهم من مؤن كبيرة، ومن بينهم علي أبو لطيفة.

وكانت أكبر خيمة داخل الساحة طويلة، مغطاة بقماش مشمع أزرق زاه، وتمتد على طول الجانب الشرقي من المجمع. وهي مخصصة للصحافيين الذين نزحوا أيضا، والذين يعيشون هنا فعليا.

ومن بين الصحافيين فيها قال حسام المصري، مصور “رويترز”، 49 عاما، وهو أب لأربعة أطفال إنه يخشى أن تسخن الشمس الحارقة كاميرته على الدرج الخارجي في الجهة الشرقية من المستشفى وتؤدي لانقطاع البث المباشر. وقبل أسبوع ونصف، تظهر صورة التقطتها مريم ونشرتها حسام واقفا بجوار كاميرته المغطاة بسجادة صلاة خضراء وبيضاء لحمايتها من الحرارة.

كما أمضت مريم معظم أيامها هناك، تتفقد منشوراتها على وسائل التواصل الاجتماعي وتكتب تقاريرها. ويبدو أن مبرر إسرائيل لاستهداف المستشفى لاحقا هي كاميرا قالت إنها تابعة لحماس وتعرض حياة الجنود الإسرائيليين للخطر، مع أن وكالة رويترز أكدت لاحقا أن الكاميرا كانت تبث مباشرة من خان يونس، وأن الجيش الإسرائيلي كان على علم بوجود فرق تابعة لها تعمل في مستشفى ناصر.

وقبل الضربة، كانت  سماهر، زوجة حسام البالغة من العمر 39 عاما، تتحدث مع زوجها بينما يقف بجوار كاميرته على الدرج. وقد تمكنت للتو من العثور على بعض الخضراوات وشرائها بسعر باهظ، لذا فهي بحاجة إلى تحويل مبلغ مالي إلى حسابهما.

وكان حسام متعبا ومرهقا في الأونة الأخيرة، مما أثار قلق سماهر، التي تكافح سرطان المبيض في المنطقة المحاصرة حيث لا يوجد علاج. وقال لها مرة أخرى بيأس: “أريد فقط أن أرتاح، أريد أن أُستشهد لأرتاح أخيرا”.

ثم انقطع اتصالهما فجأة ودوى انفجار هائل وانقطع الخط ودوى انفجاران هائلان في السماء، واصطدمت قذيفة بالجانب الشمالي من المستشفى، ممزقة ما يعرف بـ”التيتانيك”: وهي منطقة مشتركة محاطة بنوافذ كبيرة بالقرب من غرفة العمليات، حيث يستريح الأطباء والمسعفون بين العمليات الجراحية. واخترقت قذيفة ثانية الدرج الخارجي الشرقي في الطابق الرابع.

وهزت الانفجارات المباني المقابلة أيضا، عندها أمسكت براء بسترتها الصحافية، وبسرعة تفوق سرعة مريم، هرعت خارجة من الشقة وهي لا تزال ترتدي خفيها. وبينما كانت تغادر، نادت على صديقتها التي كانت لا تزال تجمع أغراضها قائلة: “سأخرج قبلكِ، حسنا؟”. وتجمع الصحافيون والمدنيون للبحث عن الجثث وبدأوا صعود الدرج نحو جثة حسام.

وفي خضم الفوضى، بدأ الناس يلاحظون طائرة هليكوبتر إسرائيلية تحلق في السماء، فصرخ أحدهم: “هناك طائرة أخرى، قد تقصف، انزلوا!” خوفا من غارة وشيكة أخرى وهرع إلى أسفل الدرج، والتقى بجارته وصديقته مريم، التي كانت منهمكة في التغطية الصحافية. كانت ترتدي وشاحا أبيض ومعطفا أسود. وكما هو معتاد، كانت مريم من أوائل الواصلين إلى مكان الحادث.

وقد ساد الارتباك الآن مع وجود أكثر من 20 شخصا في طوابق مختلفة من الدرج، بالإضافة إلى عدد أكبر في الطابق الأرضي. يتم تصوير الحدث مباشرة، ومن زوايا متعددة، مع صحافيين يعملون لدى بعض أكبر وكالات الأنباء في العالم. وعندما اختفت مريم في الضربة الثانية، تقول أماندا: “عندما سمعت أن مريم كانت من بينهم، انهرت تماما. ظللت أقول: لا، علينا العودة إلى المستشفى الآن”.

إلا أن منظمي الدورة قرروا أن عودة الأجانب في تلك الليلة كانت شديدة الخطورة، ربما خشيةً من غارة أخرى، أو ربما خشيةً من أن يظن المجتمع المحلي أن الأجانب كانوا على علم مسبق بالأمر وغادروا عمدا. وتضيف أماندا “بكيت لساعة كاملة، غمرتني مشاعر جياشةٌ من الخوف والغضب”… من الواضح جدا ما حدث، ولماذا تم استدراجنا للخارج حتى يستهدف المستشفى وشعرت وكأنها رسالة تحذير: بإمكانهم فعل ما يشاؤون”.

وتظهر الأدلة التي جمعتها صحيفة “إندبندنت” رواية مختلفة عن تلك التي قدمتها إسرائيل. فقد أعلن الجيش الإسرائيلي لاحقا أن لواء جولاني، أحد ألوية المشاة النخبة في إسرائيل، رصد كاميرا “وضعتها حماس” لمراقبة القوات لكن وكالة رويترز أكدت مجددا أنها كاميرا بث مباشر، وهو ما أكده أيضا ستة صحفيين، وشخصان من المجتمع المحلي، وأطباء دوليون يعملون في المستشفى، تحدثوا إلى صحيفة “إندبندنت” وقد التقطت مريم صورة للكاميرا، المغطاة ببطانية صلاة، ونشرتها بنفسها في الأيام السابقة. وذكرت رويترز أن الجيش الإسرائيلي كان على علم بوجود فرق تابعة لها داخل المستشفى.

وتحدثت صحيفة “إندبندنت” إلى سبعة شهود عيان في موقع الهجوم، أفادوا برؤية طائرات استطلاع بدون طيار تحلق فوق المنطقة فور وقوع الهجوم الأول. وشعر جميع من تحدثت إليهم “إندبندنت” بأنهم مراقبون عن كثب، حيث تجمعت مجموعات على الدرج لتقديم المساعدة والإبلاغ. وتحدثت “إندبندنت” إلى اثنين من المبلغين الإسرائيليين، وكلاهما من جنود الاحتياط الذين خدموا في جنوب غزة.

وقال أحدهما الذي خدم في وحدة دبابات لـ “إندبندنت” إن طبيعة الهجوم أظهرت أنه لم يكن “متعمدا” فحسب، بل “يبدو أنه كان مخططا له بدقة”.

وقال أحد الأفراد إن “أسلوب إطلاق النار الخاص بقذيفتين دبابة” استخدم بعد حوالي عشر دقائق من الهجوم الأول، ما يعني “أنهم رأوا الحشد بالتأكيد”، وهو ما يعزز الاعتقاد بأنه كان قصفا مزدوجا متعمدا.

وشرح لورانس أبو حمدان، مؤسس منظمة “إيرشوت” الذي قامت منظمته بتحليل صوتي معمق وتحديد موقع اللقطات من خمس كاميرات على الأقل تصور الطلقة الثانية التي أودت بحياة مريم. وبفضل تحليل الصوت ومسار المقذوفات والمسافة بين لحظة الارتطام وصوت انفجار الفوهة، تمكنوا من تقدير المسافة وموقع الدبابة التي أطلقتها 2.5 كيلومترا شمال شرق المستشفى.

وفحصت صحيفة “إندبندنت” صورا التقطتها الأقمار الإصطناعية لشركة “بلانيت لابز” في 25 آب/ أغسطس 2025، والتي أظهرت وجود قاعدة دبابات، مزودة بسواتر ترابية، على بعد 2.5 كيلومترا شمال المستشفى، وتوجد عدة دبابات متمركزة هناك.

كما أجرت صحيفة “إندبندنت” مقابلات مع خبيرين آخرين في مجال الأسلحة، وهما كريس كوب سميث، وإن آر جينزن جونز، من “أرمامنت ريسيرش سيرفيسز”. وقد حدد كلاهما شظايا عثر عليها في موقع الحادث والتي صورتها وكالة أسوشيتد برس، وخلصا إلى أنها أجزاء من قذيفة دبابة إسرائيلية عيار 120 ملم.

وقال إن آر جينزن جونز إن اللقطات المصورة في موقع الحادث “تشير أيضا إلى استخدام مقذوفات شديدة الانفجار أو مقذوفات متعددة الأغراض، كما هو متوقع في حالة استهداف نيران الدبابات للأفراد داخل المباني”.

وقال كيفن جون هيلر، أستاذ القانون الدولي في مركز الدراسات العسكرية بجامعة كوبنهاغن، لصحيفة “إندبندنت” بعد دراسة جميع الأدلة، إنه يمكن للمدعي العام أن “يستنتج بشكل معقول” أن الجناة ارتكبوا جرائم حرب “تمثلت في مهاجمة المدنيين عمدا وشن هجوم غير متناسب، لا سيما فيما يتعلق بالهجوم الثاني”.

وتابع هيلر: “على سبيل المثال، لم تبذل أي محاولة لتحذير المستشفى على الإطلاق ويلزم القانون الدولي الإنساني بإبلاغ المستشفى، ومنحه الوقت الكافي لمعالجة أي مشكلة مزعومة”.

كما وطرحت مسألة التناسب نظرا للميزة العسكرية الضئيلة التي حققتها إسرائيل في هدفها المعلن المتمثل في تدمير كاميرا، مقارنةً بالأضرار الجانبية المدنية الهائلة في هجوم مزدوج. وتساءل هيلر: “هل تحتاج حقا إلى قذيفتي دبابة شديدتي الانفجار لتدمير كاميرا؟”.

حالة الطقس

حالة الطقس في المحافظات الفلسطينية