آراء

غزة: بين الإبادة وانهيار منظومة الحماية الدولية، وغياب المسؤولية الوطنية

50 مشاهدة
غزة: بين الإبادة وانهيار منظومة الحماية الدولية، وغياب المسؤولية الوطنية

 

الكاتب: جمال زقوت

في فلسطين، خاصة في قطاع غزة، لم تعد الانتهاكات مجرد وقائع متفرقة، بل باتت تمثل نمطًا ممنهجًا من الجرائم التي تمس جوهر الحماية التي أقرها القانون الدولي الإنساني للمدنيين. فما يجري في غزة ليس حربًا بقدر ما هو عدوان غاشم تمارسه قوة احتلال عنصرية تتصرف وكأنها فوق القانون الدولي. فاستهداف المدنيين، وتدمير البنية التحتية، والحصار، والتجويع، والتهجير القسري، والعقاب الجماعي، كلها ممارسات تحظرها اتفاقيات جنيف لعام 1949، وتشكل في مجموعها انتهاكات جسيمة لا يمكن تبريرها بذرائع عسكرية أو أمنية.

وفق نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، فإن هذه الأفعال تندرج ضمن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، بما في ذلك استهداف المدنيين، واستخدام التجويع وسيلة للحرب، وتدمير الممتلكات والمساكن بما في ذلك المؤسسات الصحية والتعليميّة والإنسانية ، وفرض العقاب الجماعي، وهي أفعال تقوض المبادئ الأساسية للقانون الدولي الإنساني.

الإبادة الجماعية: شبهة أم جريمة مكتملة؟

لم يعد النقاش القانوني الدولي محصورًا في جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، بل امتد إلى أخطر الجرائم الدولية، وهي جريمة الإبادة الجماعية. فقد دخلت الحالة في غزة دائرة التحقق القضائي بموجب اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية لعام 1948، وأقرت محكمة العدل الدولية بوجود أفعال يمكن أن تندرج ضمن هذه الجريمة.

كما اعتبرت مؤسسات حقوقية دولية عديدة أن ما يجري في غزة يرقى إلى الإبادة الجماعية أو إلى أفعال تقع ضمن نطاقها، استنادًا إلى اتساع نطاق القتل، والاستهداف الواسع والمتكرر للمدنيين، سيما الأطفال والنساء، والتدمير المنهجي لشروط الحياة، واستخدام الحصار والتجويع وحرمان السكان من مقومات البقاء.

حين يعجز القانون أمام القوة

المعضلة لا تكمن في غياب النصوص القانونية، بل في غياب الإرادة السياسية وآليات الإلزام. فقد أدى شلل مجلس الأمن، واستمرار الدعم السياسي والعسكري لإسرائيل، وازدواجية المعايير في تطبيق القانون الدولي، إلى إفراغ منظومة الحماية الدولية من مضمونها العملي. وفي المقابل، يكتفي جزء كبير من المجتمع الدولي ببيانات القلق والإدانة، بينما تستمر الوقائع على الأرض دون تغيير. وهذا التناقض بين فداحة الجريمة ومحدودية الاستجابة يكشف أزمة عميقة في النظام الدولي.

ما بعد وقف النار: إدارة الحرب بوسائل أخرى

رغم ما سُمّي باتفاق وقف إطلاق النار، ورغم تنفيذ المقاومة التزاماتها في المرحلة الأولى منه، الا أن إسرائيل لم تلتزم باستحقاقات الاتفاق، بل واصلت عملياتها العسكرية وسياسة القتل والاستهداف اليومي للمدنيين. وفي الوقت نفسه، واصلت قوات الاحتلال فرض وقائع جديدة على الأرض من خلال توسيع مناطق السيطرة العسكرية داخل قطاع غزة، بما أدى إلى تقليص كبير في المساحات المتاحة للسكان وتحويل أجزاء واسعة من القطاع إلى مناطق محظورة أو مهددة. كما لم تُنفذ الالتزامات المتعلقة بإدخال البيوت المتنقلة أو الشروع الفعلي في إعادة الإعمار، الأمر الذي أبقى مئات الآلاف من الفلسطينيين في ظروف إنسانية قاسية.

أما الترتيبات الخاصة بإدارة القطاع، فقد بقيت معطلة، إذ لم تتمكن لجنة إدارة غزة من ممارسة أي دور فعلي، ولم يُسمح لأعضائها بدخول القطاع، بما يهدد بتحويلها من إطار شكلي إلى مجرد غطاء لحقيقة المخطط الاسرائيلي لإبقاء القطاع في حالة فراغ سياسي وإداري لتنفيذ استراتيجية التهجير الجماعي في حال اتيحت لها فرصة ذلك. ولا تقتصر خطورة هذه الوقائع على استمرار المعاناة الإنسانية، بل تمتد إلى محاولة فرض ترتيبات سياسية وأمنية جديدة، وإدارة الحرب بوسائل أخرى عبر تكريس الوقائع الميدانية ومنع تشكل مرجعية فلسطينية قادرة على إدارة مرحلة ما بعد الحرب.

في المقابل، تطرح هذه التطورات أسئلة فلسطينية كبرى حول استمرار رهانات الأطراف الفلسطينية المهيمنة على المشهد، وتمسُّك كل منها بإمكانية تصدر المرحلة المقبلة منفردًا، دون اكتراث لحجم الكارثة الوطنية التي أصابت الشعب الفلسطيني.

العجز الدولي والفراغ السياسي الفلسطيني

أثبتت التجربة الفلسطينية أن التعويل على عدالة النظام الدولي وحدها لا يكفي، كما أن الاكتفاء بإدانة الانتهاكات لا يوقفها. فالقانون الدولي لا يعمل في فراغ، بل يتأثر بموازين القوى والقدرة على تحويل النصوص إلى أدوات ضغط ومساءلة. ومن هنا، فإن التحدي الفلسطيني لا يكمن فقط في إثبات الجريمة أو توصيفها قانونيًا، بل في بناء قوة وطنية وسياسية وقانونية قادرة على تحويل الرصيد الأخلاقي والقانوني الذي راكمته القضية الفلسطينية إلى عناصر تأثير حقيقية.

استراتيجية فلسطينية للمواجهة

تبدو الحاجة ملحة إلى استراتيجية وطنية شاملة تستند إلى وحدة التمثيل السياسي، والاتفاق الوطني على إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني على أسس ديمقراطية وتشاركية، بما يمكّن الشعب الفلسطيني من امتلاك مرجعية وطنية موحدة وقادرة على إدارة الصراع سياسيًا وقانونيًا ودبلوماسيًا. فالانقسام الداخلي لم يعد مجرد أزمة سياسية، بل أصبح أحد أخطر عوامل إضعاف القدرة الفلسطينية على حماية الحقوق الوطنية والدفاع عنها، كما يفتح المجال أمام فرض ترتيبات تتجاوز الإرادة الوطنية الجامعة.

وفي الوقت نفسه، يفرض الواقع على الفلسطينيين الاستثمار في الرصيد الأخلاقي والقانوني الذي اكتسبته القضية الفلسطينية في الرأي العام العالمي، وفي الجامعات والنقابات ومنظمات المجتمع المدني وحركات التضامن الدولية، إذ بات الصراع أيضًا صراعًا على الشرعية والرواية والوعي العالمي.

حتى لا تصبح الإبادة قدرًا

إن حماية الوطن وحق شعبنا في الحياة الكريمة لا تبدأ فقط من مواجهة الجريمة، بل من القدرة على إعادة بناء عناصر الصمود الوطني، وصون النسيج الاجتماعي، وتوحيد الإرادة السياسية. فالشعوب الواقعة تحت الاحتلال لا تنتصر فقط بما تملكه من وسائل القوة، بل أيضًا بما تملكه من قدرة على البقاء ومنع الجريمة من تحقيق أهدافها السياسية.

ولعل أخطر ما يمكن أن يقدمه الفلسطيني لجلاده هو الاستسلام للعجز أو التسليم بأن موازين القوى قدر أبدي. فالاحتلال قد يمتلك القوة، لكنه لا ولن يمتلك الشرعية، والقانون قد يتأخر، لكنه لا يفقد قيمته ما دام هناك شعب يتمسك بحقوقه ويواصل نضاله من أجل الحرية والكرامة والحياة.

وإذا كان عجز النظام الدولي قد سمح باستمرار الجريمة، فإن مسؤولية الفلسطينيين التاريخية لا تكمن في انتظار عدالة مؤجلة، بل في بناء عناصر القوة الوطنية والسياسية والقانونية والأخلاقية التي تحول دون تحويل الإبادة إلى قدر أو الظلم إلى واقع دائم.