آراء

الوصاية الهاشمية على القدس: السد الأخير في مواجهة التهويد ومشاريع تصفية الهوية

18 مشاهدة
الوصاية الهاشمية على القدس: السد الأخير في مواجهة التهويد ومشاريع تصفية الهوية

بقلم : اللواء بلال النتشة 

في لحظات التحولات الكبرى التي تعصف بالمنطقة، وفي زمن تختلط فيه الحقائق بالدعاية السوداء، وتتصاعد فيه محاولات إعادة تشكيل الوعي العربي قبل إعادة تشكيل الجغرافيا السياسية، تبرز القدس من جديد باعتبارها جوهر الصراع وعنوانه الحقيقي. فكل ما يجري في المنطقة، مهما تعددت عناوينه وتشعبت مساراته، يعود في نهاية المطاف إلى سؤال واحد: من يحمي القدس؟ ومن يحافظ على هويتها العربية والإسلامية والمسيحية في مواجهة أضخم مشروع تهويد تشهده المدينة منذ احتلالها عام 1967؟

إن المتابع لما يجري اليوم في القدس يدرك أن الاحتلال الإسرائيلي لم يعد يكتفي بإدارة الاحتلال التقليدي، بل انتقل إلى مرحلة أكثر خطورة تتمثل في فرض وقائع استراتيجية جديدة على الأرض تستهدف تغيير هوية المدينة بشكل نهائي. فالتوسع الاستيطاني المتسارع، والاقتحامات المنظمة للمسجد الأقصى المبارك، ومحاولات تقسيمه زمانياً ومكانياً، وتهجير المقدسيين، وهدم المنازل، وخنق المؤسسات الوطنية، كلها حلقات في مشروع متكامل لا يستهدف الأرض فقط، بل يستهدف الذاكرة والتاريخ والرواية والحق.

وفي مواجهة هذا المشروع الخطير، تقف الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس باعتبارها أحد أهم الحصون السياسية والقانونية والتاريخية التي حالت وما زالت تحول دون نجاح المخططات الرامية إلى انتزاع المدينة من عمقها العربي والإسلامي.

لقد أثبت التاريخ أن الهاشميين لم يتعاملوا مع القدس باعتبارها ورقة سياسية مؤقتة أو ملفاً دبلوماسياً عابراً، بل باعتبارها أمانة تاريخية ومسؤولية قومية ودينية وأخلاقية. فمنذ عقود طويلة ارتبطت الأسرة الهاشمية بالقدس ارتباطاً وثيقاً، وتجسد هذا الارتباط في مشاريع الإعمار والرعاية والحماية والدفاع عن المقدسات في أصعب الظروف وأشدها قسوة.

ولذلك لم يكن مستغرباً أن تصبح الوصاية الهاشمية اليوم هدفاً مباشراً لكل من يسعى إلى إضعاف الموقف العربي في القدس. فالاحتلال يدرك تماماً أن هذه الوصاية ليست مجرد عنوان بروتوكولي أو دور إداري، وإنما تمثل مرجعية سياسية وقانونية ودينية معترفاً بها إقليمياً ودولياً، وتشكل عقبة حقيقية أمام مشاريع فرض السيادة الإسرائيلية المطلقة على المقدسات الإسلامية والمسيحية في المدينة المحتلة.

إن الأردن، بقيادته الهاشمية وشعبه بمختلف مكوناته، أثبت عبر تاريخه الحديث أنه دولة قوية ومستقرة وقادرة على مواجهة التحديات والمؤامرات. كما أثبت الأردنيون، وفي مقدمتهم العشائر الأردنية الأصيلة، أنهم يشكلون ركناً أساسياً من أركان الدولة الوطنية الحديثة وحصناً منيعاً في مواجهة محاولات العبث بالهوية الوطنية أو النيل من وحدة المجتمع.

ولذلك فإن كل محاولة لإثارة الانقسامات أو التشكيك بالانتماء الوطني أو خلق استقطابات مصطنعة بين أبناء الوطن الواحد لا تخدم سوى المشاريع التي تسعى إلى إضعاف الأردن ودوره الإقليمي، وخاصة دوره المحوري في الدفاع عن القدس ومقدساتها.

لقد أصبح واضحاً أن الاحتلال الإسرائيلي يعمل على أكثر من جبهة في الوقت ذاته. فهو يواصل فرض الوقائع على الأرض داخل القدس، ويعمل في الوقت نفسه على إضعاف كل المرجعيات السياسية والقانونية التي يمكن أن تعيق مشروعه. ولذلك فإن استهداف الوصاية الهاشمية، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، لا يمكن فصله عن المشروع الأكبر الهادف إلى تفكيك منظومة الحماية العربية والإسلامية للمدينة المقدسة.

والحقيقة التي يجب أن يدركها الجميع هي أن الوصاية الهاشمية اليوم ليست مصلحة أردنية فحسب، بل مصلحة فلسطينية وعربية وإسلامية بامتياز. فوجود مرجعية معترف بها لرعاية المقدسات وحمايتها يمثل ضمانة أساسية للحفاظ على الوضع التاريخي والقانوني القائم ومنع الاحتلال من فرض رؤيته الأحادية على المدينة.

كما أن الوصاية الهاشمية شكلت على مدى السنوات الماضية مظلة مهمة لحماية المقدسات الإسلامية والمسيحية من محاولات التهويد والتغيير القسري، وأسهمت في إبقاء قضية القدس حاضرة على أجندة المجتمع الدولي رغم كل محاولات التهميش والتجاوز.

إن ما يجري في القدس اليوم ليس مجرد صراع على بضعة كيلومترات من الأرض، بل هو صراع على هوية المنطقة بأسرها. فالقدس ليست مدينة عادية يمكن التعامل معها بمنطق الصفقات السياسية أو الحسابات المرحلية. إنها رمز حضاري وديني وتاريخي تختزل في أزقتها وقبابها وكنائسها ومساجدها ذاكرة أمة كاملة.

ومن هنا فإن الدفاع عن الوصاية الهاشمية هو في جوهره دفاع عن القدس نفسها. وهو دفاع عن الرواية التاريخية في مواجهة محاولات التزوير. ودفاع عن الحق في مواجهة سياسة فرض الأمر الواقع. ودفاع عن الاستقرار الإقليمي في مواجهة المشاريع التي لا تتوقف عند حدود القدس، بل تستهدف إعادة تشكيل المنطقة بأكملها وفق موازين قوة مؤقتة لا تستند إلى شرعية أو عدالة.

وفي السياق، لا يمكن الحديث عن الوصاية الهاشمية ودورها المحوري في حماية القدس دون التوقف أمام الجهود المتواصلة التي يقودها العاهل الاردني جلالة الملك عبد الله الثاني على مختلف المستويات السياسية والدبلوماسية والدولية دفاعاً عن المدينة المقدسة ومقدساتها الإسلامية والمسيحية. فقد جعل جلالته من قضية القدس بنداً ثابتاً في جميع تحركاته الدولية، رافضاً أي محاولات للمساس بالوضع التاريخي والقانوني القائم في المدينة، ومؤكداً في مختلف المحافل أن القدس ليست قضية أردنية أو فلسطينية فحسب، بل قضية عدالة وحق وتاريخ وهوية. لقد أثبتت القيادة الهاشمية، بقيادة الملك عبدالله الثاني، أن الوصاية ليست شعاراً سياسياً يرفع عند الحاجة، بل التزام تاريخي وأخلاقي تُدفع أثمانه السياسية والدبلوماسية دفاعاً عن أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين، في وقت اختار فيه كثيرون الصمت أو الاكتفاء ببيانات لا تغير من واقع المدينة شيئاً.

الى ذلك، لا بد من الإشادة بالموقف الوطني الثابت الذي يتبناه سيادة الرئيس محمود عباس في الدفاع عن الحقوق الوطنية الفلسطينية وعن القدس باعتبارها العاصمة الأبدية لدولة فلسطين. فرغم الضغوط الهائلة والتحديات السياسية غير المسبوقة التي تواجه القضية الفلسطينية، واصل الرئيس "ابو مازن" تحركه السياسي والدبلوماسي للحفاظ على الحضور الفلسطيني في الساحة الدولية، والتصدي لمحاولات تصفية القضية الوطنية أو تجاوز الحقوق التاريخية للشعب الفلسطيني. كما شكل التنسيق الأردني الفلسطيني، بقيادة الملك عبدالله الثاني والرئيس محمود عباس، نموذجاً في الدفاع المشترك عن القدس ومقدساتها، ورسالة واضحة بأن الوصاية الهاشمية والقرار الوطني الفلسطيني يقفان في خندق واحد في مواجهة مشاريع التهويد والضم ومحاولات فرض الأمر الواقع بالقوة.

إن هذا التكامل بين الموقف الأردني والموقف الفلسطيني يمثل اليوم أحد أهم عناصر القوة السياسية في مواجهة المشروع الإسرائيلي، ويؤكد أن القدس ستبقى عنواناً للوحدة لا الفرقة، وعنواناً للنضال السياسي المشروع من أجل حماية الهوية العربية والإسلامية والمسيحية للمدينة المقدسة، مهما اشتدت الضغوط وتعاظمت التحديات.

إن المرحلة الراهنة تتطلب قدراً عالياً من اليقظة السياسية والوحدة الوطنية. فالمعركة الحقيقية ليست بين أبناء الأمة الواحدة، وليست بين مكونات المجتمع الواحد، وإنما هي معركة الدفاع عن الحقوق التاريخية وعن القدس وعن المقدسات التي تتعرض اليوم لأكبر عملية استهداف ممنهجة منذ ما يقارب ستة عقود.

ولذلك فإن المطلوب اليوم ليس فقط دعم الوصاية الهاشمية سياسياً وإعلامياً، بل تحويل هذا الدعم إلى موقف عربي وإسلامي موحد يبعث برسالة واضحة مفادها أن القدس ليست وحدها، وأن محاولات تهويدها لن تمر دون مواجهة سياسية وقانونية وشعبية مستمرة.

لقد أثبتت السنوات الماضية أن الرهان على الوقت لم يكن في صالح القضية الفلسطينية، وأن الاحتلال استغل الانقسامات والصراعات الإقليمية لتسريع تنفيذ مشاريعه على الأرض. ولهذا فإن إعادة الاعتبار للقدس كقضية مركزية، وتعزيز الدور الذي تقوم به الوصاية الهاشمية في حماية المقدسات، يشكلان خطوة ضرورية لاستعادة زمام المبادرة في مواجهة سياسات التهويد المتصاعدة.

ستبقى القدس عنوان الحق العربي والإسلامي، وستبقى الوصاية الهاشمية عنواناً للشرعية التاريخية والسياسية في حماية مقدساتها. أما حملات التضليل والشائعات والدعايات المغرضة، فمصيرها الزوال مهما ارتفع صوتها، لأن الحقائق الراسخة لا تهزمها الأكاذيب، ولأن الشعوب التي تعرف تاريخها جيداً لا يمكن أن تنخدع بسهولة بمحاولات التزييف والتشويه.

وفي النهاية، فإن القدس لا تحتاج إلى بيانات عاطفية بقدر ما تحتاج إلى مواقف ثابتة وإرادة صلبة ومشروع عربي حقيقي يحميها من أخطر محاولة لاقتلاع هويتها منذ عام 1967. وفي قلب هذا المشروع الوطني والقومي تقف الوصاية الهاشمية شامخة، تؤدي دورها التاريخي بثبات ومسؤولية، وتؤكد يوماً بعد يوم أنها ليست مجرد وصاية على حجارة ومعالم، بل وصاية على التاريخ والهوية والحق العربي الأصيل في القدس.

*الامين العام للمؤتمر الوطني الشعبي للقدس