الكاتب : عادل شديد
مع إعلان وقف إطلاق النار بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، دخلت المنطقة مرحلة جديدة من التهدئة الحذرة بعد أسابيع من المواجهة العسكرية التي هزّت التوازنات الإقليمية وأثارت قلقًا عالميًا واسعًا. ولم يكن هذا الإعلان مجرد توقف مؤقت للعمليات العسكرية، بل جاء نتيجة توازنات معقدة وضغوط دولية شاركت فيها قوى كبرى من خلف الكواليس .
تشير العديد من المؤشرات السياسية إلى أن هذا الاتفاق مهدت له تفاهمات غير معلنة بين الولايات المتحدة وروسيا، ارتبط بعضها بالملف الأوكراني وببعض العقوبات التي فرضتها واشنطن على موسكو. كما أن الصين كانت حاضرة في خلفية المشهد ضمن توازنات اقتصادية وسياسية أوسع تتعلق باستقرار الأسواق العالمية وسلاسل الإمداد والطاقة. ومن المرجح أن بعض هذه التفاهمات سيظل بعيدًا عن العلن في الوقت الراهن، وقد تتكشف تفاصيله خلال الأسابيع أو الأشهر المقبلة مع تطور المشهد السياسي الدولي.
في بداية الحرب، وضعت الولايات المتحدة وإسرائيل أهدافًا واضحة تمثلت في إسقاط النظام الإيراني، وتدمير قدراته الصاروخية، والقضاء على برنامجه النووي. في المقابل، أعلنت إيران منذ اللحظة الأولى أن ما بعد هذه الحرب لن يكون كما قبلها، وأنها تسعى إلى فرض معادلة ردع جديدة وتغيير موازين القوة في المنطقة.
لكن مع تطور مجريات المعركة، بدا واضحًا أن الحرب لم تسر وفق السيناريو الذي كانت واشنطن وتل أبيب تأملانه. فالنظام الإيراني لم ينهَر، والقدرات العسكرية الإيرانية لم تُدمَّر بالشكل الذي كان مخططًا له، بل استمرت إيران في الرد العسكري وتمكنت من تنفيذ ضربات اعتُبرت مفاجئة في نطاقها وتأثيرها.
ومن هذا المنطلق يمكن القول إن الطرف الذي خرج متقدمًا في هذه الحرب هو إيران، ليس بالمعنى التقليدي للنصر العسكري، بل من خلال ما يمكن وصفه بـ “حرب النقاط”. فعند مقارنة الأهداف التي أعلنتها إيران في بداية الحرب بالأهداف التي وضعتها الولايات المتحدة وإسرائيل، يتضح أن طهران استطاعت تسجيل نقاط سياسية وعسكرية أكثر على أرض الواقع.
ومن أبرز هذه النقاط إبعاد الطرف الإسرائيلي عمليًا عن مسار المفاوضات. فالمفاوضات التي أدت إلى وقف إطلاق النار جرت أساسًا بين الولايات المتحدة وإيران عبر وسطاء، دون أن تكون إسرائيل طرفًا مباشرًا فيها. وقد لعب الوسيط الباكستاني دورًا مهمًا في تسهيل هذا المسار. وباكستان لا تربطها أي علاقات مع إسرائيل، لكنها في المقابل ترتبط بعلاقات قوية واستراتيجية مع الصين، وهو ما يعكس – بصورة غير مباشرة – أن بكين كانت حاضرة في خلفية هذه المباحثات ولو بشكل غير معلن.
ورغم أن إسرائيل لم تكن طرفًا مباشرًا في هذه المفاوضات، فإن نتائج وقف إطلاق النار فُرضت عليها عمليًا، خصوصًا فيما يتعلق بساحات المواجهة التي شملتها الهدنة مثل جنوب لبنان واليمن وإيران. وهذه سابقة لافتة في طبيعة الصراع في المنطقة، إذ وجدت إسرائيل نفسها أمام معادلة ميدانية جديدة لم تستطع التحكم فيها بالكامل. فعلى سبيل المثال، لم تتمكن إسرائيل من الرد بشكل فعّال على بعض الضربات التي انطلقت من الساحة اليمنية، وهو ما يعكس حجم التحول في طبيعة المواجهة وتعدد جبهاتها.
كما نجحت إيران في توحيد الجبهات قولًا وفعلاً خلال هذه المواجهة. فخلال الفترة الأخيرة من التصعيد، ظهر بوضوح مستوى عالٍ من التنسيق في العمليات العسكرية بين أكثر من ساحة، ولا سيما بين جنوب لبنان واليمن وإيران. وقد عكس ذلك انتقال ما كان يُطرح سابقًا كشعار سياسي إلى واقع عملي على الأرض.
ومع تثبيت وقف إطلاق النار، بدا واضحًا أن الهدنة لم تُفرض على جبهة واحدة فقط، بل شملت جميع هذه الساحات في وقت واحد، وهو ما يُعد إنجازًا سياسيًا وعسكريًا لإيران. فهذه النتيجة تعني أن معادلة توحيد الجبهات أصبحت جزءًا من قواعد الاشتباك الجديدة في المنطقة.
وتكتسب هذه المعادلة أهمية خاصة إذا ما قورنت بالاستراتيجية التقليدية التي اعتمدتها إسرائيل لسنوات طويلة، والتي تقوم على التعامل مع كل جبهة بشكل منفصل والانفراد بكل ساحة على حدة. إلا أن ما حدث في هذه الحرب أظهر أن هذه المعادلة لم تعد تعمل بالفاعلية نفسها، وأن محاولة الفصل بين الجبهات أصبحت أكثر صعوبة.
إلى جانب البعد العسكري، كان العامل الاقتصادي أحد أهم عناصر الضغط في هذه الحرب، خصوصًا ما يتعلق بمضيق هرمز. فإغلاق المضيق أو تعطّل الملاحة فيه لفترة طويلة كان سيؤدي إلى اضطراب خطير في الاقتصاد العالمي. ولا يقتصر تأثير المضيق على تجارة النفط والغاز فقط، بل إن ما يقارب 70٪ من مواد الأسمدة الزراعية العالمية تمر عبر هذه المنطقة الحيوية.
وقد جاء ذلك في توقيت حساس يتزامن مع موسم الزراعة الربيعي في عدد كبير من دول العالم، ما يعني أن استمرار إغلاق المضيق كان سيؤدي إلى نقص حاد في الأسمدة الزراعية، وبالتالي انخفاض الإنتاج الزراعي وارتفاع أسعار الغذاء عالميًا. وهذه النتائج الكارثية لم تكن لتقتصر على أوروبا أو الولايات المتحدة، بل كانت ستمتد إلى آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، ما قد يقود إلى أزمة غذاء عالمية واسعة.
ومن بين الأسباب التي دفعت الإدارة الأمريكية إلى القبول بوقف إطلاق النار أن واشنطن استخدمت معظم الخيارات العسكرية المتاحة خلال مراحل التصعيد المختلفة. كما أن بعض العمليات التي جرت في نهاية الأسبوع، والتي قُدمت تحت عنوان إنقاذ طيار أو تنفيذ مهمة محددة، لم تحقق النتائج المرجوة، وهو ما عزز القناعة داخل الإدارة الأمريكية بأن الخيارات العسكرية أصبحت أكثر تعقيدًا وكلفة.
إضافة إلى ذلك، برز عامل الاستنزاف العسكري بصورة واضحة. فبعض الضربات التي تعرضت لها القدرات الأمريكية – والتي تأثرت بأساليب القتال التي ظهرت في الحرب الروسية الأوكرانية – كشفت هشاشة بعض المنظومات المتقدمة. فقد ظهرت خسائر في طائرات متطورة، بما في ذلك طائرات الشبح وطائرات التزويد بالوقود، وهو ما اعتبره كثير من المراقبين مؤشرًا على أن الولايات المتحدة تكبدت خلال أيام من هذه الحرب خسائر نوعية تقارب، من حيث الأثر الاستراتيجي، ما خسرته روسيا خلال سنوات من حربها في أوكرانيا.
كل ذلك وضع صانع القرار الأمريكي أمام معادلة صعبة: الانسحاب وإعلان وقف إطلاق النار قد يُفسَّر على أنه هزيمة، لكن الاستمرار في الحرب قد يقود إلى هزيمة أكبر وأكثر كلفة.
وفي تقديري الشخصي، فإن الرئيس الأمريكي وصل إلى قناعة بأنه تورط في هذه الحرب، وأن الخيارات المتاحة أمامه أصبحت محدودة. لذلك حاول إقناع الدوائر السياسية المؤثرة داخل الولايات المتحدة، وكذلك القاعدة السياسية الداعمة له، بأن ما تم تحقيقه هو أقصى ما يمكن تحقيقه في هذه الظروف، وأن الاستمرار في التصعيد لن يؤدي إلا إلى تعقيد الموقف أكثر.
كما لعب العامل السياسي الداخلي دورًا مهمًا في هذا القرار، إذ بدأت بعض الأصوات داخل الكونغرس تتحرك علنًا لجمع الدعم من أجل تفعيل التعديل الخامس والعشرين من الدستور الأمريكي، وهو التعديل الذي يتيح عزل الرئيس في حالات معينة تتعلق بقدرته على أداء مهامه. وقد أدرك الرئيس أن استمرار الحرب في ظل هذه الظروف قد يزيد من الضغوط السياسية عليه.
وفي المقابل، كان يدرك أيضًا أنه ما زال يمتلك القدرة على مخاطبة قاعدته السياسية وتسويق ما حدث على أنه إنجاز أو انتصار، خصوصًا داخل القاعدة الجمهورية التي قد تتبنى هذا الخطاب في إطار الصراع السياسي الداخلي في الولايات المتحدة.
وبطبيعة الحال، ما زال الكثير من تفاصيل هذه الحرب غير واضح حتى الآن، كما أن العديد من التفاهمات التي جرت خلف الكواليس لم يُكشف عنها بعد. لكن ما يمكن قوله إن مجموعة من العوامل تضافرت لدفع القرار الأمريكي نحو وقف إطلاق النار، من بينها استنزاف القدرات العسكرية، والاعتماد الكبير على الذخائر الذكية، وصعوبة تحقيق حسم عسكري سريع، إضافة إلى المخاطر التي بدأت تهدد الاقتصاد العالمي.
كما أن استمرار الحرب كان سيعني دخول الولايات المتحدة في حرب استنزاف طويلة، وهو السيناريو الذي استخدمته واشنطن نفسها سابقًا عندما دعمت أوروبا أوكرانيا في مواجهة روسيا، غير أن تكرار هذا النموذج في هذه الحرب كان سيؤدي إلى استنزاف الولايات المتحدة أيضًا.
الخاتمة :
في ضوء كل ما سبق، يبدو أن ما نشهده اليوم ليس نهاية للصراع بقدر ما هو هدنة قابلة للتمديد. فمن المرجح أن يتم تمديد وقف إطلاق النار مرات متتالية، وأن تستمر المفاوضات لفترة طويلة بهدف تثبيت هذه الهدنة وتسويقها سياسيًا على أنها إنجاز لجميع الأطراف.
غير أن هذه الهدنة، حتى وإن استمرت لبعض الوقت، قد لا تكون سوى مرحلة انتقالية في صراع لم تنتهِ أسبابه العميقة بعد. فالتوترات الكامنة في المنطقة ما زالت قائمة، والتوازنات الجديدة التي أفرزتها هذه الحرب قد تفتح الباب أمام جولات جديدة من الضغط والتصعيد السياسي أو العسكري.
وفي حال استمرت هذه المعادلة، فإن المسار التفاوضي الطويل والهدن المتتالية قد تقود في نهاية المطاف إلى تفاهمات أوسع أو اتفاقات سياسية جديدة. وإذا حدث ذلك، فمن المرجح أن تكون إيران من بين الأطراف التي ستحقق مكاسب إضافية نتيجة قدرتها على استثمار ما سجلته في هذه الحرب من نقاط سياسية وعسكرية، وتحويلها إلى أوراق قوة في أي مفاوضات مستقبلية.



