ثقافة

  قراءة في قصيدة"مزهريات مُتكسِّرة " للشاعرة ملاك الريماوي

210 مشاهدة قراءة 14 دقيقة

الكاتب : نصير أحمد الريماوي
أثناء متابعتي المواقع الإلكترونية الثقافية، لفتت انتباهي قصيدة خارجة إلى النور من بين أنياب الإبادة في غزة هاشم، بعنوان "مزهريات مُتكسِّرة " للشاعرة "ملاك الريماوي" المُقيمة في مخيم النصيرات، وعائلتها مهددة بالترحيل من هناك، لقربها من الممر العسكري الصهيوني الذي يفصل غزة شمالا عن مناطق الوسط والجنوب، وهذه القصيدة منشورة في "مجلة الجسر الثقافي العراقي" الإلكترونية بتاريخ 3/10/2026م، وهي مجلة أدبية ثقافية واجتماعية..إلخ
لقد عمدت شاعرتنا إلى كتابة قصيدتها المذكورة آنفا، بلغة مجبولة بدمار غزة وأشلاء شهدائها، وتعتبر وثيقة أدبية صادمة، ويمكن تسمية هذا اللون بأدب الصدمة، وشعر المقاومة الحديث، حيث تتحول الكتابة فيها من ترف جمالي، إلى محاولة لترميم الذات والوطن من بين الأنقاض والدَّمار الذي حلَّ بقطاع غزة جراء القصف الإسرائيلي، برا وجوا وبحرا خلال العدوان من السابع من أكتوبر عام2023م وحتى الآن. لها ديوانان لغاية الآن ينتظران الطباعة، الأول بعنوان "هشيم الأيام" أما الثاني فبعنوان "أوراق ضائعة".
فجاءت كلماتها من تحت رُكام حرب الإبادة في قطاع غزة، وتنتمي إلى الشعر الحر، وهو نمط يعتمد على وحدة التفعيلة والسطر الشعري، بدلاً من البيت التقليدي ذي الشطرين، مما يمنح الشاعرة حرية تدفق المشاعر، وتجسيد مأساة الواقع دون قيود قافية جامدة، كما يخلق إيقاعا داخليا نابعا من تدفق الشعور، وتعتبر موسيقاه انعكاسا للحالة النفسية والإنفعالية للشاعرة التي عاشت يوميات المجازر ومرارة الظُّلم الواقع على شعبنا، فهي تقول في القصيدة:
مزهريات متكسرة
في مدينتي
نطوف بين الانقاض
نتيمم بثرى الوطن
مجبولا بالدماء !!
في مدينتي نموت كالتماثيل
ينكسر الهواء !!
في مدينتي
يركض القاتل
اطفال يغرقون
بأحلام من حجر
على صهوة الصدر
أكتب زهورا سقطت
قرب جدران المزهرية
في مدينتي
لا مكان في المكان
لا نوافذ تنتظر
ولا أبواب يطرقها الجن
ولا جدران تبتسم
اما هذه القصيدة
كانت أشلاء ...أشلاء
جمعتها
كأوراق مبعثرة
في غرف الرعب
في مدينتي
لا أحد يموت معك
لا أحد يكمل هذا الوجع الآسن
تعالوا ...واجمعوا ما
تبقى من لحومنا
في مدينتي
يرحل الشعراء
وهذه الارض سوداء
أقطفها بقصيدة
أو أدفنها في الرحيل ...
ينبت الشهداء من جديد
وكل شهيد
زيتونة مباركة
في ارض الجليل
من خلال تحليلي البنيوي والموضوعاتي للقصيدة:
لقد بدأت الشاعرة بـعنوان "مزهريات متكسرة" الذي يحمل في طيَّاته مفارقة تعبيرية، لأن المتعارف عليه، أن المزهرية في الوعي الإنساني هي رمز للجمال، والبهجة، والحياة المستقرة. لكن "تكسُّرها"، يعلن فوراً عن زلزال عنيف ضرب هذا الاستقرار، وأن المدن ، تُعرف بحدائقها وعمرانها، لكن مدينة "الريماوي" تُعرف بـالتكسر والأنقاض، مما يخلق صدمة عاطفية لدى المتلقي منذ السطر الأول.
يطلق على هذا في النقد الأدبي" أدب الصَّدمة" الذي يجسِّد التجارب القاسية والصادمة التي يمر بها الأفراد أو المجتمعات من ويلات الحروب، والإبادات الجماعية، والإنتهاكات الجسدية والنفسية، ويركز على الآثار النفسية والوجودية المترتبة عليها.
من ناحية بُنية القصيدة الدلالية والصور الشعرية نجد أنها تتحرك بين ثنائيات صارخة "الموت،الحياة، الجفاف،الخصوبة، الحجر،الدم"، ويمكن تفكيك صورها عبرالمحاور التالية:
في قولها "نتيمم بثرى الوطن مجبولا بالدماء"، تدمج الشاعرة بين الطقس الديني "التيمم لعدم وجود الماء" والواقع المأساوي. الدم هنا يحل محل الماء ليمنح الأرض والجسد طهارة وقداسة، وهو تعبير عن التحام الفلسطيني بأرضه حتى في أحلك الظروف وبذلك تظهر شاعرتنا مدى قداسة المعركة.
الموت وانكسار اللامرئي: "نموت كالتماثيل ينكسر الهواء"؛ الموت هنا ليس غياباً بيولوجياً فقط، بل هو تجميد للحظة السقوط. التماثيل جامدة، وقتل غزة يحول الأحياء إلى جمادات بفعل هول الصَّدمة. أما "انكسار الهواء" فهي صورة سريالية بليغة تعني أن أدوات الحياة الأساسية نفسها (الأكسجين والفضاء) تشوهت وتحطمت بفعل القصف الهمجي. وقد وظَّفت في قصيدتها بمهارة الإنكسار اللامرئي المقصود به كل ما لا يمكن رؤيته بالعين المجردة، مثل: المشاعر، الأفكار، الروحانيات والروابط الخفية.
كما صوّرت في قصيدتها الطفولة المغدورة تصويرا قاسيا لسرقة البراءة في الشطرة التي تقول فيها: "أطفال يغرقون بأحلام من حجر"، يتحول الحجر من أداة مقاومة في الذاكرة الفلسطينية إلى عبء ثقيل يغرق أحلام الأطفال تحت الرُّكام.
تدمج الشاعرة بين فعل الكتابة وفعل الفجيعة: "على صهوة الصدر أكتب زهورا سقطت قرب جدران المزهرية".
الكتابة هنا فعل إنقاذ ومحاولة لتوثيق الجمال (الزهور) وسط الدَّمار. وتصل ذروة المأساة في الشطرة الصادمة : "تعالوا ...واجمعوا ما تبقى من لحومنا"، وهو نداء استغاثة مباشر يتجاوز المجاز ليعبر عن حقيقة تشتت الأجساد وتحولها إلى أشلاء تفقد الخصوصية الفردية ""لا أحد يموت معك".
نرى هنا كيف استطاعت شاعرتنا تحويل تجاربها الموجعة والآلام النفسية والجسدية إلى إبداع فني وجماليات شعرية، هذه هي شعرية الألم. خاصة وأن شاعرتنا فقدت من أسرتها هناك عددا من الشهداء والشهيدات بسبب قصفهم بطائرات الاحتلال المُسيَّرة خلال العدوان المستمر على قطاع غزة حتى الآن، منهم: أطفال ونساء وشباب وأزواج وتدمير منازلهم وتشتيتهم.
أما في بنية المكان- وهو الفضاء الجغرافي الذي وقعت فيه الأحداث- فتكرر الشاعرة لافتة "في مدينتي" كترجيع جنائزي لتوكيد الهوية والمكان،ولتأكيد عمق المأساة الفادحة التي تعيشها المدينة، لكنها فجأة تلغيه: "لا مكان في المكان"، وتتحول المدينة إلى "لا مكان" بفعل المحو الإبادي: "لا نوافذ" غياب الأمل والانتظار،"لا أبواب" انقطاع الصلة بالعالم، "لا جدران تبتسم" تحولت البيوت الدفيئة إلى غرف رعب متداعية.
لقد نجحت القصيدة في تجسيد "خسارة الفضاء الشَّخصي" وانسداد الأفق عبر الشطرات التالية:"لا مكان في المكان، لا نوافذ تنتظر، ولا أبواب يطرقها الجن، ولا جدران تبتسم." هذه مفارقة فضائية.
في هذه الشطرات تفقد العناصر المعمارية للمنزل (النافذة، الباب، الجدار) وظيفتها الحمائية أو الرمزية كالأمل والانتظار، وتتحول المدينة إلى سجن مكشوف ومقبرة جماعية بلا ملامح..
ثنائية الوجع الآسن والاستغاثة
تصف الشاعرة الاستفراد الرهيب بالضحية: "لا أحد يموت معك، لا أحد يكمل هذا الوجع الآسن". وصف الوجع بـ"الآسن" (كالماء الراكد المتعفن) يحمل إدانة سياسية وإنسانية صارخة للصمت الإقليمي والدولي. ثم تأتي الصرخة المباشرة المفتقرة للمجاز: "تعالوا... واجمعوا ما تبقى من لحومنا". هذا الانتقال من الرمزية إلى المباشرة الصادمة يعكس اللحظة التي تضيق فيها البلاغة عن وصف بشاعة الواقع، فيصبح اللحم المشرح هو النص الحقيقي.
التحول الأسطوري من الرَّماد إلى الجليل (الانبعاث)
رغم السواد الطاغي ورحيل الشعراء، لا تنتهي القصيدة بالعدمية. يحدث تحول درامي في الشطرات الأخيرة:
- الأرض السوداء المحروقة تتحول إلى حقل خصيب،
- ينبت الشهداء كأشجار زيتون،
- امتداد الجغرافيا: النَّبت يبدأ من غزة المُبادَة ليمتد إلى "أرض الجليل" في شمال فلسطين التاريخية.
هذا الربط الجغرافي يكسر الحصار الصهيوني لقطاع غزة، ويعيد لحمة القضية الفلسطينية؛ فالدم في الجنوب يثمر زيتوناً مباركاً في الشمال، وهي إحالة مباشرة إلى فكرة الفينيق الفلسطيني الذي ينهض من رماده مستنداً إلى أبعاد قرآنية وتاريخية.
رغم السَّواد، إلا أن الخاتمة تقلب الميزان الدلالي من الانكسار إلى المقاومة والامتداد الجغرافي، وعندما تقول الشاعرة في قصيدتها "ينبت الشهداء من جديد"، هنا يتحول الشهيد من ضحية ميتة إلى بذور حية في جوف الأرض. فهي تبرز جدلية الموت والبعث، فهذا هو النَّبت الأسطوري بحد ذاته.
كما ربطت شاعرتنا الشهيد بـ "الزيتونة المباركة" لإعادة النسيج إلى بعده الهوياتي والتاريخي، وأن شجرة الزيتون كرمز للصمود، و من الرموز الوطنية المباركة.
في الختام استطيع القول: إن هذا النص الشعري للشاعرة "ملاك الريماوي" يمكن وصفه بـ "شعرية أدب المأساة والدمار"؛ وهو نص عارٍ من التزويق اللفظي، يعتمد على الجمل القصيرة. وقد نجحت في تحويل شهادتها الحيَّة تحت القصف إلى وثيقة جمالية تدين القاتل، وتخلّد الضحية، وتؤكد، رغم الموت، أن الولادة الحقيقية تنبثق من عمق جراح الإبادة.
____
* ملاك الريماوي شاعرة تقيم مع زوجها في مخيم النصيرات بقطاع غزة، عاشت وما زالت تعيش لحظات حرب الإبادة خلال العدوان الإسرائيلي على غزة منذ السابع من أكتوبر عام 2023م، لذلك جاءت كلماتها من تحت حطام المباني ومن بين انياب طائرات ودبابات الموت، وجثث الشهداء التي ملأت الشوارع في قطاع غزة بسبب قصف الاحتلال الصهيوني لشعبنا الفلسطيني.وقد فقدت الشاعرة عددا من أسرتها بقصف الطائرات المسيّرة وهم نيام، وهم: أولاد شقيقتها "محمد وهاشم إبراهيم القولق" وزوج ابنتها، وابن شقيقة زوجها"طارق زياد أبو أمونة في عام 2024م، ومن آل الراعي الريماويون هناك، التالية اسماؤهم: زكي عبد النبي إكريم، وإبنه محمد زكي إكريم، آدم جمعة الراعي، نصر أشرف نصر خميس الراعي، وشادية يوسف الراعي41 عاما، وبناتها صباح علي نصري الراعي19 عاما، وحنان علي نصري الراعي10 أعوام، وثلاثة من أبنائها، وهم: شادي14 عاما، ومازن12عاما، ونصري 4 أعوام علي نصري الراعي، والشهيدتان : عالية52 عاما وحليمة37 عاما نصري محمد الراعي، والشهيد حمزة رامي نصري الراعي، وأولاد الشهيدة عالية نصري الراعي، فراس 17 عاما وعلاء 17 عاما خضر شحدة زقوت.

من الجدير ذكره أن عائلتي "إكريم والراعي" ريماويتان تعيشان هناك.