ثقافة

عندما يغيّر الوجودُقمصانَه ... تأملات في الزمن والذاكرة والمكان

171 مشاهدة
عندما يغيّر الوجودُقمصانَه ... تأملات في الزمن والذاكرة والمكان

 الكاتب : محمد العداربة
 
الزمن الذي يمشي خفيفًا
يمضي الزمن خفيفًا بين أصابعنا كالماء. حتى الجبال التي حسبناها أوتادًا للأرض تتحرّك في سرّها، تتآكل ذُراها حبةً حبة، وتترك للريح شيئًا من جسدها، وللمطر شيئًا من ذاكرتها. والحجارة تمشي أيضًا، ببطءٍ لا تراه العين، تبدّل وجوهها في الليل، وتشيخ تحت الشمس. وحين نعود إليها بعد أعوام، نجدها في مكانها... لكنها ليست الحجارة التي تركناها. الزمن ينحت الأشياء كتمثالٍ لا يريد له أن يكتمل.

الطفل الذي تركناه
ونحن كذلك. كنا أطفالًا نركض خلف الفراشات، ولا ندري أن طفولتنا نفسها فراشةٌ ستفلت من أيدينا. كبرنا. ارتفعت أجسادنا، وانخفضت أحلامنا، وصارت المرايا أكثر معرفةً بنا. كبر الوجه، تعبت اليدان، وانطفأ شيءٌ من الضوء في العينين. لكن طفلًا ظلّ هناك؛ في أعمق موضعٍ منّا، كأن الزمن نسيه في بيتٍ قديم. يفتح النوافذ وينتظر الذين رحلوا.

ما لا يأخذه الموت
لا أعرف إن كانت الروح تسكننا أم أننا نسكن فيها. لكنها تحفظ ما يعجز الزمن عن أخذه: لحظةً عابرة، نظرةً، رائحةَ خبزٍ من بيتٍ بعيد، صوتَ أمٍّ في آخر النهار، ظلَّ شجرةٍ على وجه صبي، وعطرَ امرأةٍ مرّت ذات صيف. تخفيها في مكانٍ لا نعرفه. هناك تنام اللحظات. لا تكبر. لا تشيخ. لا تموت. وحين ننام، تفتح قبورها الصغيرة وتعود. لهذا نحلم بالموتى. يدخلون من أبوابٍ لا وجود لها، يجلسون إلى جوارنا، ويتحدثون كما كانوا. نمدّ أيدينا... فلا نجد إلا الهواء. نستيقظ، فنكتشف أن الموت لم يأخذهم تمامًا. تركهم فينا.

الأماكن التي لا تنسى
البيت الذي كان واسعًا يصغر حين نعود. والطريق الذي كان طويلًا يختصره العمر. والشجرة التي كنا نختبئ تحتها تبدو أقصر... لا لأنها قصرت، بل لأنها طالتنا. ونافذةٌ كنا نطلّ منها على العالم، صار العالم يطلّ علينا منها. نحن لا نعود إلى الأمكنة؛ نعود إلى أنفسنا التي كانت هناك. نفتّش عن الطفل في الحائط، في العتبة، في شقٍّ بين الحجارة. لكن الحائط صامت، والباب صامت، حتى الشجرة التي تعرف أسماءنا تتظاهر بأنها لا تعرفنا. ومع ذلك... لعلّ المكان لا ينسى. كلُّ بيتٍ يحفظ ظلال الذين عاشوا فيه. كلُّ شارعٍ يحمل خطى لا تُرى. كلُّ نافذةٍ في الليل تنتظر وجهًا لن يعود. ربما الحائط يحفظ ظلّ من اتكأ عليه، والعتبة تعرف الأقدام، والباب يحفظ صرير الأيدي. نحن فقط نظن أن الأشياء صامتة.

حين يفتح الماضي عينيه
وفجأة... يعود الطريق. تعود الشجرة. يعود المساء. تعود يدٌ صغيرة كانت تمسك يدًا أكبر منها. ويعود وجهٌ ظننّاه غاب. عندها لا يعود الماضي ماضيًا. يصير لحظةً تفتح عينيها فينا. النسيان ليس موتًا. إنه نومٌ طويل. وفي الروح يدٌ خفية تنتشل ما تحب من بين أسنان الأيام. تدفنه فينا، ثم تمضي. نكبر نحن... ولا تكبر اللحظة.

السوسنة التي لم تعد هي
حتى الزهور... السوسنة التي تعانقها اليوم ليست السوسنة التي عانقتها بالأمس. قد تكون هي نفسها في عين النبات، لكنها ليست هي في عينك. أخذتَ منها شيئًا أمس، وتأخذ منها شيئًا اليوم. وربما كانت تنظر إليك أيضًا. رأتك تعود بوجهٍ آخر، وشعرٍ أقل، وخطواتٍ أثقل، وعينين مثقلتين بالغياب. وربما قالت في سرّها: هذا ليس الرجل الذي عانقني بالأمس. حتى الزهرة تتذكر. وحتى التراب يعرف أقدامنا. وحتى الحجارة ربما تحفظ وقع الذين مرّوا.

ما تتركه الأيام
لا شيء يبقى على حاله. لا الحجر، لا الشجرة، لا البيت، لا الطريق، لا الوجه، لا الجسد. حتى الذكرى تغيّر قميصها. كل شيء يعبر. والزمن، ذلك الكائن الذي يمشي خلفنا، يأخذ يومًا ويترك ذكرى. يأخذ وجهًا ويترك صورة. يأخذ يدًا كانت تمسك أيدينا ويترك دفءَ أصابعها. لا يقتل الأشياء دفعةً واحدة؛ يحوّلها إلى أشباح ويسكنها فينا. ولهذا لا يموت الماضي. يتغيّر شكله فقط. يصير أغنية، أو رائحة، أو حلمًا، أو رجفةً مفاجئة حين نعبر مكانًا لم نره منذ أعوام. ثم، في اللحظة الأخيرة، تقبض الروح على شيءٍ واحد. فيقول الزمن: ماذا أبقيتِ؟ فتقول: خذ كل شيء... لكن اترك لي هذه اللحظة. وتغلق عليها بابها. وفي مكانٍ ما، داخلنا... تبقى السوسنة مفتوحةً إلى الأبد.

*كاتب وشاعر من الاردن