الشاعر: يوسف حنا
.
رحلَ سليمانُ منصور،
لكنَّ يدهُ لم ترحلْ؛
تركتْ على ترابِ فلسطين
أثرَ أصابعَها،
وتركتْ في جدارِ الذاكرة
نافذةً لا يستطيعُ الاحتلالُ إغلاقَها.
.
وُلدَ ..
في السنةِ التي كانَ فيها الوطنُ
يتهيّأُ لجرحهِ الطويل،
وكأنَّ القدرَ أرادَ
أن يولدَ الفنانُ
مع بدايةِ المأساة،
ليظلَّ يرسمُ
ما عجزَ التاريخُ عن قوله.
.
كانَ يكبرُ الاحتلالَ بسنة،
لكنَّه ظلَّ أصغرَ من فلسطين،
وأكبرَ من الخوف.
.
ومنذُ أن أمسكَ الريشةَ
لم تكن اللوحةُ عندهُ
نافذةً على الجمال فقط،
بل نافذةً على الوطن.
.
خرجَ من بين يديه
ذلكَ الجملُ المهيب:
"جملُ المحامل"؛
يحملُ القدسَ،
ويحملُ الزيتونَ،
والبيوتَ،
والذاكرةَ،
ويحملُ على ظهرهِ
ما أثقلَ من الجبال:
فلسطين.
.
ومنذُ ذلكَ اليوم
لم يعد الجملُ جملاً،
بل صارَ شعباً
يمشي تحتَ حملهِ
ولا ينحني.
.
وحينَ حاولوا
أن يمنعوا الألوانَ
حتى في بطّيخة،
كانَ سليمانُ منصور
يكتشفُ أنَّ اللونَ
قد يتحوّلُ إلى مقاومة،
وأنَّ ما يُحظَرُ على الجدار
يستطيعُ أن يعبرَ إلى العالم.
.
فخرجتِ البطّيخةُ
من مطبخِ البيت
إلى فضاءِ الحرية،
وصارتْ ألوانُها الأربعة
علمَ شعبٍ
يختبئُ أحياناً
في ثمرةٍ صغيرة
كي لا يُرى،
ثم يظهرُ
كي يُرى الجميع.
.
وبعدَ الانتفاضةِ الأولى،
ذهبَ سليمانُ أبعدَ
في سؤالِ الفنِّ والمقاومة؛
تركَ الموادَّ المستوردة،
وأمسكَ بما تمنحهُ الأرض:
التراب،
والطين،
والحنّاء،
والبنّ.
كأنَّه قالَ للوحة:
كوني من هذه الأرض،
كي لا يستطيعَ أحدٌ
أن يصادرَ هويّتَك.
فصارَ الطينُ لوناً،
والترابُ ذاكرةً،
والبنُّ ظلاً،
والحنّاءُ دماً قديماً
لم يجفّ.
.
ورسمَ القريةَ
حين كانتِ القريةُ
أُمّاً تجلسُ عندَ عتبةِ البيت،
ورسمَ الثوبَ الفلسطيني
كأنَّه كتابٌ مطرّز
لا تسقطُ من صفحاتهِ
أيُّ حكاية.
.
ورسمَ المرأةَ
فكانتْ في لوحاتهِ
ليست امرأةً فحسب،
بل أمَّ البلاد،
وحارسةَ البيت،
وحاملةَ المفتاح،
والذاكرة،
والغد.
.
ورسمَ الأشجارَ،
فكانَ الزيتونُ عندهُ
أكثرَ من شجرة؛
كانَ جدّاً واقفاً
في وجهِ الريح،
وكانتِ الأرضُ
أكثرَ من مكان؛
كانتْ اسماً
يستحيلُ محوه.
.
ورحلَ الآن، في القدس،
عن تسعةٍ وسبعين عاماً،
وبين يديه
الريشةُ التي لم تتعب،
كأنَّه أرادَ
أن تكونَ آخرُ نبضةٍ في يده
خطاً آخرَ
في لوحةِ فلسطين.
.
يا سليمان…
نمْ الآن،
فقد حملتَ ما يكفي
من أثقالِ البلاد.
دعْ جملَ المحامل
يكملُ الطريقَ وحده؛
فالقدسُ ما زالتْ فوقَ ظهرهِ،
والزيتونةُ ما زالتْ واقفةً،
والمرأةُ ما زالتْ تطرّزُ
على حافةِ الغياب
ثوباً لوطنٍ لم يمت.
.
نمْ،
فالطينُ يعرفُ اسمَك،
والترابُ يحفظُ أصابعَك،
والألوانُ التي حاولوا سجنَها
صارتْ أكثرَ حريةً منك.
وفي كلِّ بيتٍ فلسطيني
ستبقى لوحةٌ
تفتحُ نافذةً على البلاد.
وفي كلِّ بطّيخة
ستظلُّ فلسطينُ
تبتسمُ بألوانِها الأربعة.
وفي كلِّ جملٍ يعبرُ
صحراءَ الذاكرة
سيظلُّ هناكَ حملٌ واحدٌ
لا يستطيعُ أحدٌ إسقاطَه:
وطنٌ
اسمهُ فلسطين.
لروح سليمان منصور السلام؛
الفنانَ الذي لم يرسمْ فلسطينَ فقط،
بل جعلَ من الرسمِ
طريقةً أخرى
كي تبقى فلسطين.
.

