ثقافة

وردةٌ على أَكتافِ الغياب

49 مشاهدة
وردةٌ على أَكتافِ الغياب
الشاعر: يوسف حنا 
.
في غزةَ اليومَ
لم تكنِ الجنازةُ تمشي...
كانَ الوطنُ كلُّهُ يمشي
على مهلٍ
خلفَ مئةٍ واثني عشرَ اسماً
صعدوا إِلى السماءِ
وترَكوا لنا ثقلَ الضوءِ في العيون.
بالريحانِ والوردِ
بأَيدٍ ترتجفُ من الحبِّ لا من الضعف،
وضعتْ غزةُ عطرَها
على جبينِ الغائبين،
وقالت:
خذوا من ترابي ما يكفي
لرحلةٍ لا عودةَ منها،
خذوا أَغاني الأمهات،
ودعاءَ البيوتِ القديمة،
ورائحةَ البحرِ حينَ يشتاقُ إِلى اليابسة.
.
يا غزة...
يا المدينةَ التي كلما انكسرَتْ نافذةٌ
فتحتْ في الجدارِ نافذةً للسماء،
كلّما سرقَ الأَلمُ منها صوتاً
أَنبتتْ من الصمتِ أَلفَ أُغنية.
اليومَ لا يحملُ النعشُ شهيداً فقط،
يحملُ حكايةَ طفلٍ
كانَ له مكانٌ في الغد،
وحلمٍ صغيرٍ
كانَ ينتظرُ أن يكبر،
وضوءٍ كانَ يريدُ أَن يفتحَ عينيهِ
على صباحٍ أَقلَّ قسوة.
.
لكنَّ غزةَ،
التي تعرفُ جيداً لغةَ الفقد،
تعرفُ أَيضاً لغةَ البقاء.
تخبّئُ في شقوقِ الركامِ بذوراً خفيّة،
وتسقيها بدموعِ الأُمهات،
فتخرجُ وردةً
تقولُ للعالم:
هنا مرَّ الأَلم...
لكنَّ الحياةَ لم ترحل.
.
يا شهداءَ غزة،
ناموا في حضنِ الأَرضِ التي أَحبّتكم،
فأَنتم لم تكونوا رقماً في خبرٍ عابر،
أَنتمُ نبضٌ أَضافَ إِلى القلبِ الفلسطينيِّ
قلباً آخر.
ستبقى غزةُ تحملُ وردةً في يدها،
ووطنًا في قلبها،
وذاكرةً لا تنحني.
.
فليكتبِ التاريخُ ما يشاء...
سيعرفُ يوماً
أَن مدينةً صغيرةً على البحر
كانت أَكبرَ من جرحِها،
وأَوسعَ من موتِها،
وأَقوى من كلِّ الغياب.
 *اللوحة للفنان الفلسطيني محمد حمزة الفرا
.