الشاعر: يوسف حنا
.
لا أَذكرُ
إِن كنتُ عشتُ...
أَم كنتُ
كرسيًّا مهجورًا
في محطةِ الوقت.
كانتِ الساعاتُ
تمرُّ من خلالي
كأَسرابِ سمكٍ زجاجيّ،
ولا تتركُ في يدي
سوى رائحةِ الماء.
.
أَقولُ:
ها قد حدثَ شيءٌ...
لكنّني حين أَلتفتُ
أَجدُهُ
قد تحوّلَ إِلى غبارٍ
على كتفِ مرآة.
.
من سرقَ الأَعوامَ؟
ذلكَ اللصُّ الأَنيقُ
الذي لم يكسرْ بابًا،
ولم يُشهرْ سكينًا،
واكتفى
بأَن يجلسَ معي
صامتًا.
كلُّ يومٍ
كان يضعُ إِصبعًا
على فمِ العالم،
فتنامُ الطيورُ
في منتصفِ أُغنيتِها،
ويتجمّدُ المطرُ
في حنجرةِ الغيم.
وأَظلُّ
أَنتظرُ...
كأَنّ انتظارًا آخرَ
ينتظرني.
.
في الليلِ
كنتُ أسمعُ الساعةَ
تأكلُ ظلَّها.
وأَرى العقاربَ
لا تدورُ حولَ الأَرقام،
بل حولَ قلبي.
تقصُّ منهُ
دوائرَ صغيرةً من الضوء،
وتتركُ مكانَها
ثقوبًا من صمت.
.
الغريبُ
أَنّ الأَلمَ
كانَ واضحًا كجرسٍ مكسور،
أَما الصمتُ
فكان يرتدي
قناعَ الهواء.
يدخلُ من النوافذِ
دون أَن أَراه،
ويخرجُ
حاملًا معهُ
حدائقَ كاملةً
من العمر.
.
الآنَ...
كلّما نظرتُ خلفي
رأَيتُ طريقًا
مفروشًا
بأَحذيةِ أَيّامٍ
لم تصلْ إِلى مكان.
فأَسألُ المرآةَ:
هل كنتُ أَعيشُ حقًّا؟
أَم كنتُ
ساعةً أُخرى
معلّقةً
على جدارِ الغياب،
تعدُّ
ما لم يحدث؟
.

