الاخبار الرئيسية

إرتفاع سعر اسطوانة الغاز والبنزين وثبات سعر السولار .. تعبير مكثف عن أزمة بنيوية إقتصادية

11 مشاهدة قراءة 15 دقيقة

الكاتب : واصل الخطيب 

رئيس التحرير 

يشكّل ارتفاع أسعار الوقود، وثبات سعر السولار عند مستوى مرتفع، وغلاء أسطوانة الغاز، ضغطاً إضافياً على اقتصاد فلسطيني منهك أصلاً. لكن الخطورة لا تكمن في الأرقام وحدها، بل في تزامنها مع رواتب مبتورة، وبطالة متصاعدة، وإغلاق شبه كامل لسوق العمل الإسرائيلي، وتراجع فرص العمل المحلية. هذه الورقة تحلّل العلاقة الجدلية بين متغيّرات أسعار الطاقة وتدهور مستوى المعيشة، استناداً إلى “التحليل الملموس للواقع الملموس”، وإلى مفاهيم كتاب “أساسيات الاقتصاد السياسي” للكاتب الروسي بيوتر نيكيتين، مع تقديم مقترحات عملية لخطة دعم وطنية للمواد الأساسية.

أعلنت الهيئة العامة للبترول لشهر تشرين الثاني/نوفمبر 2026 انخفاضاً طفيفاً في أسعار البنزين، إذ بلغ سعر لتر بنزين 95 نحو 7.27 شيكل، وبنزين 98 نحو 9.33 شيكل، في مقابل ثبات سعر لتر السولار عند 8.99 شيكل، وارتفاع أسطوانة الغاز 12 كيلوغراماً إلى 100 شيكل بعد أن كانت تباع بـ90 شيكلاً. هذا “الانخفاض” في البنزين لا يعوّض شيئاً يُذكر، لأن البنزين يقتصر أساساً على الاستهلاك الشخصي، بينما السولار هو شريان الإنتاج والنقل والتدفئة والاقتصاد الوطني كلياً، ويستهلك بأربعة إلى خمسة أضعاف استهلاك البنزين. ووفق تقديرات خبراء اقتصاديين، فقد وصل الارتفاع في سعر السولار إلى نحو 40%، والبنزين 15%، والغاز 25%، وهو ارتفاع ينتقل مباشرة إلى كلفة النقل والإنتاج والتوزيع، ثم إلى كل سلعة وخدمة أساسية يشتريها المواطن. وهكذا يتحول الوقود من بند إنفاق مباشر إلى “ضريبة غير مرئية” تُضاف إلى فاتورة الغذاء والدواء والمواصلات، فتتقلّص القدرة الشرائية للفرد قبل أن يصل إلى راتبه أصلاً.

في هذا السياق، لا يمكن فهم أثر أسعار الوقود بمعزل عن البنية المالية والاجتماعية التي تستقبلها. فمنذ أواخر عام 2025 وبداية عام 2026، تواجه الحكومة الفلسطينية أزمة مالية حادة بعجز تجاوز 20 مليار شيكل، ما دفعها إلى صرف رواتب الموظفين العموميين بنسب تتراوح بين 55% و60% فقط. ويبلغ الحد الأدنى للأجور في فلسطين نحو 1880 شيكلاً ، في حين يبلغ الحد الأدنى للأجور في إسرائيل أكثر من 6400 شيكل، أي أن الفجوة تزيد على ثلاثة أضعاف. وإلى جانب ذلك، ارتفع معدل البطالة إلى 29.5% في الربع الأول من عام 2026 في الضفة الغربية وقطاع غزة مجتمعين، مع وصوله إلى نحو 78% في قطاع غزة. وتشير تقديرات وزارة العمل إلى احتمال ارتفاع معدل الفقر إلى أكثر من 58% من السكان، أي ما يقارب 3.2 مليون فلسطيني، نتيجة الانخفاض الحاد في الناتج المحلي وفقدان مصادر الدخل.

أما إغلاق سوق العمل الإسرائيلي، فيمثّل صدمة هيكلية إضافية. فقبل السابع من أكتوبر 2023، كان يعمل في إسرائيل والمستوطنات نحو 156 إلى 178 ألف عامل فلسطيني مرخّص، إضافة إلى عشرات الآلاف بدون تصاريح. وبعد اندلاع الحرب، سُحبت تصاريح نحو 120 ألف عامل دفعة واحدة، ولم يعد للعمل حتى نهاية عام 2025 سوى نحو 34 ألف عامل فقط. وتُقدَّر الخسارة المباشرة في الأجور وحدها بنحو 7 إلى 10 مليارات شيكل سنوياً، قبل احتساب “الأثر المضاعف” على الاستهلاك والتجارة والإيرادات الضريبية. وبهذا يصبح المواطن الفلسطيني بين فكّي كماشة: أسعار وقود مرتفعة وثابتة في جوهرها، ورواتب منقوصة أو معدومة، وفرص عمل تتقلّص محلياً وإقليمياً.

يقدّم كتاب “أسس الاقتصاد السياسي” لبيوتر نيكيتين إطاراً تفسيرياً بالغ الملاءمة. فقد تناول نيكيتين، متبعاً المنهج الماركسي، “الإنتاج السلعي” و”الأجور في ظل الرأسمالية” و”تراكم رأس المال وتدهور حالة البروليتاريا” و”الأزمات الاقتصادية” و”التبعية والاستغلال” في ظل الرأسمالية الاحتكارية. ويمكن إسقاط هذه المفاهيم على الحالة الفلسطينية دون تعسّف: فأسعار الوقود تُدار في جزء كبير منها عبر ارتباط شبه كامل بالتسعيرة الإسرائيلية، ما يعكس علاقة تبعية هيكلية تُحوّل صدمات السوق الإسرائيلي والعالمي إلى الداخل الفلسطيني دون حواجز حمائية. وثبات سعر السولار عند مستوى مرتفع، مع انخفاض رمزي في البنزين، يعبّر عن أولوية الحفاظ على كلفة الإنتاج والنقل – أي على مصالح رأس المال والتجارة – على حساب المستهلك النهائي. وهذا يتسق مع ما يسميه نيكيتين “تدهور حالة البروليتاريا”: ليس فقط عبر انخفاض الأجر النقدي، بل عبر تآكل قدرته على إعادة إنتاج قوته العاملة، أي عبر ارتفاع كلفة المعيشة نفسها.

والأهم أن “التحليل الملموس للواقع الملموس” يفرض عدم الاكتفاء بالشعارات. فالواقع الملموس يقول إن رواتب 55-60% لا تستطيع تغطية فاتورة غاز تصل إلى 100-110 شواكل للأسطوانة، ووقود سولار يلامس 9 شواكل للتر، حيث يتم الاعتماد عليه في النقل الجماعي والخصوصي في التنقل اليومي. كما يقول إن إغلاق السوق الإسرائيلي لم يُعوَّض بفرص عمل محلية مكافئة، وإن القطاع الخاص نفسه يعاني من انكماش وضغوط ضريبية وقيود حركة. ومن هنا، فإن أي تحليل يكتفي بلوم “غلاء الوقود” دون ربطه ببنية الأجور والتشغيل والتبعية، يظل تحليلاً قاصراً.

انطلاقاً من هذا التشخيص، يمكن تصوّر خطة دعم حكومية لا تكتفي بالإغاثة الطارئة، بل تبني حماية اجتماعية هيكلية:

أولاً : تثبيت سعر السولار والغاز للمستهلك النهائي عبر دعم مباشر من الموازنة أو عبر صندوق خاص، على أن يُوجَّه الدعم إلى قطاعات الإنتاج والنقل العام والتدفئة المنزلية، لا إلى الاستهلاك الترفي. ويمكن تمويل ذلك جزئياً بإعادة ترتيب أولويات الإنفاق، وبتنسيق عربي ودولي يربط الدعم ببرامج الحماية الاجتماعية.

ثانياً: توسيع قاعدة المستفيدين من المساعدات النقدية والغذائية، بحيث لا تقتصر على الحالات الإغاثية القصوى. وقد أعلنت وزارة التنمية الاجتماعية مؤخرا عن اتفاقية مع برنامج الأغذية العالمي لتقديم مساعدات نقدية لنحو 200 ألف مستفيد في الضفة الغربية بقيمة 50 شيكلاً لكل مستفيد. لكن هذا المبلغ لا يكفي لمواجهة فارق كلفة الغاز والوقود. لذا يُقترح رفع قيمة التحويل النقدي، وربطه بمؤشر أسعار الوقود والغذاء، وتوسيع عدد المستفيدين ليشمل الأسر التي تعيلها نساء، والعمال الذين فقدوا أعمالهم في إسرائيل.

ثالثاً : تعزيز المخزون الاستراتيجي والرقابة السعرية على 16 سلعة أساسية على الأقل، تشمل الطحين والأرز والسكر والزيت واللحوم وحليب الأطفال. ويمكن للحكومة أن تتفاوض على شراء كميات كبيرة بأسعار مخفّضة، وأن تُلزم التجار بهامش ربح عادل، مع نشر قوائم الأسعار ورقم شكاوى موحّد.

رابعاً: دعم الإنتاج المحلي البديل للوقود المستورد، ولو جزئياً، عبر تشجيع الطاقة الشمسية للمنازل والمشاريع الصغيرة، وتسهيل قروض ميسّرة لذلك. كما يمكن إعادة إحياء برامج التشغيل المجتمعي في البلديات والقطاع الزراعي، لتعويض جزء من فقدان فرص العمل في السوق الإسرائيلي.

خامسا وأخيرا : ربط الدعم بالإصلاح المالي والشفافية، عبر نشر بيانات دورية عن كلفة الدعم والمستفيدين منه، وتفعيل الرقابة البرلمانية والمجتمعية، حتى لا يتحول الدعم إلى عبء جديد على الموازنة أو إلى شبكة مصالح.

يصف كارل ماركس رأس المال بأنه كيان “لا يعيش إلا بامتصاص العمل الحي كما يفعل مصاص الدماء، ويعيش أكثر كلما امتص عملاً أكثر”، ويقول إن سرّ الاقتصاد الحديث هو “جوع الذئب لفائض العمل”. في الحالة الفلسطينية، هذا “الجوع” لا يظهر في صورة أرباح رأسمالية وطنية ضخمة، بل في صورة تبعية سعرية: سعر السولار يُثبَّت عند 8.99 شيكل لأن رأس المال الإسرائيلي ومصالح النقل والتجارة يفرضان كلفة إعادة إنتاج قوة العمل على العامل الفلسطيني، لا على رأس المال نفسه. وثبات السولار، في هذا المعنى، ليس “حياداً سعرياً”، بل هو امتصاص منهجي لجهد العامل عبر كلفة التنقل والإنتاج، بينما يبقى “فائض القيمة” خارج السياق الوطني أصلاً.

والاقتباس الأكثر مباشرة في تشخيص تدهور المعيشة هو قانون التراكمفي النظرية الماركسية : “كلما تراكم رأس المال، وجب أن يزداد حال العامل سوءاً، سواء كان أجره مرتفعاً أو منخفضاً”، لأن “تراكم الثروة في قطب واحد هو في الوقت نفسه تراكم البؤس، وعذاب العمل، والعبودية، والجهل، والوحشية، والتدهور العقلي، في القطب المقابل”. هنا تتضح المفارقة الفلسطينية: لا يوجد تراكم رأسمالي وطني بالمعنى الكلاسيكي، لكن آليات التراكم والتبعية تعمل عبر الاقتصاد الإسرائيلي والسوق العالمي. الرواتب المبتورة بنسبة 55–60%، والحد الأدنى للأجور عند 1880 شيكلاً مقابل أكثر من 6400 شيكل في إسرائيل، ليست مجرد “أزمة مالية”، بل تعبير عن قانون ماركسي: قيمة قوة العمل تُحدَّد بحد الكفاف، وكلما ازدادت “كفاءة” الاستغلال (عبر إغلاق سوق العمل، وتفكيك الإنتاج المحلي، ورفع كلفة الطاقة)، ازداد تدهور حال العامل.

أما “الجيش الصناعي الاحتياطي”، وهو مفهوم ماركسي محوري، فيتجلّى في البطالة الفلسطينية بنسبة 29.5% (ونحو 78% في غزة)، وفي نحو 120 ألف عامل فقدوا تصاريح العمل في إسرائيل. ماركس يوضّح أن هذا الاحتياطي ليس عَرَضاً جانبياً، بل ضرورة بنيوية: “الزيادة النسبية للسكان الفائضين... تشكل جيشاً صناعياً احتياطياً متاحاً لرأس المال”، وهو ما يضغط على الأجور ويُخضع العمال المتبقّين لشروط أسوأ. إغلاق السوق الإسرائيلي، إذن، لم يُنتج “أزمة إنسانية” فحسب، بل أعاد تشكيل سوق العمل الفلسطيني على هيئة احتياطي ضاغط: من يجد عملاً يقبله بأجر أدنى وظروف أسوأ، ومن لا يجد يتحوّل إلى كتلة فائضة تُبرّر بدورها مزيداً من البتر في الأجور والتراجع في الخدمات.

وهنا يظهر الفارق بين “الإغاثة” و”الدعم الهيكلي”: إذا كان ماركس يرى أن “العنف هو قابلة كل مجتمع جديد”، فإن العنف هنا ليس عنفاً ثورياً، بل عنف بنيوي يُنتجه إغلاق السوق وتبعية الطاقة وبتر الرواتب. ومن ثم، فإن خطة الدعم الوطني للمواد الأساسية لا تكون ماركسية إلا إذا تجاوزت “التحويل النقدي” إلى مواجهة آليات الاستغلال: تثبيت سعر السولار والغاز للمستهلك النهائي كحق، وربط التحويلات النقدية بمؤشر أسعار الوقود، وتوسيع المخزون الاستراتيجي والرقابة السعرية، ودعم الإنتاج المحلي والطاقة الشمسية لتقليص التبعية. وبهذا لا يبقى ماركس “اقتباساً” في المقال، بل يصبح أداة تحليلية: رأس المال، حتى في أقصى صوره التبعية، لا “يعيش” إلا بامتصاص العمل الحي؛ والمطلوب فلسطينياً هو وقف هذا الامتصاص، لا ترقيع نتائجه فقط.

 

 

 

 

 

  

حالة الطقس

حالة الطقس في المحافظات الفلسطينية