محليات

الطريق إلى بيتيلو.. أنس زيادة يحول الألم إلى حكاية تحد وأمل

46 مشاهدة قراءة 13 دقيقة

رام الله-واثق نيوز-د.ايمان هريدي-في قرية بيتيلو، شمال غرب رام الله، يروي أنس زيادة، البالغ من العمر 35 عاما، حكاية شاب لم يسمح لمرض التصلب اللويحي المتعدد بأن يسدل الستار على آخر خيوط الأمل المتشبث بها ، انما اتخذه، رغم قسوة التجربة، بداية لفصول جديدة من رواية الحياة ؛ رواية عنوانها التحدي والطموح، تتقاطع فيها هشاشة الجسد مع صلابة الروح، وتتجلى بين سطورها قدرة الإنسان على إعادة تشكيل حياته في مواجهة ظروف لم يخترها.

فمنذ أن باغته  المرض وألقى بظلاله على قدرته على الحركة والمشي، وجد أنس نفسه أمام واقع جديد يفرض عليه تحديات يومية، لكنه اختار ألا يكون أسيرا لها، فتمسك بحقه في العمل والاستقلال، ومضى في بناء مستقبله وتكوين أسرته، مؤمنا بأن المرض، مهما اشتدت وطأته، لا ينبغي أن يكون فصلا أخيرا في حكاية الإنسان، ولا حاجزا يحول بينه وبين الحياة التي يطمح إليها.

يعاني أنس مرض التصلب اللويحي المتعدد (Multiple Sclerosis)، وهو مرض مناعي مزمن يصيب الجهاز العصبي المركزي، إذ يهاجم الجهاز المناعي الغلاف الواقي للألياف العصبية، المعروف باسم «الميالين»، ما يؤثر في انتقال الإشارات العصبية بين الدماغ وبقية أجزاء الجسم. هذا وتختلف أعراض المرض وشدتها من شخص إلى آخر، وقد تشمل اضطرابات الحركة والتوازن، وضعف العضلات وتشنجها، والخدر والتنميل في الأطراف، والإرهاق الشديد، واضطرابات الرؤية، وصعوبات التركيز والذاكرة، وأحيانا مشكلات في التبول. وقد تؤثر هذه الأعراض في قدرة المريض على العمل وممارسة أنشطته اليومية والاعتماد على نفسه.

وفي حالة أنس، انعكس المرض على قدرته على الحركة، وتسبب في ضعف عضلات ساقيه وصعوبة المشي، ليصبح العكاز رفيقه في تنقلاته اليومية، في رحلة تتطلب منه جهدا مضاعفا للتكيف مع ظروفه الصحية ومواصلة حياته.

بداية الحكاية.. حين توقفت ساقاه عن الحركة ..

لم يكن أنس يتوقع أن تتغير حياته بهذه السرعة. فعندما كان في الثامنة والعشرين من عمره، وكان يعمل في جامعة بيرزيت، باغتته الأعراض أثناء عودته من العمل، حين شعر بأن ساقيه لم تعودا قادرتين على الحركة بصورة طبيعية , ثم بدأت رحلة البحث عن التشخيص بين المستشفيات والفحوصات الطبية، قبل أن يصل إلى مجمع فلسطين الطبي، حيث خضع للفحوصات اللازمة، ومنها التصوير بالرنين المغناطيسي، لتكشف النتائج عن إصابته بمرض التصلب اللويحي المتعدد.

ويستعيد أنس تلك اللحظات قائلا: "لا أدري كيف أخبرني الطبيب بالتشخيص. لقد صدمت؛ كنت أعيش حياتي بصورة طبيعية، وفجأة وجدت نفسي أمام واقع جديد، أصبحت فيه الحركة صعبة، وبدأت أواجه احتمال الإعاقة. كيف يمكن لحياة الإنسان أن تتغير في لحظة واحدة؟ لم أكن أتخيل أن أجد نفسي في هذا الموقف في مثل هذا العمر"؟ . ويضيف أن وقع الصدمة لم يكن سهلا، فقد تحول المستشفى إلى محطة متكررة في حياته، بين الفحوصات الطبية والألم والانتظار، في رحلة استنزفت قواه الجسدية والنفسية. ويشير إلى أن مرض التصلب اللويحي المتعدد يظهر غالبا بين سن العشرين والأربعين، وهي المرحلة التي يكون فيها الإنسان منشغلا ببناء مستقبله وتحقيق طموحاته، ما يجعل مواجهة التشخيص تحديا مضاعفا.

ويضيف أن الطبيب حاول تهيئته نفسيا لتلقي الخبر، لكن ردة فعله كانت مختلفة؛ إذ اختار الضحك بدلا من الاستسلام للصدمة، وأعلن عزمه على مواجهة المرض ومقاومته، مؤكدا لنفسه أنه لن يسمح له بأن يهزمه. ومنذ ذلك الحين ، بدأ أنس رحلة التعايش مع المرض، من خلال متابعة العلاج وتناول الأدوية الموصوفة للسيطرة على الأعراض والحد من نشاط المرض، إلى جانب محاولاته التكيف مع التغيرات التي طرأت على حياته.

المرض لم يكن عائقا أمام الحياة ..

لم يسمح أنس للإعاقة الحركية بأن تتحول إلى نهاية لطموحاته. فبعد أن أصبحت الحركة أكثر صعوبة، بدأ رحلة التكيف مع واقعه الجديد، واستعان بالعلاج الطبيعي، وسعى إلى العمل في مجالات متعددة ليبني مستقبله ويحافظ على استقلاليته.

عمل أنس متعهدا للحفلات والمناسبات في قريته والقرى المجاورة، ومنها نعلين ودير عمار ومخيم دير عمار. كما عمل في تأجير الحدائق العامة في القرية، وأحيانا في المقاصف المدرسية، ولم يتردد في خوض تجارب مهنية مختلفة رغم الصعوبات التي يواجهها.

وفي موسم الزيتون، يشتري الزيتون من أبناء قريته، ثم يتولى درسه وبيع زيته، سعيا إلى توفير مصدر دخل والاستمرار في العمل، رغم امتلاك عائلته أراضي مزروعة بالزيتون. لكن هذه الأراضي تواجه تحديات جراء اعتداءات المستوطنين المتكررة والاستيلاء على أراض تعود لعائلته وأبناء قريته، وفقا لما يرويه أنس، الأمر الذي يزيد من صعوبة الظروف الاقتصادية والمعيشية.

ولم تتوقف حياته عند حدود العمل؛ فقد ظل حاضرا في المناسبات الاجتماعية، وأصبح معروفا بين أبناء بلدته بعلاقاته الواسعة ومشاركته الدائمة في أنشطتهم، حتى بات من الشخصيات الاجتماعية البارزة في القرية. كما تعلم قيادة المركبات رغم صعوبات الحركة، مستندا إلى دعم عائلته وإخوته وأبناء بلدته، وهو الدعم الذي منحه قوة إضافية لمواصلة حياته.

وفي خضم هذه الرحلة، وجد أنس شريكة حياة آمنت به وبقدرته على الاستمرار رغم المرض، فتزوجها ورزق بطفلته زينة، التي أصبحت مصدرا جديدا للأمل ودافعا لمواصلة السعي نحو مستقبل أفضل.

معاناة مضاعفة على الحواجز ..

لا تقتصر معاناة أنس على المرض ومتطلباته اليومية؛ فمكان إقامته في قرية بيتيلو يفرض عليه تحديات إضافية عند التنقل لتلقي العلاج. فالمسافة التي تفصل القرية عن المرافق الصحية في مدينة رام الله قد تستغرق نحو ساعة من الزمن ، وقد تطول بسبب الحواجز العسكرية الإسرائيلية والإغلاقات المتكررة، ما يجعل رحلة العلاج أكثر مشقة، خصوصا لشخص يعاني صعوبة الحركة ويحتاج إلى متابعة طبية مستمرة.

وبين ألم المرض وصعوبة الطريق، يتمنى أنس توفير مراكز صحية قريبة من قريته، تقدم الخدمات الطبية اللازمة له ولغيره من المرضى في بيتيلو والقرى المجاورة، بما يخفف عنهم عناء التنقل ويضمن وصولهم إلى الرعاية الصحية بسهولة أكبر.

وتكتسب هذه المطالب أهمية خاصة بالنسبة إلى مرضى التصلب اللويحي، الذين يحتاجون إلى متابعة طبية منتظمة، وعلاج يتناسب مع طبيعة المرض ونشاطه، إلى جانب التأهيل والعلاج الطبيعي عند الحاجة، والدعم النفسي والاجتماعي.

ورغم عدم توافر علاج شاف نهائي للمرض حتى الآن، فإن العلاجات المتاحة تساعد على تقليل الانتكاسات  وإبطاء تطور الإعاقة لدى بعض المرضى، فضلا عن الأدوية التي تستهدف تخفيف الأعراض وتحسين جودة الحياة.

علاج باهظ وأعباء تتجاوز قدرة المرضى ..

تمثل تكاليف العلاج أحد أبرز التحديات التي تواجه أنس، رغم أن التأمين الصحي يغطي جانبا من احتياجاته الطبية. فالتصلب اللويحي مرض مزمن يتطلب متابعة مستمرة وأدوية وفحوصات قد تشكل عبئا اقتصاديا على المرضى وعائلاتهم.  ويشير أنس إلى أن بعض الخيارات العلاجية التي يأمل المرضى في الوصول إليها ترتبط بتكاليف مرتفعة للغاية، متحدثا عن علاج تصل تكلفته، بحسب ما يعرفه، إلى أكثر من 100 ألف دولار، وعن صعوبات تتعلق بإمكانية تلقيه في ألمانيا.

وتظل هذه التكاليف، إلى جانب صعوبة السفر والوصول إلى المراكز المتخصصة، مصدر قلق للمرضى الذين يبحثون عن خيارات علاجية تناسب حالاتهم. وهو ما يسلط الضوء على أهمية توفير المعلومات الطبية الموثوقة، وتعزيز فرص الوصول إلى الاستشارات المتخصصة والعلاجات المناسبة.

حلم بتأسيس جمعية فاعلة تساند مرضى التصلب اللويحي ..

يتطلع  أنس زيادة أن لا  تبقى تجربته مع مرض التصلب اللويحي المتعدد حكاية شخصية تختزلها معاناته اليومية، انما يسعى إلى تحويلها إلى نقطة انطلاق لمبادرة جماعية تعنى بالمرضى واحتياجاتهم. ويحلم بتأسيس جمعية فاعلة توفر لهم الدعم النفسي والاجتماعي، وتسهم في رفع مستوى الوعي بطبيعة المرض وأعراضه، وتساند المرضى وعائلاتهم في مواجهة الأعباء الصحية والاقتصادية المترتبة عليه.

وتبرز أهمية هذه المبادرة في ضوء البيانات الصحية الفلسطينية؛ إذ أظهر التقرير الصحي السنوي الفلسطيني لعام 2024 تسجيل 1,332 مريضا راجعوا مرافق وزارة الصحة في الضفة الغربية حتى نهاية العام، بمعدل انتشار بلغ 44.4 حالة لكل 100 ألف نسمة، فيما سجلت 176 حالة جديدة خلال العام نفسه. وتسلط هذه الأرقام الضوء على أهمية تعزيز الخدمات الصحية، وتوسيع نطاق التوعية بالمرض، وتوفير الدعم اللازم للمصابين وعائلاتهم.

  و تمتد طموحات أنس إلى إيصال صوت المرضى إلى المؤسسات الرسمية ووسائل الإعلام، وتسليط الضوء على التحديات التي يواجهونها، بدءا من صعوبة الوصول إلى المراكز الطبية المتخصصة، مرورا بتكاليف العلاج، وصولا إلى الحاجة إلى الدعم المستمر. ويأمل أن تتحول هذه المطالب إلى خطوات عملية تسهم في تحسين الخدمات الصحية، وتعزيز فرص المرضى في الحصول على الرعاية المناسبة، وصون حقهم في حياة أكثر كرامة واستقرارا.

حكاية أنس زيادة تعكس قصة انسان رغم مرضه الا انه اثبت قدرة الإنسان على التكيف مع واقع صعب، والبحث عن فرص جديدة رغم العقبات. فمن العمل إلى الحياة الاجتماعية، ومن مواجهة المرض إلى تكوين أسرة، يواصل أنس رحلته مستندا إلى إيمانه بنفسه ودعم المحيطين به.

وفي الطريق إلى بيتيلو، لا يزال أنس يحمل عكازه وأحلاما تتجاوز حدود تجربته الشخصية، آملا أن يجد مرضى التصلب اللويحي في فلسطين رعاية صحية أفضل، واهتماما أكبر، وفرصة لحياة أكثر كرامة واستقرارا.

 

 

حالة الطقس

حالة الطقس في المحافظات الفلسطينية