غزة-واثق نيوز-وكالات-تتجدد أزمة الخبز في قطاع غزة مع نفاد كميات الطحين من عدد من المخابز، في ظل تعثر إدخال الإمدادات الأساسية واستمرار القيود المفروضة على المعابر، الأمر الذي أعاد طوابير الانتظار أمام نقاط بيع الخبز، وعمّق المخاوف من تفاقم الأزمة الغذائية التي تثقل كاهل السكان.
ومع إغلاق 11 مخبزًا أبوابها حتى الآن، وتحذيرات من احتمال توقف سبعة مخابز أخرى عن العمل، تتزايد المخاوف من اتساع الفجوة بين الكميات المتاحة من الخبز واحتياجات المواطنين، خصوصًا العائلات التي تعتمد على الخبز المدعوم لتأمين احتياجاتها اليومية، في ظل التدهور المستمر للأوضاع المعيشية وارتفاع أسعار السلع الأساسية.
وتأتي هذه التطورات في وقت يشهد فيه القطاع نقصًا حادًا في عدد من المواد الغذائية، بينها الدقيق والبيض والخضروات والفواكه، بعد إغلاق سلطات الاحتلال المعابر الحدودية المؤدية إلى غزة، وما رافق ذلك من تراجع المعروض في الأسواق وارتفاع أسعار العديد من الأصناف.
نفاد الطحين يهدد باستمرار إغلاق المخابز ..
وقال رئيس جمعية أصحاب المخابز في قطاع غزة، عبد الناصر العجرمي، إن أزمة الخبز تفاقمت عقب إغلاق الاحتلال الإسرائيلي المعابر، موضحًا أنه رغم إعادة فتحها مؤخرًا، بعد إغلاق استمر خمسة أيام، لم يُسمح حتى الآن بإدخال الطحين إلى القطاع، ما أدى إلى نفاد الكميات المتوافرة لدى عدد من المخابز.
وأضاف العجرمي، أن المخزون المتاح لدى المخابز كان محدودًا أساسًا، ولم تكن هناك كميات احتياطية كافية لمواجهة انقطاع الإمدادات أو تأخر وصول الشحنات الجديدة.
وأشار إلى أن تزامن الأزمة مع الأعياد اليهودية والإغلاقات المتكررة للمعابر خلال الشهر الجاري أسهم في استنزاف الكميات المتبقية من الطحين وتسريع نفادها، ما انعكس بصورة مباشرة على قدرة المخابز على مواصلة الإنتاج وتلبية احتياجات السكان.
وأوضح أن 11 مخبزًا أغلقت أبوابها في مناطق مختلفة من القطاع نتيجة نفاد الطحين، فيما تواجه سبعة مخابز أخرى خطر التوقف عن العمل إذا استمر منع إدخال الإمدادات اللازمة لتشغيلها.
وأكد العجرمي أن الاحتلال لم يسمح، حتى وقت التصريحات، بإدخال كميات جديدة من الطحين، رغم المطالبات والتنسيقات التي أجرتها الجهات المعنية بهدف توفير احتياجات المخابز وضمان استمرار إنتاج الخبز.
وبيّن أن جمعية أصحاب المخابز طلبت السماح بإدخال نحو 7500 طن من الطحين شهريًا، لتعويض النقص الناجم عن تقليص برنامج الأغذية العالمي كميات الطحين التي يوفرها للمخابز المدعومة، إلا أن إغلاق المعابر وعدم الاستجابة للمطالبات حالا دون وصول الكميات المطلوبة.
وكان برنامج الأغذية العالمي قد خفّض، مطلع تشرين الأول/أكتوبر الجاري، كمية الطحين المقدمة ضمن مساعداته بنسبة 45%، وفق ما أفاد به العجرمي، الذي أوضح أن الجمعية طالبت بالسماح بإدخال كميات إضافية لتعويض العجز، دون أن تلقى مطالبها استجابة حتى الآن.
ولفت إلى أن الكميات المحدودة التي يُسمح بإدخالها من السلع الأساسية، بما فيها الطحين، لا تتيح تكوين مخزون احتياطي قادر على مواجهة فترات الإغلاق، الأمر الذي يجعل استمرار عمل المخابز مرتبطًا بوصول الإمدادات بصورة منتظمة، ويضع إنتاج الخبز أمام خطر التوقف كلما تأخرت الشحنات أو أُغلقت المعابر.
وعود دون تنفيذ ..
وفي ما يتعلق بالجهود المبذولة لتوفير الطحين، قال العجرمي إن جمعية أصحاب المخابز تلقت وعودًا بإدخال كميات جديدة، وكانت تتوقع وصولها أمس، لكنها فوجئت بعدم إدراج الطحين ضمن كشف التنسيقات المسموح لها بالدخول إلى القطاع.
وأضاف أن الاتصالات والجهود التي استمرت حتى ساعات متأخرة من مساء اليوم السابق لم تسفر عن استجابة فعلية تسمح بإدخال الطحين، مشيرًا إلى أن الجهات المعنية ما زالت تنتظر اتضاح الموقف خلال الأسبوع المقبل.
وأوضح أن المعطيات المتاحة لدى الجمعية تشير إلى عدم دخول كميات من الطحين خلال الأيام الثلاثة التالية، بسبب الأعياد وإغلاق المعابر، في حين بقيت إمكانية إدخاله يوم الأحد المقبل غير واضحة.
وحذّر العجرمي من أن استمرار الوضع الراهن قد يؤدي إلى إغلاق مزيد من المخابز، وتفاقم نقص الخبز في الأسواق، بما ينعكس بصورة مباشرة على قدرة المواطنين على الحصول على احتياجاتهم الأساسية.
وأشار إلى أن الجمعية أبلغت برنامج الأغذية العالمي، الذي تعمل المخابز المدعومة بالوقود تحت مظلته، بضرورة تحمل مسؤولياته وإعادة تمويل المخابز بكميات كافية من الطحين، لتعويض النقص وضمان استمرار الإنتاج وعدم اتساع الأزمة.
تقليص المساعدات ..
وتتزامن أزمة الطحين مع تقليص برنامج الأغذية العالمي مساعداته الغذائية المقدمة لسكان قطاع غزة، في ظل نقص التمويل، ما يضيف مزيدًا من الأعباء على الأسر التي تعتمد على المساعدات لتأمين احتياجاتها اليومية.
ووفق بيان للبرنامج صدر في 19 تشرين الأول/أكتوبر الجاري، تراجع عدد المستفيدين من مساعداته من نحو 1.6 مليون شخص في أيلول/سبتمبر إلى 1.1 مليون شخص في تشرين الأول/أكتوبر، بانخفاض يقارب 500 ألف مستفيد.
وشملت الإجراءات تقليص كمية الطحين المقدمة للأسر المستفيدة، إلى جانب خفض المخصصات الغذائية من طردين إلى طرد واحد لكل أسرة. كما خفّض البرنامج عدد الوجبات الساخنة التي يقدمها يوميًا من نحو 250 ألف وجبة إلى 150 ألفًا، عازيًا هذه الإجراءات إلى نقص التمويل.
ويزيد تقليص المساعدات من صعوبة تعويض النقص في الخبز، خصوصًا لدى الأسر التي تعتمد على التوزيعات المدعومة لتوفير احتياجاتها الغذائية، في وقت تتراجع فيه قدرة المخابز على الإنتاج نتيجة نفاد الطحين وعدم انتظام دخول الإمدادات.
ومع تراجع المساعدات وارتفاع أسعار المواد الأساسية، تجد الأسر الغزية نفسها أمام خيارات محدودة لتأمين الغذاء، في ظل تراجع قدرتها الشرائية وتزايد تكاليف المعيشة، الأمر الذي يجعل أي نقص إضافي في الخبز عاملًا جديدًا في تعميق الأزمة الإنسانية.
إنتاج الخبز يتراجع ..
وتُظهر بيانات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية «أوتشا» تراجعًا متواصلًا في إنتاج الخبز المدعوم في قطاع غزة خلال عام 2026، إذ انخفض الإنتاج من نحو 170 ألف ربطة يوميًا في كانون الثاني/يناير إلى 130 ألف ربطة في نيسان/أبريل، ثم إلى نحو 100 ألف ربطة يوميًا في آب/أغسطس، بتراجع يقارب 41% مقارنة بمستوى كانون الثاني/يناير.
وذكر تقرير للمكتب صدر في الرابع من أيلول/سبتمبر أن 26 مخبزًا مدعومًا أنتجت نحو 100 ألف ربطة يوميًا خلال آب/أغسطس، وهي كمية غطّت قرابة 34% من الاحتياجات المقدرة.
وبحسب التقرير، كان نحو 75% من الإنتاج المدعوم يُباع عبر أكثر من 150 محلًا بسعر ثلاثة شواقل للربطة، فيما وُزعت النسبة المتبقية مجانًا من خلال أكثر من 300 مركز إيواء وموقع مجتمعي.
ويرتبط تراجع الإنتاج، وفق البيانات الأممية، بالقيود المفروضة على إدخال الإمدادات والمواد الأساسية اللازمة لاستمرار عمل المخابز، ما يجعل توفير الخبز مرتبطًا بتوافر الطحين والوقود وسائر المستلزمات الضرورية للإنتاج.
وفي 16 تشرين الأول/أكتوبر الجاري، حذّرت منظمة الأمم المتحدة للطفولة «يونيسف» من أن المكاسب التي تحققت في مكافحة سوء التغذية في غزة لا تزال هشّة، وقد تتراجع في حال تعطل الإمدادات، داعية إلى إبقاء المعابر مفتوحة لضمان استمرار تدفق المساعدات.
وتضع هذه التحذيرات أزمة الخبز في سياق أزمة غذائية أوسع، لا تقتصر على تراجع عدد المخابز العاملة، بل تشمل أيضًا صعوبة تأمين المواد الخام اللازمة للإنتاج، وعدم انتظام وصول الإمدادات، وتقلص المساعدات المقدمة للأسر الأكثر احتياجًا.
ومع استمرار هذه العوامل، تتسع الفجوة بين كميات الخبز المتاحة والاحتياجات الفعلية للسكان، فيما تصبح قدرة المخابز على الاستمرار مرهونة بتوفير الطحين بصورة منتظمة، إلى جانب ضمان وصول الوقود والمستلزمات الأخرى الضرورية للتشغيل.
ارتفاع الأسعار يثقل كاهل العائلات ..
وفي ظل تراجع كميات الخبز المدعوم، يضطر المواطنون الذين لا يتمكنون من الحصول على حصصهم إلى اللجوء للسوق، حيث ترتفع الكلفة مقارنة بالخبز المدعوم، ما يزيد الضغوط على العائلات التي تعاني أصلًا من تدهور أوضاعها الاقتصادية.
وبحسب الأسعار المرصودة ، بلغ سعر كيلو الخبز غير المدعوم في مدينة غزة نحو تسعة شواقل، أي ما يعادل ثلاثة دولارات، وهو ما يشكل عبئًا إضافيًا على الأسر، لا سيما تلك التي تضم أعدادًا كبيرة من الأفراد وتعتمد على الخبز بوصفه أحد المكونات الأساسية لوجباتها اليومية.
وتعيد عودة طوابير الانتظار إلى الواجهة مشهدًا يعكس حجم الصعوبات التي يواجهها سكان القطاع في تأمين أبسط احتياجاتهم الغذائية، في وقت تتراجع فيه المساعدات وتتقلص كميات الطحين المتاحة، بينما تواجه المخابز خطر الإغلاق تباعًا.
وبين نفاد المخزون، وتعثر إدخال الإمدادات، وتقليص المساعدات الغذائية، تتصاعد المخاوف من أن تتحول أزمة الطحين إلى نقص أوسع في الخبز، يضاعف معاناة السكان ويضع الأسر الأكثر هشاشة أمام تحديات متزايدة لتأمين غذائها اليومي.

