غزة- واثق نيوز- إعداد المهندس / رائد مهنا - منذ السابع من أكتوبر 2023، يعيش سكان قطاع غزة البالغ عددهم نحو 2.4 مليون نسمة فصلاً مروعاً من المعاناة الإنسانية التي تتفاقم يومًا بعد يوم. الحرب المستمرة، الحصار الخانق، والانهيار شبه الكامل لكل مقومات الحياة، حوّلت القطاع إلى منطقة موت بطيء، حيث يتربص الموت بالسكان إما تحت القصف أو جوعًا، في ظل صمت عالمي وعجز أممي عن إيقاف المأساة.
يستند هذا التقرير إلى شهادات حية وتحليلات منظمات دولية مثل وكالة الغوث الدولية "الأونروا" وبرنامج الأغذية العالمي ومنظمة الفاو ومنظمة اليونيسف ومكتب تنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) ومراسلي القنوات الفضائية ، ليرسم صورة واضحة للمأساة اليومية التي يعيشها الفلسطينيون في غزة.
1. السياق العام: حصار محكم وجحيم مستمر ..
في 9 أكتوبر 2023، فرضت إسرائيل حصارًا شاملاً على قطاع غزة، شمل منع دخول المياه والغذاء والوقود والكهرباء وجميع السلع الأساسية. هذا الحصار، الذي تحول إلى سياسة "إبادة" مستمرة، أدى إلى انهيار كافة القطاعات الحيوية في القطاع. وبعد 32 شهرًا من الحرب والدمار، بات نحو 1.5 مليون فلسطيني بلا مأوى، بعد أن دمرت حرب الإبادة منازلهم بالكامل.
حتى مع دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في أكتوبر 2025، إلا أن الخروقات الإسرائيلية اليومية والممنهجة أبقت الوضع على حافة الهاوية. فمنذ سريان الاتفاق، استُشهد نحو 850 فلسطينيًا وأصيب ما يزيد على 2,400 آخرين في خروقات متواصلة، مما يؤكد أن حالة الحرب لم تتوقف فعليًا، وتحولت إلى حرب استنزاف بطيئة تستهدف المدنيين في كل مكان.
2. حجم الكارثة الإنسانية بالأرقام (حتى مايو 2026) ..
· الشهداء والجرحى: وفقًا لتقارير مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) ووزارة الصحة في غزة، استشهد أكثر من 72,063 فلسطينيًا منذ بدء الحرب.
· النزوح الجماعي: نزح ما يقرب من 1.9 مليون شخص (أكثر من 80% من السكان) داخليًا، يعيش معظمهم في ظروف مروعة، بعد أن أصبحوا بلا مأوى.
· انهيار التمويل الإنساني: في مفارقة تعكس فشل المجتمع الدولي، لم يتم تأمين سوى ما يزيد قليلاً على 10% فقط من التمويل المطلوب لتوفير العمليات الإنسانية الحيوية لعام 2026، مما يعني حرمان ملايين الأشخاص من أبسط مقومات البقاء على قيد الحياة.
3. الموت جوعًا: مشهد يومي من انعدام الأمن الغذائي ..
لم يعد الموت جوعًا مجرد تهديد، بل أصبح واقعًا معاشًا ومشهدًا متكررًا . لقد تحولت عملية الحصول على رغيف الخبز إلى رحلة محفوفة بالمخاطر والإذلال، حيث ينتظر الفلسطينيون لساعات طويلة في طوابير ممتدة للحصول على كميات محدودة من الخبز الذي بات يمثل شريان حياة لعائلات بأكملها.
· أزمة الخبز : تفاقمت أزمة الخبز بشكل كارثي بسبب النقص الحاد في الدقيق والوقود اللازم لتشغيل المخابز، وتوقف دعم المطبخ المركزي العالمي وتقليص برنامج الأغذية العالمي لكميات الدقيق التي كان يوفرها. سعر كيس الدقيق (25 كجم) قفز بشكل جنوني من 30-50 شيكلاً إلى 75 شيكلاً، مما جعله بعيدًا عن متناول معظم الأسر.
· انعدام الأمن الغذائي الحاد: ووفقًا لبرنامج الأغذية العالمي، يواجه 1.6 مليون شخص في غزة (77% من السكان) مستويات عالية من انعدام الأمن الغذائي الحاد.
· المجاعة المُوثّقة: في أغسطس 2025، تم تأكيد وقوع مجاعة للمرة الأولى في غزة، حيث يعاني أكثر من نصف مليون شخص من جوع شديد واسع النطاق وفقًا لتحليل التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي (IPC). تقرير صدر في مايو 2025 كشف أن 470,000 شخص يعيشون مستويات كارثية من الجوع (المرحلة الخامسة من التصنيف). وبحلول سبتمبر 2025، كان من المتوقع أن يواجه أكثر من 640,000 شخص هذه المستويات الكارثية من انعدام الأمن الغذائي.
· الاعتماد الكامل على المساعدات: مع توقف الإنتاج المحلي للغذاء، أصبح سكان غزة يعتمدون بشكل شبه كامل على المساعدات الإنسانية التي لا تدخل إلا بكميات ضئيلة للغاية بسبب الحصار وإغلاق المعابر. هناك أكثر من 116,000 طن من المساعدات الغذائية جاهزة لكنها لا تستطيع الدخول، تكفي لإطعام مليون شخص لأربعة أشهر.
4. انهيار القطاع الزراعي: قتل الأرض لقتل الإنسان ..
الموت جوعًا هو نتيجة مباشرة لسياسة ممنهجة هدفت إلى تدمير أي إمكانية لإنتاج الغذاء داخل القطاع. الحرب على غزة كانت حربًا على إنتاج الغذاء، مما جعل السكان تحت رحمة المساعدات الخارجية بشكل كامل.
· دمار شبه كامل : تشير تقارير منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) إلى انهيار شبه تام للقطاع الزراعي في غزة، حيث لم يتبقَّ سوى أقل من 5% من الأراضي الزراعية الصالحة للزراعة.
· أرقام صادمة : أكثر من 80% من إجمالي مساحة الأراضي الزراعية تضررت، وأصبحت 77.8% منها غير متاحة للمزارعين، ولم يتبقَ سوى 688 هكتارًا فقط (4.6%) متاحة للزراعة.
· تدمير البنية التحتية: تضرر 71.2% من الصوبات الزراعية (الدفيئات) و82.8% من الآبار الزراعية، مما قضى على أي إمكانية للري.
· اقتصاد محطم : قبل الحرب، كانت الزراعة تمثل حوالي 10% من اقتصاد غزة، وكان يعتمد عليها أكثر من 560 ألف شخص في معيشتهم. قدرت الفاو إجمالي الأضرار والخسائر التي تكبدها القطاع الزراعي بأكثر من ملياري دولار، وتحتاج إعادة الإعمار إلى 4.2 مليار دولار.
· تصنيف عالمي: صنفت الفاو قطاع غزة ضمن أسوأ أربع أزمات غذائية في العالم خلال عامي 2024-2025، إلى جانب السودان واليمن وأفغانستان.
5. الحياة تحت الخيام: موت بطيء على قارعة الطريق ..
بعد تدمير منازلهم، وجد ملايين النازحين أنفسهم محاصرين في خيام مهترئة، في بيئة تفتقر لأدنى مقومات الحياة والكرامة الإنسانية. الحياة في الخيام ليست مجرد مأوى مؤقت، بل هي فخ موت بطيء.
· اكتظاظ قاتل ومساحات غير إنسانية: يعيش النازحون في خيام لا تتجاوز مساحتها 20 مترًا مربعًا يتقاسمها 10 أشخاص بالمتوسط، مما يترك لكل فرد مترين مربعين فقط، وهي مساحة أقل بكثير من الحد الأدنى الذي توصي به المفوضية السامية لشؤون اللاجئين (3.5 أمتار مربعة).
· انهيار المأوى: ينام الملايين في خيام بالية أو في العراء على قارعة الطرق. كشف المكتب الإعلامي الحكومي في غزة أن 93% من خيام النازحين (125 ألف خيمة من أصل 135 ألفًا) قد انهارت ولم تعد صالحة للإقامة بسبب القصف الإسرائيلي أو بفعل عوامل الطبيعة القاسية من حرارة الصيف اللاهبة وبرد الشتاء القارس. ومع استمرار موجات النزوح، تنتشر الخيام بشكل عشوائي "على قوارع الطرق وبين المكاره الصحية في بيئة تفتقر لأدنى مقومات الحياة".
· انعدام الحماية والكرامة: الخيام المهترئة بعد عامين من الاستخدام المتواصل لم تعد تحمي السكان من حرارة الصيف، أو برد الشتاء، أو حتى من شظايا القصف. في الصيف، تشكو الأمهات من أن "الذباب والحشرات نهشت لحم" أطفالهن.
· بيئة خصبة للأوبئة: تحولت المخيمات المكتظة التي تفتقر لشبكات الصرف الصحي إلى بؤر لتكاثر الحشرات والقوارض، مما أدى إلى انتشار واسع للأمراض الجلدية والنزلات المعوية والتهابات الجهاز التنفسي. وتحذر الجهات الطبية من مؤشرات مقلقة لاحتمال انتشار أمراض وبائية مثل "الليبتوسبيروز" (Leptospirosis) الذي تنقله الفئران.
6. الحرمان من التغذية: جيل كامل تحت رحمة سوء التغذية ..
الوجه الأكثر قسوة لهذه المأساة هو ما يتعرض له الأطفال والنساء، حيث يُحرم جيل كامل من حقه في الحياة والنمو .
· سوء التغذية الحاد بين الأطفال: تكشف أحدث فحوصات اليونيسف أن واحداً من كل 5 أطفال في مدينة غزة شُخّص بإصابته بسوء التغذية الحاد في أغسطس/اب 2025، وهي زيادة مرعبة عن النسب السابقة. وفي أكتوبر/تشرين الاول 2025، تلقى نحو 9,300 طفل العلاج من سوء التغذية الحاد في غزة.
· النساء الحوامل والمرضعات: يعاني ما يزيد على 37 ألف سيدة حامل ومرضع من انعدام الأمن الغذائي الحاد، مما يهدد حياتهن وحياة مواليدهن. وفقاً لليونيسيف، الأمهات اللاتي يعانين من سوء التغذية يلدن أطفالاً ناقصي الوزن أو مبتسرين يموتون ببطء.
· احتياجات هائلة للعلاج: يحذر تقرير التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي (IPC) من أن نحو 71,000 طفل وأكثر من 17,000 أم سيحتاجون إلى علاج عاجل من سوء التغذية الحاد.
خلاصة: كارثة إنسانية غير مسبوقة ..
ما يعيشه سكان قطاع غزة منذ السابع من أكتوبر 2023 هو انهيار متعمد ومدروس لكل مقومات الحياة الإنسانية. إنهم لا يواجهون خطر الموت جوعًا أو تحت القصف بين يوم وآخر فحسب، بل يواجهون أيضًا الحرمان من التغذية، وفقدان المأوى، وانهيار الخدمات الصحية، والموت البطيء في خيام مهترئة على قارعة الطرق دون أي أفق لحل يلوح في الأفق.
إنه واقع حيث يتساوى فيه الموت جوعًا مع الموت تحت القصف، وحيث يتحول كل يوم إلى معركة من أجل البقاء. لقد حذرت كاثرين راسل، المديرة التنفيذية لليونيسف، مرارًا من أن "الجوع وسوء التغذية الحاد أصبحا واقعاً يومياً لأطفال غزة"، وإن لم يتحرك المجتمع الدولي فورًا لإنهاء هذه المأساة وضمان تدفق المساعدات دون عوائق، فإننا نشهد ببساطة جريمة تتكشف أمام أعيننا.