الكاتب : واصل الخطيب
رئيس التحرير
شهدت الانتخابات المحلية الفلسطينية لعام 2026 في الضفة الغربية ومدينة دير البلح ، لحظة سياسية كاشفة، ليس فقط على مستوى النتائج، بل في طبيعة التحولات العميقة داخل المجتمع السياسي الفلسطيني. فقد أظهرت النتائج، خاصة في مدن كبرى مثل الخليل، تقدّم القوائم ذات الطابع العائلي والعشائري على حساب القوائم الحزبية التقليدية، وعلى رأسها حركة “فتح”، في مشهد يعكس إعادة تشكيل موازين القوة على المستوى المحلي .
ملامح النتائج… أرقام تعكس التحول ..
جرت الانتخابات في 183 هيئة محلية في الضفة الغربية إضافة إلى دير البلح في قطاع غزة، وسط ظروف سياسية وأمنية معقدة، وبنسبة مشاركة بلغت نحو 53–56% في الضفة، مقابل نسبة متدنية جداً في دير البلح وصلت إلى حوالي 23% فقط .
وفي الخليل، كانت النتيجة الأكثر دلالة، حيث فازت القوائم العائلية على القوائم المحسوبة على حركة “فتح” .
أما في دير البلح، فقد توزعت المقاعد بين أربع قوائم محلية دون هيمنة فصيل سياسي واضح، ما يعكس تشتتاً سياسياً وضعف الاصطفاف الحزبي .
لماذا تفوقت العشائر؟
تفوق القوائم العائلية والعشائرية ليس ظاهرة عابرة، بل نتيجة تراكمات سياسية واجتماعية يمكن قراءتها عبر عدة مستويات:
1. تآكل الثقة بالأحزاب
تعكس النتائج تراجعاً واضحاً في ثقة الشارع بالقوى السياسية، وخاصة “فتح”، التي تُعتبر العمود الفقري للسلطة الفلسطينية. هذا التراجع مرتبط بغياب الانتخابات العامة، وتآكل الشرعية التمثيلية، إضافة إلى الأداء الحكومي المتأثر بالأزمات السياسية والاقتصادية.
2. عودة البنية التقليدية للمجتمع
في ظل غياب مشروع سياسي جامع، يعود الناخب إلى الهويات الأولية: العائلة، الحمولة، والعشيرة. هذه البنى توفر شبكة أمان اجتماعي وخدمات مباشرة، ما يجعلها أكثر قدرة على الحشد مقارنة بالأطر الحزبية.
3. الطابع الخدماتي للانتخابات المحلية
الانتخابات البلدية بطبيعتها خدمية، ما يعزز فرص القوائم المحلية التي تركز على الكفاءة والعلاقات الاجتماعية، بدل البرامج السياسية الكبرى. والناخب هنا يبحث عن “من يخدم” لا “من يمثل سياسياً”.
4. ضعف التنظيم الداخلي ل"فتح"
في العديد من المواقع، دخلت “فتح” الانتخابات بقوائم متعددة أو غير موحدة، ما أدى إلى تشتيت أصواتها. في المقابل، استطاعت العشائر توحيد صفوفها حول قوائم قوية.
حالة الخليل… نموذج للتحول
تمثل الخليل الحالة الأبرز لهذا التحول. تاريخياً، حيث كانت المدينة ساحة تنافس بين “فتح” وقوى أخرى، لكنها اليوم تعود إلى ثقلها العشائري وذلك للاسباب التالية .
*قوة العائلات الكبرى في المدينة
*قدرة هذه العائلات على بناء تحالفات انتخابية فعالة
*تراجع تأثير الخطاب السياسي لصالح الاعتبارات الاجتماعية
*هذا التحول في الخليل قد يمتد إلى مدن أخرى إذا استمرت نفس الظروف السياسية.
اما فشل قائمة حركة "فتح" في تحقيق الفوز في الانتخابات المحلية بمدينة جنين فلا يمكن تفسيره بسبب واحد مباشر، بل هو نتاج تداخل عوامل تنظيمية وسياسية واجتماعية محلية. ويمكن قراءة هذا الإخفاق من خلال عدة مستويات مترابطة:
أولاً: التراجع التنظيمي الداخلي
تعاني حركة حركة فتح منذ سنوات من إشكاليات داخلية تتعلق بضعف الانضباط التنظيمي، وتعدد مراكز القرار، وغياب آلية حسم واضحة في اختيار المرشحين. في حالة جنين، انعكس ذلك في وجود حالة من التململ داخل القاعدة الفتحاوية، بل وفي بعض الأحيان دعم غير مباشر لقوائم منافسة من داخل البيئة نفسها.
ثانياً: صعود العامل العائلي والعشائري
المجتمع في جنين، كغيره من مدن شمال الضفة، ما زال يتأثر بالبنية العائلية. القوائم التي نجحت غالباً ما استندت إلى تحالفات عائلية قوية، وقدمت نفسها كبديل “خدماتي” بعيد عن الاستقطاب السياسي. هذا العامل كان حاسماً، خصوصاً في ظل تراجع ثقة جزء من الجمهور بالأطر الحزبية.
ثالثاً: ضعف الخطاب الخدمي مقابل الخطاب السياسي
الانتخابات المحلية بطبيعتها خدمية، لكن خطاب فتح في كثير من الأحيان ظل سياسياً عاماً، يركز على تاريخ الحركة ودورها الوطني، دون تقديم برنامج بلدي ملموس ومقنع للناخبين في قضايا مثل البنية التحتية، والنظافة، والتنظيم المدني. في المقابل، قدمت القوائم المنافسة برامج أكثر قرباً من هموم الناس اليومية.
رابعاً: المزاج الشعبي والاحتجاج الصامت
هناك حالة من الاستياء لدى قطاعات من الشارع الفلسطيني تجاه الأداء العام للسلطة، سواء على الصعيد الاقتصادي أو الإداري. هذا الاستياء لم يترجم بالضرورة إلى دعم واضح لقوى سياسية منافسة، لكنه ظهر في شكل “تصويت عقابي” ضد قوائم فتح، أو العزوف عن دعمها.
خامساً: تأثير الواقع الأمني والسياسي في جنين
تُعد جنين منطقة ذات خصوصية، نظراً لحالة الاحتكاك المستمر مع الاحتلال، ووجود مجموعات مقاومة ذات طابع شبابي. هذا الواقع خلق فجوة بين الخطاب الرسمي الذي تمثله فتح، وبين المزاج العام الذي يميل أحياناً إلى نماذج أكثر “ميدانية” وأقل ارتباطاً بالبنية الرسمية.
سادساً: تعدد القوائم القريبة من فتح
في بعض الحالات، لم تخسر فتح فقط أمام خصومها، بل أيضاً بسبب تشتت أصواتها بين أكثر من قائمة محسوبة عليها أو قريبة منها. هذا التشتت أضعف قدرتها على حشد كتلة تصويتية صلبة.
دير البلح… انتخابات بلا سياسة
في دير البلح، التي شهدت أول انتخابات منذ نحو 20 عاماً، جاءت النتائج مشتتة بين أربع قوائم، دون حضور واضح للأحزاب الكبرى. لكن الأهم من النتائج هو ضعف المشاركة، الذي يعكس:
*آثار الحرب والنزوح
*خلل السجل الانتخابي
*حالة الإحباط العام
ورغم ذلك، تحمل الانتخابات هناك دلالة سياسية رمزية، إذ تعكس إمكانية إعادة توحيد المسار الانتخابي الفلسطيني مستقبلاً.
الدلالات السياسية العامة :
1. تراجع “فتح” دون بديل حقيقي . اذ رغم خسارة الحركة في مواقع مهمة، إلا أن البديل لم يكن قوى سياسية منافسة، بل قوى اجتماعية محلية. وهذا يعني أن الأزمة ليست انتقالاً بين مشاريع سياسية، بل انكفاء عن السياسة نفسها.
2. صعود “المحلية السياسية”..
الناخب الفلسطيني بات يفصل بين المحلي والوطني؛ فهو قد يدعم مشروعاً وطنياً معيناً، لكنه يختار محلياً على أساس خدماتي أو عشائري.
3. أزمة النظام السياسي
النتائج تعكس خللاً أعمق في النظام السياسي الفلسطيني، المرتبط بغياب الانتخابات التشريعية والرئاسية، واستمرار الانقسام، ما يدفع المجتمع للبحث عن بدائل تمثيلية خارج الأطر الرسمية.
إلى أين تتجه الأمور؟
إذا استمرت هذه الاتجاهات، يمكن توقع ما يلي :
*توسع نفوذ القوائم العائلية في الانتخابات القادمة
*مزيد من تراجع الأحزاب في المستوى المحلي
*ضغط متزايد لإجراء انتخابات عامة لإعادة التوازن السياسي
لكن في المقابل، يبقى هذا المشهد هشاً، لأن العشائر لا تستطيع أن تشكل بديلاً سياسياً على المستوى الوطني، ما يعني أن الأزمة مرشحة للاستمرار.
خلاصة :
الانتخابات المحلية 2026 لم تكن مجرد استحقاق بلدي، بل كانت مرآة عاكسة لتحولات عميقة في المجتمع الفلسطيني. فصعود العشائر في مدن مثل الخليل، مقابل تراجع “فتح”، لا يعكس فقط خللاً تنظيمياً داخل الحركة، بل يكشف عن أزمة ثقة أوسع في النظام السياسي برمته، حيث ينسحب المواطن من السياسة إلى المجتمع، ومن الحزب إلى العائلة، في انتظار لحظة سياسية جديدة تعيد تعريف التمثيل والشرعية.