القدس-رام الله-وكالات-مؤيد باجس-أثار إقرار الكنيست الإسرائيلي لقانون "إعدام الأسرى" امس الاثنين، موجة واسعة من الانتقادات الحقوقية والقانونية، وسط تحذيرات من أنه لا يمثل مجرد تعديل تشريعي، بل خطوة خطيرة تعكس اتجاهاً أكثر تشدداً وعنصرية في التعامل مع الأسرى الفلسطينيين.
وصادق الكنيست على القانون بالقراءتين الثانية والثالثة، بدعم كبير من وزير الأمن القومي المتطرف إيتمار بن غفير، والذي احتفل بشكل صاخب مساء امس .
كواليس "إعدام الأسرى"
المحامي حسن عبادي، منسق التحالف الأوروبي لمناصرة الأسرى، قدّم رواية تفصيلية عن أبرز ما دار خلف الكواليس أثناء الدفع بالقانون، مؤكداً أن النص جاء بصيغة انتقائية تستهدف الفلسطينيين وحدهم، وأن النقاشات التي رافقت تمريره كشفت عن تعديلات مهمة في الصياغة والآلية والتطبيق.
وقال عبادي في حديث لتلفزيون فلسطين الرسمي، إن القانون، كما خرج في صورته النهائية، “عنصري بامتياز”، لأنه لا يُطبَّق إلا عندما تكون الضحية يهودياً، بينما لا يُستخدم في الاتجاه المعاكس إذا كان الجاني يهودياً والضحية عربياً.
وبحسب عبادي، فإن واحدة من أكثر النقاط إثارة للانتباه في الكواليس هي أن القانون غُيّرت آلية إصداره العقابي مقارنةً بما كان مطروحاً في السابق؛ إذ كانت الصيغة الأولى تتطلب إجماع القضاة لإصدار حكم الإعدام، قبل أن يجري تعديلها لتصبح كافية بأغلبية قاضيين من أصل ثلاثة.
كما أشار إلى أن من بين البنود التي أُدخلت على النص أن التنفيذ يجب أن يتم خلال 90 يوماً، وبطريقة وصفها بأنها شديدة القسوة والسرية، إذ سيجري القتل داخل السجن بواسطة سجانين مجهولي الهوية لا تُعلن أسماؤهم.
وكشف عبادي أن النقاشات الأولى حول طريقة التنفيذ كانت تدور حول استخدام حقن طبية، غير أن هذا الطرح واجه اعتراضاً من نقابة الأطباء، التي خشيت من الملاحقة الدولية، ما دفع لاحقاً إلى إسناد المهمة إلى مصلحة السجون بدل الطاقم الطبي. وأضاف أن هذا التحول يكشف، برأيه، عن محاولة لتخفيف الحرج الأخلاقي والقانوني عن المؤسسة الطبية ونقله إلى الجهاز الأمني.
ومن التفاصيل الأخرى التي نقلها عبادي أن القانون تراجع عن الأثر الرجعي، بحيث لا يُطبق على الأسرى الموجودين حالياً في السجون، بل على من يُعتقلون بعد تاريخ إقراره فقط. كما جرى تضييق نطاقه ليقتصر على “عمليات القتل” بعدما كان في مراحل سابقة أوسع من ذلك، ويشمل تهمًا أخرى.
ورأى عبادي أن هذا التعديل يعكس محاولة سياسية لتسويق القانون على أنه محدود النطاق، بينما يظل في جوهره أداة عقابية موجهة ضد الفلسطينيين.
صفقة سياسية ..
ولفت عبادي إلى أن حضور رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو جلسة التصويت لم يكن تفصيلاً عابراً، بل جاء – بحسب تقديره – في إطار تثبيت الائتلاف الحاكم ومنع تفككه.
وقال إن هناك صفقة سياسية جرت مع حزب “شاس” تضمنت، وفق ما رواه، تخصيص 800 مليون شيكل (252 مليون دولار ) مقابل تغيير موقف الحزب من المعارضة إلى التأييد، وهو ما ساهم في ترجيح الكفة لصالح القانون داخل الكنيست.
كما تطرق عبادي إلى مشروع قانون منفصل يخص المشاركين في أحداث 7 أكتوبر، قائلاً إنه يهدف إلى إنشاء مسار قانوني مستعجل تكون فيه الأدلة سرية، وتصدر الأحكام خلال 90 يوماً، من دون تمكين المعتقل من حق الدفاع أو التمثيل القانوني العادل.
من جهته، شدد المحامي علي أبو حبلة على أن القانون، بصيغته الحالية، يضع الاحتلال الإسرائيلي أمام اختبار حقيقي لمدى التزامها باتفاقية جنيف الرابعة والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، خصوصاً في ظل وجود نظام قضائي مزدوج: محاكم عسكرية للفلسطينيين ومحاكم مدنية للإسرائيليين.
واعتبر في منشور عبر "فيسبوك" أن هذا التمايز يعمّق الشكوك بشأن احترام مبدأ المساواة أمام القانون.
خطوات عاجلة ..
أما المحامي يوسف عاشور فدعا إلى حزمة خطوات عملية عاجلة للرد على القانون، تبدأ بتفعيل المسار القضائي الدولي عبر المحكمة الجنائية الدولية، وتوسيع الضغط من خلال اللجنة الدولية للصليب الأحمر ومجلس حقوق الإنسان. إلى جانب "فضح الطابع العنصري للقانون في الرأي العام العالمي، وإبراز قصص الأسرى كضحايا قضية تحرر وطني لا كمجرمين كما يحاول النص تصويرهم".
كما طالب بتنظيم حراك سلمي عالمي أمام السفارات الإسرائيلية والبرلمانات الدولية، وتقديم التماسات أمام المحكمة العليا الإسرائيلية، رغم التشكيك بقدرتها على إبطال القانون بشكل حاسم.
"تشريع خارج الشرعية" ..
وفي السياق ذاته، وصف المحامي أحمد الأشقر القانون بأنه “تشريع خارج الشرعية”، مؤكداً أنه يقوم على تصنيف عنصري يمسّ مبدأ المساواة، ويستهدف سكان الضفة الغربية وقطاع غزة بوصفهم واقعين تحت الاحتلال، في وقت لا تملك فيه سلطات الاحتلال، بحسب قوله، شرعية سن مثل هذا التشريع عليهم. واعتبر أن أي طعن جدي أمام المحكمة العليا الإسرائيلية قد يضع النص تحت اختبار قانوني صعب، خاصة إذا جرى الفصل فيه بعيداً عن الحسابات السياسية.
أما الخبير القانوني جمال حرفوش، فاعتبر أن ما يجري يمثل “جريمة قانونية” تهدد منظومة العدالة الدولية، لأنه يحاول إضفاء غطاء قانوني زائف على ممارسات ترقى، من وجهة نظره، إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.
ودعا الأمم المتحدة ومجلس حقوق الإنسان والمحكمة الجنائية الدولية ونقابات المحامين حول العالم إلى التحرك الفوري لمنع إقرار هذا المسار أو الاعتراف بآثاره القانونية، مؤكداً أن الصمت الدولي في هذه الحالة لا يمكن اعتباره حياداً، بل مساهمة ضمنية في ترسيخ الانتهاك.