بيروت -ريتا الجمّال-شكّلت الإنذارات الإسرائيلية الأخيرة لسكان أكثر من 80 بلدة في جنوب لبنان محطّة مفصلية في مسار التصعيد الإسرائيلي وسياسة توسعة المنطقة العازلة، خصوصاً أنها شملت قرى في العمق الجنوبي، وأخرى متاخمة للبقاع الغربي، ما يطرح علامات استفهام حول نيات إسرائيل، خصوصاً مع بدء توغلاتها البرية.
واستكملت إسرائيل، اليوم الثلاثاء، تصعيد هجماتها على لبنان، خصوصاً بعدما نفذ حزب الله سلسلة عمليات ضد مواقع عسكرية تابعة لها، وقامت باستهدافات في الجنوب بشكل أساس، كما في الضاحية الجنوبية لبيروت، منها من دون إنذارات مسبقة، وأخرى مع إصدار إنذارات، كان لافتاً أنها شملت هذه المرة عدداً كبيراً من البلدات ومواقع جغرافية جديدة ضُمّت إلى خريطة التهديد العسكري والتهجير البشري.
وأسفرت الغارات الإسرائيلية الموسّعة على الأراضي اللبنانية في يومها الأول، أمس الاثنين، عن سقوط أكثر من 52 شهيداً وما يزيد على 150 جريحاً، فيما لم تُصدر وزارة الصحة حتى الساعة بياناً محدثاً لحصيلة الاعتداءات، فيما سُجّلت منذ الصباح عمليات توغل لجيش الاحتلال في عددٍ من القرى الحدودية، وتمركزه في نقاطٍ جديدة، خصوصاً بعد مغادرة الجيش اللبناني عدداً من مواقعه المستحدثة، وإعادة تموضعه في ظلّ التصعيد الإسرائيلي، وقرار رسمي غير مُعلن، بعدم الدخول بمواجهة مع القوات الإسرائيلية.
وفي قراءة عسكرية لهذه التطورات، يقول منسّق الحكومة اللبنانية لدى اليونيفيل سابقاً العميد منير شحادة لـ"العربي الجديد" إن إنذار إسرائيل بإخلاء نحو ثمانين قرية وبلدة في الجنوب، والتحذير الصريح بعدم العودة إليها، يشكّل محطة مفصلية في مسار التصعيد المستمر على الجبهة الجنوبية، مشيراً إلى أن "الإجراء لا يبدو أمنياً عابراً، بل يحمل في طياته مؤشرات إلى إعادة رسم واقع ميداني جديد، مع بدء التوغّل الإسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية، وتزامن ذلك مع انسحاب وحدات من الجيش اللبناني من مراكز استحدثها بعد توقف حرب الـ66 يوماً عام 2024".
ويلفت شحادة إلى أن "الإنذار واسع، وخريطة الإخلاء ممتدة، وتشمل لائحة القرى المُنذَرة نطاقاً جغرافياً متدرجاً من القطاع الغربي حتى الشرقي، بمحاذاة الخط الأزرق، فعلى امتداد الساحل والقطاع الغربي، تطاول التحذيرات بلدات مثل الناقورة وعلما الشعب، وصولاً إلى مروحين والضهيرة. وفي القطاع الأوسط تمتد إلى عيتا الشعب ورميش ويارون ومارون الراس، بينما تشمل في القطاع الشرقي ميس الجبل وحولا وعديسة وكفركلا وغيرها من القرى المتاخمة للحدود، هذا الامتداد المتصل يوحي بأن الأمر يتجاوز رداً موضعياً على إطلاق صواريخ، إلى محاولة فرض شريط أمني متكامل، يُفرغ الحافة الحدودية من سكانها، ويحوّلها إلى منطقة عسكرية مفتوحة".
وفي تقدير جغرافي للمنطقة العازلة، يقول شحادة "إذا ما أُخذت القرى الثمانون كقوس جغرافي واحد، فإن حدود المنطقة العازلة التي تسعى إسرائيل إلى إنشائها يمكن تقديرها على النحو الآتي: جنوباً: الخط الأزرق بكامل امتداده من الناقورة حتى تخوم مزارع شبعا، شمالاً: خط يوازي نهر الليطاني في بعض المقاطع، ويتراوح عمقه بين 3 و8 كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية، تبعاً لطبيعة التضاريس والكثافة السكانية، غرباً: ساحل البحر الأبيض المتوسط عند الناقورة، وشرقاً: تخوم العرقوب والمرتفعات المشرفة على الجليل الأعلى".
ويتابع "بهذا التقدير، قد تمتد المنطقة العازلة على مساحة تُقارب 250 إلى 400 كيلومتر مربع، تبعاً لمدى التوغّل الفعلي، وإذا ما وصلت القوات الإسرائيلية إلى مشارف الليطاني، فإن ذلك يعني عملياً إعادة إحياء مشروع حزام أمني شبيه بما كان قائماً قبل عام 2000، ولكن بصيغة أوسع تصل إلى مشارف البقاع الغربي، كما وأكثر صرامة". وبين حرب 2024 واليوم، يقول شحادة "خلال حرب الـ66 يوماً عام 2024، سعت إسرائيل، وفق معطيات ميدانية وتصريحات سياسية آنذاك، إلى فرض واقع يتيح لها السيطرة على كامل منطقة جنوب الليطاني، مستفيدة من كثافة القصف الجوي والضغط البري، غير أن صمود المقاومة حال دون تحقيق هذا الهدف، ما أبقى خطوط التماس قريبة من الحدود".
ويردف "اليوم، تبدو المعادلة مختلفة من حيث الذريعة، فإطلاق صواريخ من جانب حزب الله باتجاه شمال فلسطين المحتلة منح إسرائيل مبرراً لتوسيع نطاق عملياتها، مستندة إلى خطاب إزالة التهديد المباشر عن الجليل. إلا أن القراءة الاستراتيجية تشير إلى أن الهدف الأبعد قد يكون تثبيت شريط أمني دائم، يُبعد أي وجود مسلح عن الحدود، ولو بالقوة، أو ما يسمى بالمنطقة العازلة، المصطلح الذي دأبت إسرائيل منذ تكوينها على استعماله، مدعيةً أنها تسعى إليه لحماية المستعمرات الشمالية، بينما هي تلعب على عامل الوقت والزمن والذاكرة لكي تصبح هذه المنطقة العازلة جزءاً لا يتجزأ من الكيان الإسرائيلي وما الجولان المحتل إلا مثال صارخ على ذلك".
ويتوقف شحادة أمام مغادرة وحدة الجيش اللبناني عدة مراكز استُحدثت بعد توقف حرب 2024، ما يطرح برأيه "تساؤلات حول طبيعة التنسيق الميداني، وحدود القدرة على الثبات في ظل تفوّق ناري إسرائيلي كثيف، كما يعيد إلى الواجهة إشكالية تطبيق القرار الدولي 1701، الذي ينص على خلوِّ المنطقة الواقعة جنوب الليطاني من أي سلاح غير سلاح الدولة"، مضيفاً "وفي حال نجحت إسرائيل في تثبيت وجودها ضمن عمق متدرج شمال الخط الأزرق، فإن ذلك سيضع لبنان أمام واقع أمني وجغرافي جديد، تتبدل فيه خطوط الانتشار والاشتباك، وتتعقّد معه أي تسوية سياسية لاحقة". تبعاً لذلك، يعتبر شحادة أن "الجنوب اليوم أمام مفترق دقيق، إما تثبيت معادلات الردع السابقة، أو الانزلاق إلى واقع ميداني جديد تتغير معه الحدود الفعلية، ولو مؤقتاً، تحت ضغط النار والسياسة معاً".