رام الله-سامر خويرة-يستقبل آلاف الأسرى الفلسطينيين شهر رمضان هذا العام في ظل تصعيد غير مسبوق داخل سجون الاحتلال الاسرائيلي، حيث يتقاطع التجويع مع قمع الشعائر الدينية، ويُعرض فيه الإذلال على الكاميرا في رسالة سياسية. وخلال الأيام الماضية، شكّل اقتحام سجن عوفر في بيتونيا برام الله، وما رافقه من اعتداءات وتهديدات محطة مفصلية تؤكد أن ما يجري سياسة معلنة تتوسع قبل الشهر الفضيل.
ورغم مرور خمسة أشهر على قرار المحكمة العليا الإسرائيلية الذي أقر بعدم كفاية الطعام المُقدّم للأسرى، تؤكد شهادات أسرى محررين، استمرار سياسة التجويع، مع تقليص الكميات ورداءة النوعية، وغياب أي مراعاة حقيقية لخصوصية شهر رمضان. ووفق الشهادات التي أدلى بها أسرى محررون، فإن إدارة السجون تقدم لها وجبات محدودة لا تسمن ولا تغني من جوع.
وفي هذا السياق، يقول الأسير المحرر عواد مقداد من نابلس: "إن كمية الطعام المُقدمة للأسرى لم تتغير منذ بداية الحرب على قطاع غزة قبل أكثر من 29 شهراً، وتقتصر على كأس صغيرة من الأرز بمقدار 4 ملاعق فقط، مع شوربة توصف بأنها ماء ساخن أضيفت إليه قطعتان صغيرتان من الجزر، وكأس صغيرة من الطحينية السائلة، إضافة إلى كمية قليلة جداً من الحمص على وجبة العشاء، إلى جانب عشر شرائح صغيرة من الخبز يومياً".
ويضيف: "إن كميات الطعام لا تختلف خلال شهر رمضان، لكننا كنّا نضطر إلى تقسيم هذه الحصص الشحيحة أصلاً إلى قسمين، لتناولها على وجبتي الإفطار والسحور". ويتابع: "في غير شهر رمضان، كنّا ندخر نصف حصة الخبز ليوم السبت، علنا نشعر بالشبع ولو لمرة واحدة في الأسبوع. نحن لا نشبع أبداً داخل السجون".
ويلفت إلى أن قلة الطعام، والجوع، إلى جانب الخوف الدائم الذي يعيشه الأسرى، تركت آثاراً واضحة على أجسادهم، إذ انخفض وزن عدد منهم بما لا يقل عن 25 كيلوغراماً، فيما فقد آخرون أكثر من 50 كيلوغراماً. ويكمل: "سألنا أحد السجانين الإسرائيليين عن أسباب هذه الكميات الضئيلة ومتدنية الجودة من الطعام، فكان رده: هذا قرار من المستوى السياسي". وتابع بلهجة عامية: "في خبيرة تغذية اختارتها الحكومة حتى تعطيكم هذه الكمية من الطعام عشان ما تموتوا!".
أما في ما يتعلق بالعبادات، فتظهر الشهادات نمطاً متكرراً من منع الصلاة الجماعية، وحظر الأذان، ومعاقبة أي حركة قد تُفسر على أنها أداء للصلاة، وهو ما قد يصل إلى حد قمع جميع من في الغرفة، بل ومعاقبة القسم بأكمله.
بدوره، يشير الأسير المحرر بهاء أبو العيش من مخيم طولكرم إلى تعمد إدارة سجن عوفر، حيث أمضى رمضان الماضي، تأخير إحضار وجبات الطعام، رغم علمها بأن وقت الإفطار مرتبط دينياً بأذان المغرب، وأن السحور يسبق أذان الفجر. وعن العبادات، يقول أبو العيش: "الغرفة المحظوظة هي التي يوجد فيها مصحف، حتى لو كان ممزقاً، فيما كانت الصلاة ممنوعة، فمجرد تحريك الشفتين كان يعرض الأسير للعقاب. كنا نصلي بالإيماء، وأحياناً بالعين فقط".
هذه الشهادات تتقاطع مع ما أعلنته مؤسسات حقوقية بشأن استخدام الجوع أداة ضغط نفسي وجسدي على الأسرى، وتحويل الممارسة الدينية إلى مساحة عقاب.
عائلات الأسرى: قلق وخوف ..
خارج أسوار السجون، تعيش عائلات الأسرى شهر رمضان على إيقاع القلق، أم تنتظر مكالمة قد لا تأتي، وأب يحاول أن يفهم من خبر عابر ما إذا كان ابنه قد فقد وزنه أو تعرض للعقاب لأنه صلى، ومقعد فارغ على مائدة الإفطار، وصورة تجسد الحضور الوحيد.
"الحرمان من الزيارات بحجة المنع الأمني، وتحول الأخبار الطبية إلى مصدر رعب يومي، كلها تجعل العائلة تعيش شكلاً ممتداً من الأسر النفسي. فرمضان هنا ليس فقط شهراً روحياً، بل امتحان يومي للصبر أمام غياب المعلومة وفقدان الاطمئنان"، كما تقول وهيبة حلبي، والدة أسيرين يقبعان في سجون الاحتلال الإسرائيلي.
وتستدرك الأم المكلومة قائلة: "ما إن أُعلن دخول شهر رمضان، حتى تحول بيتنا إلى ما يشبه بيت عزاء، نفتقد ابني مؤمن، الذي يدخل عامه الثاني في سجون الاحتلال، وإسلام، الذي لحق به قبل ستة أشهر فقط، وقد تركا مقعديهما فارغين إلى مائدة الإفطار".
وتشير الأم إلى أن أسيراً خرج من عندهما قبل عدة أشهر من سجن النقب أبلغاه أنهما مصابان بالمرض، "ومن ذلك الحين ونحن نعيش رعباً حقيقياً عليهما، خصوصاً عندما نشاهد الهيئة التي يخرج عليها الأسرى من السجون، وما يزيد من معاناتنا أنهما ممنوعان من زيارة المحامي".
صيام متواصل ..
ودفع الجوع وقلة الطعام أعداداً كبيرة من الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال الإسرائيلي إلى صيام متواصل منذ أشهر طويلة. ويقول الأسير المحرر أمجد صفوان، الذي عايش شهر رمضان لعامين متتاليين بعد الحرب على قطاع غزة: "إن قلة الطعام الذي تقدمه إدارة سجون الاحتلال الإسرائيلي دفعت العديد من الأسرى إلى صيام يومي، مع تجميع الكميات لتناولها في وجبة الإفطار، وغالباً الاكتفاء بشرب الماء قبل الإمساك فجراً".
ويضيف صفوان: "لن يختلف رمضان عن غيره من الأيام، وللأسف تغيب الأجواء الإيمانية عن السجون كتلك التي كانت قبل الحرب، وبالتالي لا يشعر الأسرى بأي تميز لهذا الشهر الفضيل وما عليهم سوى تغيير النية".
عدم معرفة دخول رمضان
وما يزيد المشهد سوداوية، أن الأسرى قد لا يعلمون حقيقة دخول شهر رمضان من عدمه، في ظل إحجام السجانين الإسرائيليين عن إخبارهم بموعده وانقطاع كل أشكال التواصل مع العالم الخارجي.
ويقول الأسير المحرر إسلام أبو عون الذي عايش رمضان لعامين قبل أن يُفرج عنه أخيراً: "إن نقاشاً صاخباً يكون قد احتدم على نوافذ أقسام السجون ليلة رمضان حول دخول الشهر الفضيل، بين من يدعو للصيام احتياطاً ومن يريد البناء على الحساب الفلكي الذي تسربت أخباره عبر زيارات المحامين". ويضيف أبو عون: "يرفض السجانون إخبار الأسرى بمواعيد المناسبات الدينية المرتبطة بالتقويم الهجري مثل شهر رمضان أو الأعياد، في ظل انقطاع كل أشكال التواصل مع الخارجي، لعدم وجود هواتف أيضاً".
ويتابع: "جرت العادة على أن يتفق الأسرى على الصيام، بانتظار عودة من كانت لديهم جلسات محاكمة أو زيارة محامين، ومعهم الخبر اليقين، بأن الشهر قد حل أو لا، وبالتالي إما يكملون صيامهم وإما يفطرون". ويوضح أبو عون أن الأمر صعب، لكونه وفق التقويم الهجري ومتعلقاً برؤية الهلال لتحديد المناسبات الدينية، ولو أن الأمر يخص التقويم الميلادي، لكان أسهل، فعدد أيامه وبدء الشهر ونهايته معروفة سلفاً. ويشير إلى أن"الموجع في صيام السجون أنك تصوم ولا تفطر إلا على بعض اللقيمات دون وجود وجبة السحور التي تصل وقد أنهكك الجوع ليلاً".
انتهاك صارخ ..
من جانبه، يقول مدير نادي الأسير الفلسطيني في محافظة نابلس، مظفر ذوقان، : "إن اقتحام وزير الأمن الداخلي والمسؤول عن السجون إيتمار بن غفير قبل نحو أسبوع من رمضان لسجن عوفر وما رافقه من اعتداءات، وتهديدات جماعية، إضافة إلى التجويع الممنهج، ومنع أو تقييد الشعائر الدينية، والإهمال الطبي، وارتقاء المزيد من الشهداء من الأسرى، جميعها مؤشرات خطيرة على المعاملة اللاإنسانية والقمعية التي قد ترقى إلى جرائم حرب وفق القانون الدولي".
ويؤكد ذوقان أن هذه الممارسات تخالف تماماً ما ورد في العهد الدولي الخاص بالأسرى، مشدداً على أن ما يجري داخل السجون الإسرائيلية، ولا سيما في ضوء اقتحام عوفر والتهديدات المرتبطة بشهر رمضان، يستوجب تدخلاً دولياً عاجلاً.
ويطالب العهد الدولي بفتح السجون أمام رقابة دولية مستقلة، وضمان الحق في الغذاء الكافي والرعاية الصحية، ووقف سياسة التجويع والإذلال، وتمكين الأسرى من ممارسة شعائرهم الدينية دون عقاب، وفتح تحقيق دولي مستقل في ملابسات الوفيات واحتجاز الجثامين، ومحاسبة المسؤولين عن أي انتهاكات جسيمة للقانون الدولي.