رام الله - يافا ذيب - بوابة من حديد تقف اليوم كفاصل قاسٍ بين عائلة فلسطينية وأرضها في قرية سنجل وسط الضفة الغربية.
ليست بوابة عسكرية واضحة المعالم، ولا تحمل رقمًا أو قرارًا مكتوبًا يحدد أوقات فتحها وإغلاقها، لكنها تحولت خلال الشهور الأخيرة إلى رمز يومي لمعاناة تتجاوز حدود العائلة الواحدة لتلخص واقعًا فلسطينيًا عامًا: تضييق متواصل، عنف استيطاني يتصاعد، وحماية رسمية من جيش الاحتلال تُفرغ القانون من مضمونه وتحوّل الحياة اليومية إلى صراع بقاء.
عند مدخل الأرض الزراعية التي تعتمد عليها العائلة في رزقها، تُغلق البوابة الحديدية معظم الوقت، فتفصل البيت عن مصدر العيش. خلال الأشهر الماضية باتت هذه النقطة مسرحًا لمواجهات متكررة بين أصحاب الأرض والمستوطنين، تحت أنظار الجنود الذين لا يخفون انحيازهم. في أحد المقاطع المصوّرة التي انتشرت مؤخرًا، يظهر أحد أبناء العائلة وهو يصرخ في وجه جندي إسرائيلي: «طخني.. مش خايف منك، هاي أرضي». لم يكن المشهد استعراضًا، بل انفجار غضب مكبوت بعد سلسلة طويلة من الاعتداءات والترهيب.
العائلة التي تعتمد على الزراعة وتربية المواشي تقول إن المستوطنين يهاجمونها من أكثر من جهة، ليلًا ونهارًا، فيما تحولت البوابة إلى أداة خنق إضافية لحياتها اليومية. لم يعد بإمكانهم الوصول إلى أرضهم متى شاؤوا، ولا حماية مواشيهم، ولا حتى الشعور بالأمان داخل البيت.
«القدس العربي» زارت القرية وتحدث إلى والدة الأسرة التي وصفت حالهم بلهجة مثقلة بالخوف والغضب.
تقول أم محمد: «المستوطنون يأتون من كل الجهات. ابني لا ينام، حتى أكله لم يعد طبيعيًا، يبقى عصبيًا طوال الوقت، يخاف على أولاده وعلى غنمه. نحن لا نعرف إلى أين نذهب. أين يذهب الإنسان؟». تؤكد أن ما جرى أخيرًا كان يمكن أن يتحول إلى مجزرة: «ما حصل لم يصل إلى مذبحة، لكنه كان قريبًا جدًا من أن أفقد ابني في أي لحظة. الجيش كان معهم. بدل أن يردع المستوطنين أطلق النار، كأن أبناءنا هم المذنبون».
تشير الأم إلى أن الاعتداءات ليست جديدة، بل تتكرر منذ سنوات: «سرقوا خرافنا مرتين. في المرة الأولى دخلوا وأخرجوها، وفي الثانية وضعنا كاميرات وتأكدنا أنهم عادوا وسرقوها. اليوم اعتداء وغدًا تخويف، وكل يوم رعب. رغم وجود توثيق لمحاولات حرق المنزل واستهدافنا بالرصاص، إلا أن الاحتلال يهددنا بالترحيل حفاظًا على حياة المستوطنين». وتستعيد لحظة خطيرة عند البوابة: «بين لحظة وأخرى كادوا يقتلوا ابني. المستوطن يسرق والجيش يحميه. حتى عندما حاولنا التحدث إلى الضابط لم يسمع لنا. لم نصدق أننا خرجنا أحياء». ورغم كل ذلك تصر الأم على البقاء: «يريدوننا أن نترك أرضنا ونرحل، لكننا لن نخرج. هنا وُلدنا، وهنا سنبقى».
قصة هذه العائلة ليست استثناءً، بل واحدة من آلاف الحالات المشابهة في الضفة الغربية. خلال السنوات الأخيرة انتشرت البوابات الحديدية والحواجز في مداخل القرى والطرق الزراعية، وفق معطيات أممية وحقوقية تتحدث عن مئات العوائق التي تُغلق بشكل دائم أو متقطع. هذه البوابات لا تقيّد الحركة فحسب، بل تمنع آلاف الفلسطينيين من الوصول إلى أراضيهم، وتحول القرى إلى جزر معزولة، وتُستخدم كوسيلة ضغط وعقاب جماعي، خصوصًا في المناطق القريبة من المستوطنات.
يتزامن ذلك مع تصاعد غير مسبوق في اعتداءات المستوطنين. وتشير تقارير حقوقية إلى مئات الاعتداءات سنويًا تشمل حرق محاصيل، سرقة مواشٍ، الاعتداء الجسدي على السكان، وتخريب الممتلكات، وغالبًا ما تجري هذه الاعتداءات بحضور الجيش أو تحت حمايته. منظمات حقوق الإنسان تؤكد أن نادرًا ما يُحاسَب المستوطنون على هذه الجرائم، فيما يُواجه الفلسطينيون بالاعتقال أو إطلاق النار عند أي محاولة للدفاع عن أنفسهم أو ممتلكاتهم.
وتشير مصادر محلية إلى أن قوات الاحتلال فتحت مؤخرًا عددًا من البوابات والحواجز بشكل مؤقت ولمدة لا تتجاوز الساعتين، عقب ضغوط ومطالبات من الإدارة الأمريكية بتخفيف القيود المفروضة على حركة الفلسطينيين. وبحسب شهود عيان استُغلت هذه الفترة للسماح بمرور محدود، تزامنًا مع توثيق مصوّر يُظهر الطرق وكأنها خالية من الحواجز، قبل أن تعود القوات لاحقًا لإغلاقها وإعادة الحواجز إلى وضعها السابق.
يرى فلسطينيون أن هذه الخطوة محاولة تضليل إعلامي لا تعكس الواقع اليومي، حيث تبقى الحواجز أداة دائمة للتحكم والعقاب الجماعي.
في مقابلة مع «القدس العربي»، يقول مدير التوثيق والنشر في هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، أمير داوود إن العام 2025 شكّل ذروة خطيرة في كل تصنيفات انتهاكات مشروع الاستيطان في الأراضي الفلسطينية. ويوضح أن اعتداءات المستوطنين وصلت إلى رقم قياسي غير مسبوق: أكثر من 4500 اعتداء نفذه المستوطنون على الأراضي والمواطنين الفلسطينيين خلال عام واحد. هذه الاعتداءات تسببت، حسب داوود، في إشعال 434 حريقًا في ممتلكات المواطنين، ما يعكس قصدًا واضحًا لإلحاق أكبر قدر ممكن من الضرر بالأرواح والممتلكات.
ويضيف أن هذه الاعتداءات أدت أيضًا إلى استشهاد 414 مواطنًا فلسطينيًا، ما يشير إلى «بيئة تمكينية كبيرة وغير مسبوقة قدمتها المؤسسة الرسمية في دولة الاحتلال لميليشيات المستوطنين من أجل فرض وقائع على الأرض». ويؤكد أن هجمات المستوطنين تحولت من هجمات معزولة إلى هجمات مؤسَّسة تنفذ مخططات الدولة، مستشهدًا بترحيل 14 تجمعًا بدويًا خلال عام 2025 على يد المستوطنين.
أخطر ما يميز عام 2025، حسب داوود، هو «التبادل الوظيفي» بين المستوطنين والجيش. فالمستوطنون يشقون طرقًا ويبنون بؤرًا، ثم يأتي الجيش ليحوّل ما فعلوه إلى واقع ثابت بأوامر عسكرية تشرعن الاعتداء. في العام 2025 وحده أقام المستوطنون 89 بؤرة استيطانية جديدة، وهو رقم قياسي، ترافق مع إصدار أوامر عسكرية حوّلت هذه الأفعال إلى وقائع قانونية على الأرض.
ويقول المواطن عايد غفري من بلدة سنجل إن البلدة تتعرض لهجمة استيطانية شرسة طالت أكثر من عشرة آلاف دونم سيطر عليها المستوطنون، حيث أقاموا أكثر من خمس بؤر استيطانية خلال العامين الأخيرين. يضيف أن هناك أسلوبًا جديدًا لعصابات المستوطنين يستهدف منازل المواطنين بشكل خاص عبر محاصرة البيوت في المنطقة الشمالية من البلدة والاعتداء على الممتلكات والسكان لخلق بيئة طاردة تهدف إلى تهجيرهم.
ويشرح غفري يشرح أن العلاقة بين الجيش والمستوطنين لم تعد عند حدود المشاهدة والمراقبة، بل أصبحت شراكة فعلية. «الجيش لا يكتفي بتقديم الحماية للمستوطنين، بل يتبادل وظيفيًا معهم في تنفيذ الاعتداءات، ويمنع الفلسطيني من حقه في الدفاع عن نفسه. كل من يحاول الدفاع عن نفسه يُقابل بإطلاق النار والضرب والعقوبات المشددة». ويشير إلى أن المؤسسات الرسمية في دولة الاحتلال تسارع إلى تقديم مشاريع قوانين لشرعنة ما يفرضه المستوطنون، وأنها فرغت العقوبات الدولية على بعض قادة الميليشيات الاستيطانية من مضمونها عبر إجراءات داخلية تُمكّنهم من الاستمرار.
يستشهد غفري بحادثة عندما أدخل مستوطنون الأغنام إلى منزل المواطن بلال دار خليل، ثم اتصلوا بالجيش الذي حضر وأطلق الرصاص الحي وقنابل الغاز على العائلة وأجبرهم على مغادرة البيت وتركه للمستوطنين. «أبلغهم الضابط أن المستوطن مسموح له أن يفعل ما يشاء، وأنتم ممنوعون من الخروج من منازلكم»، يقول غفري، معتبرًا أن ذلك يعكس شراكة واضحة في سياسة التهجير المتبعة، خصوصًا في المناطق المصنفة «C» وفق اتفاقية أوسلو، حيث تتركز هذه الاعتداءات.
الاعتداءات تشمل إدخال الأغنام إلى الأراضي الزراعية وحدائق المنازل، كسر الشبابيك، سرقة الممتلكات، التخريب، ومنع الوصول إلى الأرض، وكلها تهدف إلى تهجير أصحاب المنازل، خاصة في المناطق المحاذية للشوارع الاستيطانية التي تربط المستوطنات ببعضها البعض. ما يجري في سنجل، كما في قرى كثيرة أخرى، ليس أحداثًا عابرة، بل سياسة ممنهجة تقوم على فرض «بيئة قهرية طاردة» لدفع الفلسطينيين إلى الرحيل.