غزة - حسني نديم - بجسد منهك وساق مبتورة، يروي الأسير الفلسطيني السابق جبريل الصفدي تفاصيل تجربة قاسية داخل سجون إسرائيل، خلفت آثارا نفسية عميقة، ولم تنته بالإفراج عنه، إذ وجد نفسه أمام مأساة إضافية تمثلت بفقدان طفله أثناء محاولته البحث عن طعام وسط المجاعة بقطاع غزة.
ويقول الصفدي من سكان قطاع غزة إن الجيش الإسرائيلي اعتقله بوزن 90 كيلوغراما وبصحة جيدة، لكنه خرج منه بما لا يتجاوز 50 كلغ، وفقد ساقه نتيجة الإهمال الطبي، فيما تعاني الأخرى أضرارا جسيمة.
وتتزامن شهادته مع "يوم الأسير الفلسطيني" الذي يوافق 17 أبريل/ نيسان من كل عام، ويحييه الفلسطينيون بفعاليات تضامنية مع المعتقلين في السجون الإسرائيلية.
ويحيي الفلسطينيون، الجمعة، "يوم الأسير الفلسطيني" في ظروف توصف بأنها الأصعب منذ عقود، مع تصاعد الانتهاكات داخل سجون إسرائيل، بالتزامن مع إقرارها تشريعات تتيح إعدام أسرى.
بدأت معاناة الصفدي مطلع مارس/ آذار 2024، عندما حاصر الجيش الإسرائيلي مدينة حمد السكنية في خان يونس جنوبي قطاع غزة، وأجبر الفلسطينيين على النزوح نحو حواجز عسكرية.
وخلال محاولته الخروج مع عائلته، اعتقل الصفدي عند أحد الحواجز، بعد فصله عن زوجته وأطفاله، لتبدأ رحلة من المعاناة، وفق روايته، استمرت أكثر من عام داخل السجون الإسرائيلية.
ويؤكد أنه تعرض للاستخدام "درعا بشريا"، حيث أجبر على السير أمام جنود إسرائيليين والدخول إلى مبان كانوا يدهمونها، وسط مخاطر إطلاق النار أو الانفجارات.
ويقول: "كانوا يدفعونني للتقدم أمامهم دون أي اكتراث بحياتي، كنت درعا بشريا لهم".
ويشير الصفدي إلى أنه نُقل لاحقا إلى مراكز احتجاز، حيث تعرض للضرب والتنكيل خلال نقله، إضافة إلى تقييده بقيود حديدية تسببت بإصابات في أطرافه.
ويضيف أن حالته الصحية تدهورت سريعا داخل السجن، خصوصا في ساقه التي أصيبت بالتهاب حاد، دون تلقي العلاج اللازم.
ويتابع: "كنت أصرخ من شدة الألم وأطلب العلاج، لكن لم تتم الاستجابة".
وبعد أيام من الإهمال، تفاقمت حالته ليُفاجأ ببتر ساقه اليمنى في مستشفى ميداني، قبل أن يُعاد إلى السجن مجدداً.
** احتجاز قاس
وخلال فترة التحقيق، تعرض الصفدي، وفق روايته، لأساليب قاسية شملت التقييد لساعات طويلة والضرب والتهديد.
ويقول: "كنت مقيداً على كرسي حديدي، وإذا لم تعجبهم إجاباتي يبدأ الضرب".
كما أشار إلى تعرض أسرى آخرين لانتهاكات جسدية وممارسات مهينة، مؤكدا أن بعضهم توفي نتيجة الضرب داخل السجون الإسرائيلية.
وبعد الإفراج عنه، واجه الصفدي صدمة جديدة، إذ علم بمقتل نجله خلال الحرب، أثناء محاولته تأمين الطعام.
ويقول: "الخبر كان أقسى من كل ما مررت به، فقدت ابني كما فقدت ساقي".
وخلال حرب الإبادة الإسرائيلية التي استمرت عامين، عانى الفلسطينيون في القطاع من مجاعة جراء إغلاق إسرائيل للمعابر وعدم إدخال المساعدات إلا بشكل محدود.
في 22 أغسطس/ آب 2025، أعلنت المبادرة العالمية للتصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي "حالة المجاعة في مدينة غزة" (شمال)، وتوقعت امتدادها إلى محافظتي دير البلح (وسط) وخان يونس (جنوب) بنهاية سبتمبر/ أيلول.
وسارعت إسرائيل إلى مهاجمة التقرير رغم اعتماده على معطيات وحقائق، زاعمة أنه استند إلى شهادات "هاتفية".
ووفق بيانات صادرة عن مؤسسات الأسرى، فإن عدد المعتقلين في السجون الإسرائيلية ارتفع 83 في المئة منذ بدء حرب الإبادة على قطاع غزة في أكتوبر/ تشرين الأول 2023، ليتجاوز 9600 أسير، مقارنة بنحو 5250 قبل الحرب.
ومن بين المعتقلين 86 أسيرة، ونحو 350 طفلا.
كما بلغ عدد المعتقلين الإداريين، الذين تحتجزهم إسرائيل دون تهمة أو محاكمة، 3532 معتقلا، بينهم نساء وأطفال، في ارتفاع غير مسبوق.
وتشير المعطيات إلى أن معظم المعتقلين الإداريين هم أسرى سابقون، إضافة إلى فئات أخرى تشمل طلبة وصحفيين ومحامين وأكاديميين ونوابا وناشطين.
وبحسب إدارة السجون الإسرائيلية، بلغ عدد المعتقلين المصنفين "مقاتلين غير شرعيين" 1251 معتقلا، وهو رقم لا يشمل المحتجزين في المعسكرات التابعة للجيش.
وتشير معطيات مؤسسات الأسرى إلى أن "أكثر من 100 أسير استشهدوا منذ بدء حرب الإبادة، أُعلنت هويات 89 منهم، فيما لا يزال آخرون، خاصة من معتقلي غزة، رهن الإخفاء القسري".



