الكاتبة : سهير سلامة
يحل علينا يوم الأسير الفلسطيني، في السابع عشر من نيسان من كل عام، حاملا معه ذاكرة ثقيلة من الألم، ومشبعة بمعاني الصمود والإصرار، هو ليس مجرد مناسبة عابرة، بل هو محطة إنسانية ووطنية، تتجدد فيها الحكاية، حكاية آلاف الابناء والبنات، الذين ما زالوا خلف قضبان حديدية لا تعرف الرحمة، ولا تجد سبيلا لقلب ام باتت في الم الانتظار.
يمثل الأسير الفلسطيني صورة حية لمعاناة مستمرة، لكنه في الوقت ذاته، يمثل رمزا للقوة التي لا تنكسر، في زنازين ضيقة، يصنع الأسرى من الوقت حياة أخرى.. يقرؤون، يكتبون، ويتأملون الحرية التي يؤمنون بأنها حق لا يمكن مصادرته إلى الأبد، حين يتحول السجن، رغم قسوته، إلى مساحة لإعادة تشكيل الذات، وإلى مدرسة في الصبر والتحدي.
يأتي هذا اليوم، ليعيد تسليط الضوء على قضايا الأسرى، سواء من حيث أوضاعهم الإنسانية أو القانونية، خاصة في ظل وجود الأطفال، والنساء، و الإداريين. كما يذكر العالم بأن قضية الأسرى ليست شأنا فرديا، بل قضية شعب بأكمله، ترتبط ارتباطا وثيقا بحقوق الإنسان والعدالة.
في البعد الأدبي، أصبح الأسير الفلسطيني رمزا يتجاوز حدود المكان، فحضوره في الشعر والرواية يعكس حالة من التحدي الوجودي، حيث يتحول الألم إلى لغة، والمعاناة إلى نص يقرأ ويخلد... هو صوت لا يقمع، حتى وإن أُحيط بالجدران، وهو شاهد على كل مراحل التاريخ، الذي لا يزال مفتوحا على احتمالات عديدة.
في يوم الأسير، تتلاقى الدعوات للحرية مع نبض القلوب التي تنتظر. هو يوم يعيد التأكيد على أن الكرامة الإنسانية لا يمكن أن تقيد، وأن الحرية، مهما طال انتظارها، تبقى وعدا لا يسقط بالتقادم.
يأتي يوم الأسير الفلسطيني كنافذة مفتوحة على وجع لا يهدأ، وذاكرة لا تقبل النسيان، هو يوم اقرب ما يكون لوعد طال عليه الزمن، فتتلاقى فيه حكايات الأجساد المقيدة بالأصفاد، والأرواح التي ما انكسرت رغم طول الغياب..
في هذا اليوم، لا يكون الأسير مجرد رقم في سجلات السجون، بل يصبح قصيدة حية، وسيرة صمود تروى للأجيال، ففي الزنازين الضيقة، حيث يتساوى الليل والنهار، ينسج الأسير الفلسطيني تفاصيل حياته من خيوط الأمل... يكتب على الجدران أسماء المدن التي اشتاق إليها، ويزرع في قلبه شجرة انتظار لا تذبل.
هناك، خلف القضبان، يتعلم الإنسان كيف يقاوم العدم، وكيف يحول الألم إلى معنى، والعزلة إلى تأمل عميق في الحرية.
يوم الأسير ليس مناسبة عابرة، بل هو مرآة تعكس قسوة الواقع، وعدالة القضية. هو نداء إنساني يتجاوز الحدود، يذكر العالم بأن الحرية ليست شعارا، بل حق أصيل لا يسلب، ولا يؤخذ الا بالقوة.
في هذا اليوم، ترفع صور الأسرى، لا لتذكرنا بغيابهم فحسب، بل لتؤكد حضورهم الدائم في الوجدان، وفي نبض الأرض، التي لم تغادرهم، فيتحول الأسير إلى رمز، يتجاوز ذاته، رمزا للثبات في وجه الانكسار، وللقدرة على خلق الحياة من رحم المعاناة... تتجلى صورته في القصائد كقنديل في العتمة، وفي الروايات كصوت يرفض الصمت.
هو بطل بلا منصة، وشاهد على زمن تتصارع فيه الحقيقة مع النسيان.
إن يوم الأسير الفلسطيني، حكاية، واي حكاية، إنها حكاية شعب بأكمله، تختصرها عيون تنتظر، وقلوب تؤمن بأن الحرية، مهما طال غيابها، ستأتي، اذ ان هناك عائلات تنتظر، وأمهات لا تعرف اجفانهن النوم من من القلق والدعاء، كل واحد منهم لديه حكاية وألم..
ونبقى نحن وهم...في انتظار دائم، وفي كل عام، يتجدد الوعد، أن تبقى القضية حية، وأن يبقى الأسير عنوانا للكرامة التي لا تهزم.. وأمل لا ينكسر رغم كل شيء، فالقضية ليست فقط تضامن… بل مسؤولية..



