آراء

حين يصبح التخريف والخراريف سياسة ..

67 مشاهدة
حين يصبح التخريف والخراريف سياسة ..

الكاتب : يونس العموري 

وانتم ايها الصغار الذين تحاولون ان تقدموا اوراق اعتمادكم من جديد، وقد اخفقتم الاخفاق الاكبر في مسيرتكم التي بدأت منذ البدايات مشوبة بكثير من علامات الاستفهام، ايها الصغار وانتم تحاولون ان تتطاولوا على ايام العز والكرامة، وعلى حكاية شعب لم يتعلم يوما كيف ينحني امام التغول، اعتقد انكم قد اخرجتم ذواتكم من معادلة الكبار مرة واحدة والى الابد، وان كنتم تعتقدون انكم تعملون على صياغة فهم متساوق مع لغة السوق، فنقول لكم ان اسواق النخاسة لا تباع فيها الا البضاعة الفاسدة، وان من اعتاد ان يبيع الموقف في مزادات السياسة لن يجد في نهاية المطاف الا من يشتري منه ما تبقى من صدى الكلام، ايها الصغار وانتم تحاولون ان تعتلوا منصات الكلام بكلام ومواقف اشبه بالخراريف والتخاريف، قد اخرجتم انفسكم من سياق المرحلة، وان كانت كل المراحل مترابطة، وكل لحظة من لحظات التاريخ الفلسطيني شاهدة على ما قبلها وما بعدها، ولتعلموا ان الرازق والمرزوق من عند رب العباد، وان العزة لمن يشاء، وان الذلة لا تصيب الا من حاول ان يتمنطق بمنطق التخاريف، وان يظن ان ذاكرة الناس قصيرة، وان الدم الذي سال على طرقات نابلس وجنين وطولكرم والخليل والقدس يمكن ان يصبح خبرا عابرا في نشرات المساء، يا صغار الكلام والموقف اصمتوا، وبلغتنا التي لا تحتاج الى قاموس سياسي .. اخرسوا، وانتم المتطاولون على حكاية الدم، وعلى تاريخ شعب يناطح التغول بكل ما يملك من ارادة وصبر واصرار، وعلى القدس التي تقتحم، وعلى الضفة التي تحاصر، وعلى القرى التي تستيقظ كل صباح على خبر مستوطن احرق بيتا او اقتلع شجرة او اعتدى على انسان او صادر ارضا، وعلى عائلات فلسطينية اصبحت تنام وهي لا تعرف ان كان الصباح سياتي عليها ببيت قائم ام بقرار هدم جديد، اصمتوا واستمعوا لما سنقول، واستمعوا الى مطالعة الخراريف والتخاريف ان شئتم، فقد صمتم دهرا ونطقتم كفرا، واخترتم ان تنطقوا في زمن الدم، وفي زمن تتسع فيه خارطة الاستيطان بينما تضيق خارطة الوطن، وفي زمن يعاد فيه تشكيل الجغرافيا بالقوة، وترسم حدود جديدة على الارض من خلال البؤر الاستيطانية والطرق الالتفافية والحواجز، بينما يخرج علينا بعض سادة الكلام ليحدثونا عن الحكمة والواقعية وكان الواقعية تعني ان نقبل بكل ما يفرض علينا وان نبحث بعد ذلك عن الكلمات التي تبرر لنا قبولنا، وانتم الغائبون اصلا عن حقيقة الفعل المنطلق من قرار شعب امن بان حقه لا يسقط بالتقادم، وان القدس ليست عنوانا في بيان، وان الضفة الغربية ليست مساحة قابلة للمساومة في بورصة المصالح، وان الارض ليست ورقة من اوراق التفاوض، وان الاستيطان مهما تمدد لا يصنع حقا، وان المستوطن مهما حمل من سلاح لا يصبح صاحب ارض، وان الحواجز مهما ارتفعت لا تستطيع ان تلغي حقيقة ان شعبا كاملا ما زال موجودا هنا، في بيته وارضه وذاكرته، وانتم يا صغار التاريخ، والباحثون دوما عن انتهازية الموقف لحماية نهجكم بالشقاق والانقسام والانقلاب على الحقائق، هل تحاولون ان تجدوا لانفسكم مكانا كبيرا في ظل رحيل الكبار، وان تمتطوا صهوة جواد الاحرار بعد ان ترجل عنه من كان يلزمكم بالصمت واخراجكم من دائرة الكلام والحديث، وهل تعتقدون ان فراغ المشهد يعطيكم الحق في ان تعيدوا كتابة التاريخ على مقاسكم، او ان تضعوا انفسكم في مقدمة رواية لم تكونوا يوما جزءا من صناعتها، ايها الصغار الغادرون الغدارون، والمتطاولون على قرار اشرف الناس، ان حكاياتكم الاخيرة، وكل ما يخرج من تصريحات ومواقف وخراريف وتخاريف، ليست سوى جزء من تلك الروايات التي تطالعنا صباح مساء، بينما يعيش الناس في الضفة الغربية واقعا اخر لا يشبه واقع المؤتمرات ولا بيانات السياسيين، هناك في نابلس وجنين وطولكرم والخليل والقدس للواقع لغة مختلفة، لغة الحواجز والاقتحامات، ولغة الرصاص، ولغة المستوطن الذي يدخل الى ارض الفلسطيني مدججا بالحماية، ولغة الفلاح الذي يذهب الى ارضه فلا يجد شجر الزيتون الذي زرعه ابوه وجده، ولغة الطفل الذي يعرف معنى الخوف قبل ان يعرف معنى السياسة، هي الخراريف والتخاريف، حيث الكلام الاجوف غير المعبر عن الحقيقة، وشطحات القول المنطلقة من عقول ليس لها ارتباط بمعايير نبض الجماهير التي تتوق لمن يعبر عن ارادتها وحقيقتها، وهي وقائع الفعل السياسي الراهن الذي اصبح ينطوي في كثير من الاحيان على مقاييس ليس لها علاقة بالحدود الدنيا لاصول الفعل السياسي، في ظل وقائع قضية تحررية ما زالت قائمة، وفي ظل شعب يريد ان يعيش حرا على ارضه، وان يرى القدس عاصمة له، وان تتوقف يد الاحتلال عن العبث بمصيره، وان تتوقف يد المستوطن عن اقتلاع شجرته وحرق بيته والاعتداء على ابنائه، هي خراريف نستمع اليها مجبرين مقهورين من سادة القوم في هذه المرحلة، ونحاول جاهدين ان نحلل الكلام ولو بشيء من المنطق، فنجد ان المنطق بعيد كل البعد عن امكانية تحويل هذه الخراريف الى نقاط ارتكاز يمكن الاعتماد عليها في مواجهة تحديات المرحلة، كيف يمكن ان نصنع استراتيجية من ردات الفعل، وكيف يمكن ان نواجه مشروعا استيطانيا منظما بخطابات مرتجلة، وكيف يمكن ان نوقف تمدد المستوطنات اذا كان القرار السياسي ينتظر دائما ما سيفعله الاخرون، لا بد من اعادة الحصان امام العربة، لا ان تبقى العربة هي التي تتصدر المشهد العام، لا بد ان يكون لدينا قرار قبل ان تكون لدينا تصريحات، وان تكون لدينا استراتيجية قبل ان تكون لدينا ردات افعال، وان يكون لدينا مشروع وطني واضح قبل ان نبدأ في البحث عن العبارات التي يمكن ان نبرر بها عجزنا، هي الخراريف والتخاريف، حيث الكلام الكثير والفعل القليل، وحيث يصبح المستوطن في الضفة الغربية اكثر قدرة على الحركة من صاحب الارض، وحيث يحاصر الفلسطيني في قريته، ويمنع من الوصول الى ارضه، ويعتدى عليه في الطريق، ثم يخرج علينا من يحدثنا عن ضبط النفس وكان المطلوب من الضحية ان تقدم شهادة حسن سلوك لمن يعتدي عليها، هي خراريف المرحلة، حين يصبح حرق البيوت خبرا، واقتلاع الاشجار رقما، والتهجير احصائية، والاقتحام حدثا يوميا، بينما تتسع المستوطنات وتتمدد البؤر الاستيطانية على مرأى العالم، ويصبح الفلسطيني مطالبا بان ينتظر بيانات الادانة، وان يراقب المؤتمرات، وان يتابع التصريحات، وان يؤمن بان العدالة قادمة، بينما الارض التي يعيش فوقها تنتزع من تحت قدميه شبرا بعد شبر، هي خراريف المتاجرة بالمواقف، حيث تفتح الاسواق في كل الاوقات، وتبدأ مزادات السياسة، وتصبح القضية مادة للتفاوض الاقليمي والدولي، وتصبح القدس عنوانا للخطابات، بينما تترك القدس في مواجهة الاقتحامات ومحاولات فرض الامر الواقع، وتصبح الضفة الغربية ساحة مفتوحة لتوسع الاستيطان وعنف المستوطنين، ويطلب من الناس ان يصدقوا ان كل شيء تحت السيطرة، اي سيطرة هذه التي تتحدثون عنها، واي استقرار، واي امن، والانسان الفلسطيني لا يعرف متى يخرج من بيته ان كان سيعود اليه سالما، واي حديث عن دولة فيما الارض تجزأ، والقرى تحاصر، والطرق تغلق، والمستوطنات تتوسع، والقدس تستنزف يوما بعد يوم، انها خراريف الاحتواء والسيطرة على صناعة القرار من خلال التحكم بصيغة مفهوم القرار ذاته، فالمصلحة كما يقولون تقتضي نوعا معينا من المتاجرة بالمواقف، وللمواقف هنا الكثير من الحكايا الممزوجة بفنون التجارة والمتاجرة الاقليمية والدولية، لتقديم حسن السلوك ونيل العطايا، والعبور الى الاندية الدولية، والمشاركة في اعادة ترتيب المنطقة، والقفز فوق مكونات الارادة الشعبية، وتسويق ما يراد له ان يكون اقليميا ودوليا، حتى لو كان الثمن فلسطينيا، وحتى لو كان الثمن ارضا تصادر، وبيتا يهدم، وشجرة تقتلع، وانسانا يهجر، والثمن كما هو دائما يدفعه الناس، الناس الذين لا يملكون غرفا مغلقة ولا طاولات تفاوض ولا حراسة شخصية ولا مواكب ولا بيانات معدة مسبقا، الناس الذين يواجهون المستوطن في الشارع، والاحتلال عند الحاجز، والجرافة امام البيت، والجدار امام الارض، والاقتحام في منتصف الليل، ثم يعودون في الصباح ليبحثوا عن قوت اطفالهم وكان شيئا لم يكن، هي خراريف البلطجة والزعرنة التي باتت من اهم عناوين المشهد، في ظل غياب تام لمنطق العقلنة والتعقل والرصانة، حتى اصبح صاحب الصوت الاعلى هو صاحب الحق، واصبح صاحب القوة هو من يفرض روايته، واصبح بعض السياسيين يتعاملون مع القضية وكانها حلبة استعراض، بينما فلسطين ليست مسرحا للدراما الساخرة، والقدس ليست منصة لتسجيل النقاط، والضفة الغربية ليست ورقة انتخابية، والدم الفلسطيني ليس مادة للاستهلاك الاعلامي، وهؤلاء الصغار تراهم اليوم يصنعون منظومة الوعي لمعلميهم الجدد، يرفعون اصواتهم حيث يريدون، ويخفضونها حيث يطلب منهم، يهاجمون من يشار اليهم، ويصمتون حين يكون الصمت اكثر فائدة، ويصبحون بوابة العبور الى عقلية هذا المعلم او ذاك المتعلم، وهكذا تتحول السياسة من فعل وطني الى دائرة من النفوذ، ومن مشروع جماهيري الى لعبة مصالح، ومن مسؤولية تاريخية الى بازار مفتوح لكل من يملك القدرة على الصراخ او القدرة على شراء الصمت، ومرة اخرى نحاول دق الناقوس لنقول ان هذه الخراريف باتت السمة والعنوان الابرز لمسلكيات العمل السياسي، في وقت تتعرض فيه الضفة الغربية لاخطر مراحل الاستيطان، وفي وقت تتعرض فيه القدس لضغط متواصل، وفي وقت بات عنف المستوطنين واقعا يوميا لا يمكن تجاهله او تغطيته بعبارات دبلوماسية، ان مواجهة هذا الواقع لا تكون بالخراريف، ولا بالتخاريف، ولا بالخطابات التي تستهلك نفسها في الهواء، تكون بامتلاك استراتيجية وطنية، وباعادة الاعتبار لفكرة الارض، وبحماية الناس، وبمواجهة الاستيطان سياسيا وقانونيا وشعبيا، وباعادة بناء القرار على اساس المصلحة الوطنية، لا على اساس ما يريده هذا المحور او ذاك، ولا على اساس ما يطلبه هذا اللاعب الاقليمي او الدولي، فالمشهد الفلسطيني اليوم لا يحتمل مزيدا من التخريف، لا يحتمل ان نرى بيتا يهدم وننتظر بيانا، ولا ان تقتلع شجرة وننتظر ادانة، ولا ان يهاجم فلسطيني وننتظر تصريحا، ولا ان تتوسع مستوطنة وننتظر مؤتمرا، ولا ان تحاصر القدس وننتظر من يشرح لنا اهمية القدس، فالقدس تعرف اهميتها، والارض تعرف اصحابها، والشعب يعرف طريقه، والتاريخ لا يحتاج الى من يشرح له من كان هنا ومن جاء لاحقا، هي خراريف المرحلة التي ان لها ان تتوقف، ووقوفها منوط بنبذ جهابذة التخريف، وباعادة الاعتبار للعقل السياسي، وللارادة الشعبية، ولحقيقة ان فلسطين ليست سلعة في سوق السياسة، وان القدس ليست مزادا، وان الضفة الغربية ليست مساحة سائبة، وان الاستيطان ليس قدرا، وان عنف المستوطنين ليس تفصيلا امنيا، وان شعبا عاش كل هذه السنوات لا يمكن اختزاله في بيان ولا احتواؤه بخطاب ولا اسكات ذاكرته بصفقة، فيا صغار الكلام والموقف، اتركوا للناس ان تتنفس، واتركوا للتاريخ ان يقول كلمته، واتركوا لفلسطين ان تكون فلسطين، اما الخراريف والتخاريف فقد سئمها الناس، واما الحقيقة فهي ما زالت تمشي على هذه الارض، رغم كل ما فعلتم، ورغم كل ما قيل، ورغم كل ما حاولتم ان تخفوه خلف دخان الكلام، والحقيقة ان الارض لا تنسى اصحابها، والقدس لا تنسى اهلها، والضفة لا تنسى قراها، والشعب الذي ما زال واقفا رغم كل هذا الدم وهذا القهر وهذا التغول لم يقل كلمته الاخيرة بعد، ولذلك قبل ان تكثروا من الخراريف اسمعوا نبض الناس، وقبل ان تتحدثوا باسم فلسطين اسالوا فلسطين ماذا تريد، وقبل ان تقدموا انفسكم سادة للمشهد تذكروا ان المشهد اكبر منكم جميعا، فمن لا يملك استراتيجية لمواجهة واقع الاحتلال والاستيطان وعنف المستوطنين لا يملك حق توزيع شهادات الوطنية على الناس، ومن لا يرى القدس وهي تستنزف، والضفة وهي تحاصر، والارض وهي تنتزع، لا يحق له ان يحدثنا عن الواقع، ومن يعتقد ان الخراريف يمكن ان تصبح سياسة، والتخاريف يمكن ان تصبح استراتيجية، فليعلم ان الشعوب قد تصمت كثيرا، لكنها حين تتكلم لا تحتاج الى جهابذة التخريف كي تشرح لها الطريق، لقد قالت فلسطين كلمتها منذ زمن، وما علينا الا ان نتوقف عن التخريف، وان نبدأ بالفعل.