ثقافة

عبد الله كوناتي: حين تصبح فلسطين جزءًا من ذاكرة الفن الأفريقي

17 مشاهدة
عبد الله كوناتي: حين تصبح فلسطين جزءًا من ذاكرة الفن الأفريقي
 
الكاتب: حسان البلعاوي
يشهد المتحف الوطني لمالي في باماكو، خلال سبتمبر 2026، معرضًا كبيرًا لأحد أبرز وجوه الفن التشكيلي المالي والأفريقي المعاصر، الفنان عبد الله كوناتي، بعنوان «L’Âme des Signe» أي " روح العلامات."
وقد حظي المعرض بمحطتين رسميتين بارزتين. كانت الأولى في الأول من سبتمبر، عندما افتتحه وزير الصناعة التقليدية والثقافة والصناعة الفندقية والسياحة المالي مامو دافي، بحضور عدد من أعضاء الحكومة والسلك الدبلوماسي وشخصيات من عالم الثقافة والفنون. أما الثانية فكانت في العاشر من سبتمبر، مع زيارة وزير الخارجية والتعاون الدولي المالي عبد الله ديوب للمعرض، برفقة عدد من السفراء المعتمدين لدى مالي، وكنت من بينهم. وقد أتاحت هذه الزيارة الاستماع مباشرة إلى كوناتي وهو يتحدث عن مسيرته وأعماله ومصادر إلهامه، وعن فلسطين التي تحتل مكانًا خاصًا وقديمًا في تجربته الفنية.
يضم المعرض 37 عملًا من مراحل مختلفة من مسيرة كوناتي، ويقدم خلاصة لمسارين رئيسيين رافقاه على امتداد تجربته: أولهما البحث الجمالي في اللون والعلامة والشكل، وثانيهما الانشغال بقضايا الإنسان، والمجتمع والحرب والعنف. ومن هنا تحضر في أعماله فلسطين، إلى جانب التطرف والحروب والإبادة والموت والذاكرة، ولكن أيضًا الطبيعة والتراث والتواصل بين الثقافات.
أحد كبار وجوه الفن المالي والأفريقي
وُلد عبد الله كوناتي عام 1953 في ديري، بمنطقة تمبكتو شمال مالي. وظهرت موهبته في الرسم منذ سنوات الدراسة الأولى، قبل أن يلتحق بالمعهد الوطني للفنون في باماكو، ثم ينتقل في سبعينيات القرن الماضي إلى كوبا، حيث أمضى سبع سنوات، بينها أربع سنوات من الدراسة في المعهد العالي للفنون في هافانا.
وكانت تلك التجربة مرحلة أساسية في تكوينه؛ إذ أتاحت له الجمع بين التكوين الأكاديمي الصارم والانفتاح على مدارس فنية وثقافات مختلفة، قبل أن يعود إلى بلاده ويصبح تدريجيًا واحدًا من أبرز الفاعلين في الحياة الفنية والثقافية المالية.
ولم تقتصر مسيرته على العمل داخل محترفه. فقد تولى مسؤولية في المتحف الوطني لمالي، ثم أصبح مديرًا عامًا لقصر الثقافة، وتولى إدارة اللقاءات الأفريقية للتصوير الفوتوغرافي في باماكو، وعمل مستشارًا لوزير الثقافة، وكان من الأعضاء المؤسسين للصندوق الأفريقي للثقافة.
وفي عام 2002، أسس في باماكو، تحت إشراف الدولة، " المعهد العالي الفنون والمهن والوسائط المتعددة بالا فاسيكي كوياتي" والاسم الملتصق باسم المعهد يعود الى شخصية تاريخية مركزية في القرن الثالث عشر ، مرتبطة في تأسيس مالي، وقد أصبح المعهد مؤسسة مرجعية للتكوين في مجالات الفنون والثقافة. وهنا تظهر أهمية عبد الله كوناتي بالنسبة لمالي في بُعد يتجاوز أعماله الشخصية: فهو فنان ومربٍّ ومدير مؤسسات ثقافية في الوقت نفسه، وأسهم في نقل تجربته إلى أجيال جديدة من الفنانين.
وتجاوزت شهرته حدود مالي منذ وقت طويل. فقد شارك في عدد من أهم التظاهرات الفنية العالمية، بينها دوكومنتا في ألمانيا وبينالي البندقية، ودخلت أعماله مجموعات مؤسسات فنية كبرى، بينها مركز بومبيدو في باريس ومتحف تيت في لندن ومتحف المتروبوليتان للفنون في نيويورك.
كما حصل عام 1996 على الجائزة الكبرى ليوبولد سيدار سنغور في بينالي داكار للفن الأفريقي المعاصر، وحصل على تكريمات مالية ودولية عدة. ولذلك فإن وصفه بأنه أحد أهم الفنانين التشكيليين الماليين المعاصرين، وأحد الأسماء البارزة في الفن الأفريقي على المستوى العالمي لا ينطلق فقط من شهرته، بل من حضوره الممتد في المتاحف والمعارض والمؤسسات الثقافية ومن تأثيره في أجيال من الفنانين الأفارقة ، وهو بذلك أحد أبرز الوجوه التي حملت صورة مالي الفنية إلى العالم، وجعلت من موادها وألوانها وذاكرتها الثقافية لغة قادرة على الدخول إلى كبرى المتاحف والمحافل الدولية.
من الرسم إلى القماش: لغة فنية خاصة
بدأ كوناتي تجربته بالرسم الزيتي والأكريليك والحفر والطباعة الحجرية والطباعة بالشاشة الحريرية، قبل أن يتحول النسيج تدريجيًا إلى مادته الفنية الأساسية.
وهذا التحول لم يكن تخليًا عن الرسم، بقدر ما كان نقلًا لمفاهيمه إلى القماش. فهو يتعامل مع النسيج كما يتعامل الرسام مع اللون: يقطعه ويجمعه ويركبه ويضع طبقات فوق أخرى، باحثًا عن الشفافية والعمق والضوء والتدرجات اللونية. وبعض أعماله الكبيرة يحتاج إلى أسابيع أو أشهر من العمل، ويُنجزها بمساعدة فريق، مع اهتمام شديد بالتقنية ودقة التنفيذ ومتانة المواد.
وبذلك استطاع تطوير لغة بصرية خاصة يمكن التعرف إليها، تجمع بين تقاليد النسيج في مالي وغرب أفريقيا وبين التكوين الأكاديمي والفن المعاصر. وهذا تحديدًا أحد أسباب أهميته: فهو لم يقدم التراث الأفريقي بوصفه مادة فولكلورية جامدة، وإنما جعله مادة حية قابلة لإنتاج فن معاصر يتحدث إلى العالم.
فلسطين... من عرفات والكوفية إلى العمل الفني
مما استوقفني خلال حديث كوناتي في المتحف كان علاقته بفلسطين. فهي ليست موضوعًا دخل أعماله مع حرب الإبادة الحالية على غزة، وإنما قضية رافقته منذ عقود وتشكل جزءًا من ذاكرته الشخصية والفنية.
قال لي إنه عرف فلسطين منذ طفولته من خلال ما كان يسمعه عن القضية الفلسطينية ، ولكن بصورة خاصة من خلال ياسر عرفات. ومن هنا يمكن فهم واحد من أشهر أعماله حول فلسطين، وهو عمل يتكون في أصله من أربعة ألواح، لم يعرض منها في المعرض الحالي، بسبب المساحة، سوى اللوحين الأوسطين.
في هذا العمل وضع العلم الإسرائيلي في جانب، لكنه لم يضع في الجانب المقابل العلم الفلسطيني، وإنما اختار كوفية ياسر عرفات، ومنح الرمزين المساحة نفسها.
وعندما سألته لماذا اختار الكوفية وليس العلم الفلسطيني، كانت إجابته شديدة الدلالة على صورة فلسطين في الذاكرة الأفريقية لجيله. قال إنهم عرفوا القضية الفلسطينية من خلال عرفات، وإن كوفية عرفات كانت بالنسبة إليه تمثل فلسطين وكل مفهوم النضال الفلسطيني. أما العلم الفلسطيني، فيقول، فقد تعرفوا إليه بصورة أوضح في مرحلة لاحقة.
فالكوفية هنا ليست قطعة لباس ولا عنصرًا زخرفيًا، وإنما ذاكرة. لقد تحولت مع عرفات، ثم مع انتشارها في حركات التضامن في العالم، إلى علامة ثقافية وسياسية وإنسانية يمكن أن تشير إلى فلسطين حتى من دون كتابة اسمها.
الـ«غري غري» ... حماية أفريقية لفلسطين
ويضيف كوناتي ان هذا العمل مستلهم من التراث المالي وغرب أفريقيا عنصر «الغري غري» (Gris-gris)، وهي تمائم أو أحجبة تقليدية ترتبط في المخيل الشعبي بالحماية من الشر وجلب الحظ والبركة.
ومن هنا تكتسب اللوحة بعدًا يتجاوز المواجهة المباشرة بين الرموز السياسية. فالفنان يأخذ رمزًا من ثقافته الأفريقية ويضعه داخل عمل يتناول فلسطين، وكأنه يستدعي معنى الحماية والأمن والتمني بانتهاء العنف.
عندما رفض تغيير الكوفية
وتكشف حادثة رواها كوناتي عن مدى تمسكه بالمعنى الذي أراده للعمل. فعندما عُرض العمل في فرنسا، أثار وجود الكوفية إلى جانب العلم الإسرائيلي تحفظًا، ووصل إليه طلب باستبدال الكوفية بالعلم الفلسطيني.
رفض الفنان ذلك، لأن المسألة بالنسبة إليه لم تكن وضع «علم أمام علم». فالكوفية هي التي تمثل ذاكرته الشخصية عن فلسطين، وهي الرمز الذي عرف من خلاله نضال الفلسطينيين وعرفات. واستبدالها بالعلم كان سيعني بالنسبة إليه تغيير فلسفة العمل، وليس مجرد تعديل أحد عناصره.
وهنا تكمن خصوصية حضور فلسطين في أعمال كوناتي: فهو لا ينظر إليها من خارج تجربته الأفريقية، وإنما يعيد قراءتها من داخل هذه التجربة. فنان ولد بالقرب من تمبكتو يستخدم القماش المالي واللون والـ«غري غري» والكوفية ليقدم رؤيته لقضية تبعد عنه آلاف الكيلومترات، لكنها استقرت في ذاكرته منذ طفولته.
من غزة وحلب إلى رواندا والبوسنة وأنغولا
لكن فلسطين ليست جزيرة منفصلة في عالم عبدالله كوناتي. فهي تدخل ضمن اهتمام أوسع لديه بالحروب والعنف وما يمكن أن يفعله الإنسان بالإنسان.
وقد تناول في أعماله رواندا والبوسنة وأنغولا، كما أنجز عملًا حول حلب ودمارها. وأوضح لي أنه قبل إنجاز عمله عن حلب اطلع على نحو 2500 وثيقة وصورة ومرجع، لأنه لم يكن يريد فقط تصوير الدمار، بل فهم المدينة التي كانت موجودة قبل الحرب: أحياؤها وثقافاتها وأسواقها وحرفها والطريقة التي كانت تعيش بها جماعاتها المختلفة معًا.
ومن هنا تلتقي حلب مع غزة في رؤيته: مدن لها تاريخ وذاكرة وثقافة وحياة يومية تتحول فجأة في وعي العالم إلى صور للركام والموت. ويستحضر في هذا السياق أيضًا " غرنيكا" لبيكاسو، التي حولت مأساة مدينة إسبانية إلى رمز عالمي لضحايا الحرب.
كما تحتل الإبادة الجماعية في رواندا مكانًا مهمًا في تفكيره، إلى جانب البوسنة وأنغولا. فالأماكن والأسباب السياسية والتاريخية مختلفة، لكن السؤال الإنساني واحد: كيف يستطيع الإنسان أن يصل إلى مرحلة لا يعود فيها يرى الإنسان الموجود أمامه باعتباره شبيهًا به؟
ومن القناص الذي أصبح أحد رموز بعض حروب التسعينيات إلى الطائرات المسيّرة في حروب اليوم، يرى كوناتي أن أدوات الحرب تتغير، وأن المسافة بين القاتل والضحية تزداد، لكن الإنسان يبقى هو الذي يدفع الثمن.
تمبكتو وأفريقيا والعالم العربي في أعماله
وفي مقابل هذا الانشغال بالحروب والمجتمع، ثمة عالم آخر شديد الحضور في تجربة كوناتي: اللون والعلامة والذاكرة الثقافية.
يعود إلى مخطوطات تمبكتو، وإلى زخارف مالي والنيجر وساحل العاج، وإلى المنسوجات والأشكال الهندسية القديمة، ويدرس كيف استطاع الإنسان، انطلاقًا من خط أو دائرة أو مثلث، بناء أنظمة كاملة من الزخارف والرموز.
ويلفت كوناتي إلى وجود زخارف متشابهة بين شمال مالي والنيجر وتونس والمغرب العربي، وهو ما يقرأه في إطار تاريخ طويل من الاتصال الثقافي والتجاري عبر الصحراء. فالصحراء في هذه الرؤية لم تكن حاجزًا يفصل أفريقيا جنوب الصحراء عن شمالها، وإنما فضاءً للحركة، والتجارة وتبادل الرموز والأفكار.
ويحضر النيلي أيضًا في ذاكرته العائلية، إذ تحدث عن استعماله داخل أسرته عندما كان طفلًا، كما تحضر زخارف تونس والسجاد المغاربي ومخطوطات تمبكتو في عدد من أبحاثه وأعماله.
من الأزلاي إلى السماء
وتأتي مصادر إلهامه كذلك من طفولته في منطقة تمبكتو ومن الأزلاي، أي قوافل الملح القديمة. فما زالت في ذاكرته صور الطوارق وهم يصلون بقوالب الملح إلى القرى القريبة من النهر، والتجار الذين ينتظرونهم، والسهرات والموسيقى واللقاءات التي كانت ترافق وصول القوافل.
ويستمد عناصره أيضًا من الطبيعة والحشرات والطيور والمعادن والصحراء والسماء وشروق الشمس وغروبها، ومن الأدب والأمثال والموروث الشفهي الأفريقي. وحتى ريش طائر صغير أو لون في السماء يمكن أن يصبح لديه نقطة انطلاق لدراسة طويلة في الشكل واللون.
وعندما يسافر، يحمل معه دفاتر يسجل فيها ما يراه، ويرسم ويكتب ملاحظاته ويدرس نسب الألوان وعلاقاتها بعضها ببعض. فالعمل الفني لديه لا يبدأ بالضرورة أمام القماش، بل قد يبدأ من صورة، أو ملاحظة أو وثيقة أو رحلة، ثم يخضع لبحث طويل قبل أن يتحول إلى عمل.
فنان مالي ينطلق من أفريقيا نحو الإنسان
لهذا فإن معرض «L’Âme des Signes» – «روح العلامات» لا يقدم فقط أعمال فنان مالي كبير، بل يقدم مسارًا فكريًا وفنيًا يمتد لعقود. ففيه يلتقي التكوين الأكاديمي بالتراث الأفريقي، والنسيج بالرسم، وتمبكتو بالعالم، والذاكرة الشخصية بالقضايا الكبرى للإنسان.
وهذا ربما ما يفسر المكانة الخاصة التي يحتلها عبد الله كوناتي في مالي وأفريقيا. فهو لم يكتف بأن يصبح فنانًا معروفًا دوليًا، وإنما ساهم في بناء مؤسسات بلاده الثقافية، وفي تكوين فنانين جدد، وفي نقل النسيج واللون والعلامة المالية والأفريقية إلى فضاءات الفن العالمي.
ومن فلسطين والكوفية وياسر عرفات إلى حلب، ومن رواندا والبوسنة وأنغولا إلى تمبكتو وقوافل الملح ومخطوطاتها، تتسع جغرافيا أعماله، لكن الخيط الذي يربطها يبقى واحدًا: الإنسان وذاكرته وقدرته على صنع الجمال، وفي الوقت نفسه قدرته المأساوية على صنع العنف والدمار.
*سفير فلسطين لدى مالي