ثقافة

في الذكرى الثامنة عشرة لرحيل محمود درويش...حين عاد الشاعر من الغياب

78 مشاهدة
في الذكرى الثامنة عشرة لرحيل محمود درويش...حين عاد الشاعر من الغياب
 
الشاعر: يوسف حنا
.
ثمانيةَ عشرَ عامًا
وما زال غيابُك
أَضيقَ من فلسطين.
كلّما اتّسعتِ الخريطةُ
انكمشتَ في قصيدة،
وكلّما ضاقتِ القصيدة
اتّسعتَ فينا.
يا محمود،
من أَين أَبدأُ الآن؟
من أُمٍّ
تضع يدها على قلبها
كي لا يسقط اسمُ ابنها
من العالم؟
أَم من غزةَ
التي لم تعد تحتاج
إِلى طريقٍ معبّد،
فكلُّ الطرق
تؤدي إِلى الركام؟
كنتَ قد رأَيتَ الموت
من النافذة الداخلية للقلب،
ثم عدتَ منه
وفي يديك
حفنةٌ من طفولة.
أَما الآن،
فالموت لا يأتي من نافذة.
الموتُ هنا
له سماءٌ كاملة،
وله طائرات،
وله بحر،
وله أَرضٌ
تتعلم كلَّ صباح
كيف تحمل المزيد من الغائبين.
ومع ذلك—
ما زال طفلٌ
يبحث بين الحجارة
عن قلم.
كأَنّ فلسطين
لم تتعلّم اليأس
بالقدر الكافي.
يا محمود،
قلتَ إِنهم
يستطيعون احتلال الأَرض
ولا يستطيعون احتلال الكلمات.
لكن انظر:
ها هم يملكون السماء،
والبحر،
والنار،
وكلَّ ما يكفي
لقتلِ الجسد.
فماذا يفعلون
بهذا الحرف
الذي كلّما أَطلقوا عليه النار
أَنبتَ قصيدة؟
ماذا يفعلون
باسمٍ فلسطينيٍّ
إِذا نَطَقتْهُ أُمّ
فصار وطنًا؟
ماذا يفعلون
ببيتٍ تهدّم
وظلّ عنوانه
قائمًا في الذاكرة؟
لهذا
لم تكن شاعرًا للقضية
كما يقولون.
كنتَ
قضيةً تمشي على قدمين
وتبحث عن شاعر.
وكانت فلسطين
كلّما حاولت أَن تقول: أَنا
وجدتْ صوتَك.
لم تكن تمثّل أَحدًا.
كنتَ تقول:
أَنا.
وكانت الجماعة
تدخل من هذه الـ«أَنا»
دون استئذان.
أُمّك
لم تبقَ أُمّك وحدها.
صارت أُمًّا
لكلّ من فقدوا الطريق
إِلى حضنٍ قديم.
وحبيبتك
لم تبقَ امرأَة.
صار وجهُها
نافذةً تطلّ منها البلاد.
حتى قلبُك
حين توقف،
لم يتوقف وحده.
توقفت فلسطين لحظتين
لتتأكد
أَن قلبها ما زال هناك.
ثم عاد النبض.
وعادت معه
كلُّ القصائد التي لم تُكتب.
يا محمود،
ماذا كنت ستفعل
لو رأَيتَ غزةَ اليوم؟
ربما كنتَ ستصمت.
وهذا أَكثر ما أَخشاه.
أَن يعجز الشعر
لأَوّل مرّة
عن العثور على كلمة.
لكنّني أَعرفك:
كنت ستنحني
لالتقاط حجرٍ صغير
من بين الأَنقاض،
وتسأَل الحجر:
من كان هنا؟
وسيجيبك
بصمتٍ طويل.
فتكتب:
هنا
كان بيت.
وهنا
كانت أُم.
وهنا
كان طفل
يحفظ قصيدة
عن قمحٍ لم يأتِ بعد.
وهنا
كانت فلسطين
تجرّب مرة أُخرى
أَن تكون حياة.
يا محمود،
لم تنتصر القوة.
ولم يصل العدل
من منفاه القديم.
لكن شيئًا آخر
لم ينتصروا عليه:
ذاكرةُ الذين
كلّما هُدمت بيوتهم
بنوا منها
جملة.
وكلّما سُرقت أسماؤهم
كتبوها
على جدار القلب.
وكلّما قال العالم:
انتهى الأَمر،
رفعت فلسطين
رأسها من تحت الرماد
وقالت:
لم يبدأ بعد.
لهذا
لا أَرثيك اليوم.
الرثاء
يليق بمن غاب.
وأَنت—
كلّما مرّت فلسطين
من تحت أَنقاضها
وجدتك واقفًا
في الجهة الأُخرى من اللغة.
ثمانيةَ عشرَ عامًا
وأَنت لا تبتعد.
كأَن الموت
كان محطةً عابرة،
وكأَن القصيدة
كانت طريق العودة.
فابقَ إِذن
حيث أَنت:
في المسافة
بين حجرٍ واسم،
بين أُمٍّ وابن،
بين بيتٍ وذاكرة،
بين وطنٍ
لم يكتمل
وقصيدةٍ
لم تنتهِ.
ابقَ هناك، يا محمود.
ففلسطين
ما زالت تحتاج
إِلى شاعرٍ
كي تفتح نافذةً في الركام.
وما زال الشعر
يحتاج فلسطين
كي يعرف
لماذا لا يموت.
.