آراء

عندما نحكي للآلة ما نعجز عن قوله للإنسان ..

8 مشاهدة
عندما نحكي للآلة ما نعجز عن قوله للإنسان ..

الكاتبة : الدكتورة سناء محمد حسين شحادة

هل أصبح الذكاء الاصطناعي صديقًا نلجأ إليه عندما لا نجد من يسمعنا؟

في وقت متأخر من الليل، وبعد يوم طويل، قد يجلس شخص وحيدًا أمام شاشة هاتفه.
لا يريد نصيحة من أحد، ولا يريد أن يسمع عبارة: «لا تفكر كثيرًا».

فقط يريد أن يتحدث.

يفتح تطبيقًا للذكاء الاصطناعي ويكتب:

«أنا تعبت… ومش عارف أحكي لحدا.»

فتأتيه إجابة هادئة، بلا مقاطعة، وبلا نظرات حكم، وبلا سؤال محرج:

«أنا أسمعك… احكي لي ما الذي أتعبك.»

هنا يبدأ السؤال الذي ربما يجب أن نتوقف عنده قليلًا:

هل نحن أمام تقنية ذكية تساعد الإنسان على التعبير عن نفسه، أم أمام عالم بدأ فيه الإنسان يبحث عن الاحتواء العاطفي لدى الآلة؟

الموضوع لم يعد خيالًا علميًا.

فالدراسات الحديثة بدأت فعلًا تبحث في علاقة الناس بروبوتات المحادثة بوصفها مصدرًا للدعم الاجتماعي والعاطفي. وتشير نتائج حديثة إلى أن بعض أشكال التفاعل مع الذكاء الاصطناعي يمكن أن تمنح المستخدم شعورًا بالاستماع والتفهّم، بل وأظهرت بعض الدراسات انخفاضًا في الوحدة والضيق النفسي لدى فئات من المستخدمين.
لكن القصة ليست بهذه البساطة.
فالإنسان لا يحتاج فقط إلى إجابة؛ يحتاج إلى علاقة.

نحتاج إلى شخص يشعر بتغير نبرة صوتنا، يلاحظ أننا صامتون أكثر من المعتاد، يمد يده عندما نعجز عن طلب المساعدة، ويعرف أن جملة «أنا بخير» قد تعني أحيانًا العكس تمامًا.

الآلة تستطيع أن تحاكي التعاطف بدرجة مذهلة، لكنها لا تعيش معنا التجربة الإنسانية نفسها.

وهنا تظهر المفارقة:

قد يساعدنا الذكاء الاصطناعي على الكلام… لكنه لا ينبغي أن يجعلنا نتوقف عن الكلام مع بعضنا.

والأكثر إثارة أن بعض الأبحاث وجدت أن الشباب الذين يلجؤون إلى روبوتات المحادثة بحثًا عن الرفقة أو الدعم العاطفي قد يكونون أصلًا أكثر شعورًا بالوحدة. 
وهذا يجعل السؤال أكبر من:
«هل الذكاء الاصطناعي جيد أم سيئ؟»

السؤال الحقيقي هو:
لماذا أصبح من السهل علينا أن نحكي للآلة ما نعجز أحيانًا عن قوله لأقرب الناس إلينا؟ربما لأن الآلة لا تحكم علينا.
لا تقول لنا: «أنت تبالغ».
لا تقاطعنا.
لا تخبر الآخرين بما قلناه.
ولا تجعلنا نشعر أننا عبء.
وهذا يكشف مشكلة إنسانية قبل أن تكون مشكلة تقنية:
نحن لا نبحث دائمًا عن الحل… أحيانًا نبحث فقط عن مكان آمن نضع فيه ما بداخلنا.

وهنا يمكن أن يكون الذكاء الاصطناعي أداة مساندة مهمة، خصوصًا للأشخاص الذين يجدون صعوبة في طلب المساعدة أو يعيشون في أماكن تقل فيها خدمات الدعم النفسي. وقد وجدت تجارب حديثة نتائج واعدة لاستخدام روبوتات المحادثة في تقديم دعم نفسي منخفض الشدة وتقليل بعض أشكال الوحدة والضغط النفسي.
لكن علينا أن نتذكر شيئًا أساسيًا:
الذكاء الاصطناعي يمكن أن يكون بابًا للمساعدة، لكنه لا ينبغي أن يصبح بديلًا عن الإنسان.

إذا جعلك الذكاء الاصطناعي تكتب ما تشعر به لأول مرة، فهذا شيء جيد.

إذا ساعدك على فهم مشاعرك، فهذا مفيد.
إذا شجعك على طلب مساعدة متخصصة، فهذا أفضل.
لكن إذا أصبحت الشاشة هي الشخص الوحيد الذي تحدثه، هنا يجب أن نتوقف ونسأل أنفسنا:
ماذا حدث لعلاقاتنا حتى أصبح من الأسهل أن نحكي للآلة؟
ربما لا تكون المشكلة أن الآلة أصبحت قريبة منا.
ربما المشكلة أننا، كبشر، أصبحنا بعيدين عن بعضنا أكثر مما ينبغي.

وفي النهاية، قد لا يكون السؤال:
«هل يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يفهمنا؟» بل:
«هل ما زال في حياتنا إنسان نثق به بما يكفي لنقول له: أنا لست بخير؟

*باحثة في سلك الدكتوراه

*أخصائية ومرشدة نفسية وتربوية

حالة الطقس

حالة الطقس في المحافظات الفلسطينية