آراء

الفلسطينيون حائرون بين أولويات خلاصهم الفردي والجمعي

26 مشاهدة
الفلسطينيون حائرون بين أولويات خلاصهم الفردي والجمعي

الكاتب : منتصر حمدان
 توالي الأزمات التي تمر بها الحالة الفلسطينية والواقع الصعب الذي يعيشه اغلب المواطنين، يؤشر الى ان الانقسام وتداعياته لم يعد محصورا في الجانب السياسي بل امتد الى سلسلة من الانقسامات الجغرافية والاجتماعية والاقتصادية والحزبية، مع تعاظم الخلاص الفردي على حساب الخلاص الجمعي الذي ينشده الفلسطينيون.
 لم يعد الانقسام السياسي الكبير الذي وقع بعد سيطرة حركة حماس بقوة السلاح على قطاع غزة، اليوم يشغل بال عامة الناس، رغم إدراكهم بانه كان بمثابة الشرارة لبدء سلسلة من الانقسامات وتبدل الأولويات والاحتياجات، ما يزيد من حجم التحديات امام الفلسطينيين بشكل عام ويضعهم امام مخاطر حقيقية تهدد كيانهم السياسي برمته وتبدد جهودهم السياسية في بناء كيانهم وتحقيق أهدافهم الوطنية. 
والحقيقة الماثلة بان أولويات الفلسطينيين لم تعد واحدة، بل إن الظروف المختلفة التي يعايشها المواطنون في غزة والضفة الغربية والقدس، أفرزت احتياجات ومخاوف متباينة، ما يعكس اتساع الفجوة بين المناطق الجغرافية، وفتح المجال امام إسرائيل للبدء بتنفيذ مخطط إعادة هندسة الجغرافيا الفلسطينية، كما ان اثار هذا الانقسام لم تقتصر على الجانب السياسي فقط، وإنما امتدت أيضاً الى القضايا المعيشية اليومية التي تشغل حياة المواطنين كل حسب منطقة سكانه.
ولايحتاج المتابع للكثير من الجهد لإدراك ارتدادات الانقسام السياسي على كل تفاصيل حياة الفلسطينيين، وامتداده ليشمل احتياجات الناس اليومية وأولوياتهم، فاليوم تجد المواطنين في الضفة الغربية غارقين في رزمة من الأولويات المختلفة، مثل نقص المياه في الصيف وما ينتج عنه من أزمات، و نقص الوقود وما ينتجه من ضغوط يومية، وأزمة رواتب الموظفين وتداعياتها على الواقع المعيشي للسكان، وهجمات المستوطنين وتهديدات القتل اليومية وغياب الشعور بالأمن الفردي والجماعي، وازمة البطالة والبحث عن  فرص عمل وما تنتجه من احباط للجيل الشاب وخاصة خريجي الجامعات الذين يصل عددهم الى( ٤٥) الف خريج جامعي سنوي،  اضافة الى مخاطر السفر والتنقل بين المدن، وزيادة مخاطر التهجير الداخلي خاصة في منطقة الاغوار حيث تؤكد المؤشرات الفلسطينية تهجير (6000) مواطن من تلك المنطقة التي تشتهر بالزراعة وتربية المواشي، دون اغفال تأثير القضايا الاقتصادية والمعيشية، وتحسين الأوضاع، ومكافحة الفساد، التي باتت تمثل رزمة متكاملة من  أولويات الناس في الضفة الغربية،  في حين ان أولويات الفلسطينيين في القدس المحتلة تجدها مختلفة سيما انهم  يتعرضون يوميا لصنوف متعددة من الضغوط والإجراءات مثل انتشار الحواجز العسكرية وتركيز اهتمامهم على أولويات حماية وجودهم والتصدي لمخاطر تهجيرهم ، ومواجهة سياسات هدم المنازل، والضرائب والمخالفات المالية، والحفاظ على هويتهم الفلسطينية، وحماية منازلهم و مواجهة سياسة اجبارهم على هدم منازلهم بأيديهم، والتضييق على حركتهم وتنقلهم، وهجمات واعتداءات المستوطنين على التجار وانتهاك حرمة المسجد الأقصى، وتعرضهم للاعتقال والتوقيف.. الخ.
  والمقارنة لا تبدو عادلة إذا ما تم الانتقال الى قطاع غزة، حيث تختلف أولويات الناس هناك وسط معاناة والم وظروف غير مسبوقة، تبدأ بغياب الأمن واولويات تلبية الاحتياجات الأساسية للإنسان، مثل الأمن الفردي والجماعي، وتوفير الغذاء والدواء، وإيجاد المأوى والسكن، في ظل الظروف الإنسانية الصعبة، إضافة الى تداعيات ما فرضته عليهم الحروب من أزمات اجتماعية ونفسيه واقتصادية.
هذا الواقع الصعب والاستثنائي الذي يجعل لكل منطقة فلسطينية اليوم همومها الخاصة وأولوياتها، لا يمكن مواجهته ومساعدة المواطنين على مواجهة التحديات الراهنة، دون الاستعداد لتقديم تضحيات، وإعادة النظر في بعض أنماط التفكير والخطاب، وبناء مقاربة جديدة تقوم على توحيد الأولويات والعمل على الحلول، بدلاً من الاكتفاء بمحاولة إدارة الأزمات أو تشخيصها، فالناس بحاجة لحلول قابلة للتطبيق تجعلهم يشعرون بنتائجها، لان عكس ذلك يؤدي بشكل قاطع الى تراجع اهتمام الناس بالهم الوطني العام والبحث عن الهم الفردي والشخصي.
ان المدخل الحقيقي لإحداث تغيير جوهري في هذا الواقع يستدعي أولاً فتح حوار وطني داخلي يمثل خطوة أساسية نحو استعادة الوحدة الوطنية وتعزيز القدرة على مواجهة التحديات، ويؤسس الى آلية وطنية متفق عليها لصياغة رؤية وطنية مشتركة، توحد الخطاب الفلسطيني أمام المجتمع الدولي، وتعزز العمل الحثيث والمسؤول لبلورة أجندة وطنية موحدة متفق عليها، بما يقود الة توحيد الأولويات المشتركة خلف قيادة منتخبة  قادرة على التعامل مع التحديات والمخاطر التي تواجه المشروع الوطني الفلسطيني برمته، لان غياب الرؤية الوطنية الموحدة سيُبقي الفلسطينيين في حالة من التشتت والانقسام. 
من الواضح ان اكثر ما يحتاجه الفلسطينيون اليوم لمواجهة مخاطر الشطب والازاحة تتمثل في التجند الشرعي والواعي خلف قيادة فلسطينية واحدة تحظى بثقة ومصداقية واسعة لدى الجمهور، والاتفاق على آلية وطنية لإنهاء الانقسامات الأفقية الناشئة على المستوى الجغرافي، واجراء مراجعة داخلية جادة، وإعادة ترتيب الأولويات، والانتقال من تشخيص المشكلات إلى البحث عن حلول عملية تعزز صمود الفلسطينيين ووحدة مشروعهم الوطني، والاتفاق على خطة وطنية للإصلاح وتقليص الفجوة بين الأولويات الوطنية والمجتمعية والاقتصادية، بعيداً عن مواصلة الاكتفاء بوصف الأزمات وإلقاء المسؤولية على العوامل الخارجية.
كما أن الاتفاق الوطني على إجراء انتخابات تشريعية ورئاسية قد تشكل آلية مقبولة وفرصة حقيقية لتجديد الشرعية وفتح الطريق أمام بروز قيادات مجتمعية وسياسية جديدة تأخذ شرعيتها من صندوق الاقتراع، رغم ادراك اغلب الفلسطينيين بأن السير في هذا المسار المهم والذي يمثل مطلباً شعبياً وحاجة وطنية وسياسية، له محاذيره ومتطلباته وشروطه وفي مقدمة ذلك الاتفاق الفلسطيني على اجراء الانتخابات، وضمان الاعتراف الدولي بنتائج هذه الانتخابات و احترام ما يمكن ان تفرزه من قيادات وبرامج، وضمان مشاركة جميع الفلسطينيين في العملية الانتخابية ترشحاً وانتخاباً خاصة في مدينة القدس المحتلة وضمان عدم التدخل الخارجي في هذه الانتخابات، بما يساعد الفلسطينيين في تخطي أزمة تآكل الشرعية ويعيد الاعتبار لنظامهم السياسي الذي يواجه أزمات داخلية وخارجية لا تقل في جوهرها وشكلها عما يعيشه المواطن الفلسطيني في القدس وغزة والضفة والشتات الذي بات يرنو الى قيادات شرعية تقوده الى بر الامان بدلاً من زجه في أزمات وكوارث ترهق كاهله.

حالة الطقس

حالة الطقس في المحافظات الفلسطينية