الاخبار الرئيسية

عميرة هس: المستوطنون مصممون على إشعال تصعيد متواصل بالضفة وضبط النفس الفلسطيني بدأ يتصدع

97 مشاهدة
عميرة هس: المستوطنون مصممون على إشعال تصعيد متواصل بالضفة وضبط النفس الفلسطيني بدأ يتصدع
 
 
واثق نيوز- عميرة هس - هارتس - يدرك الفلسطينيون في الضفة الغربية أن المستوطنين وممثليهم في الحكومة يريدون بالضبط ما يحدث الآن، بعد المواجهة الدامية في قرية تل: المزيد من حملات الاقتحام والاعتداء على القرى. وفي إسرائيل، وكما جرت العادة، تتم مساعدة المعتدين ومعاقبة من تعرضوا للاعتداء.
 
لقد أظهر الفلسطينيون في الضفة الغربية، وما زالوا يظهرون، قدرًا لافتًا من ضبط النفس في مواجهة الاعتداءات المتزايدة والجولات الاستفزازية التي ينظمها المستوطنون داخل أراضيهم. ومن الواضح أن جانبًا من هذا ضبط النفس نابع من الخوف؛ فمن ذا الذي لا يخشى مجموعات كبيرة من المسلحين يحملون أسلحة نارية وبيضاء، لا يخافون الشرطة ولا الجيش ولا المحاكم ولا حتى الرأي العام، بل يعرفون أنهم سيحظون بدعمها؟
 
ومن نتائج ذلك أن المنازل الواقعة على أطراف القرى الفلسطينية تحولت إلى حصون. فقد أحاط السكان بيوتهم بأسلاك شائكة أو جدران، وأضافوا أبوابًا حديدية تُفتح عن بُعد، وغطوا النوافذ بألواح معدنية لمنع الحجارة من تحطيم الزجاج. وفي كل منزل كاميرات مراقبة توثق ما يجري حوله: أشخاص بملامح معروفة – قلنسوات، خصلات الشعر الدينية، أغطية الرأس والهوديات – يظهرون من بين الكروم أو الحدائق، ويتجولون أو “يتنزهون” حول المنازل، إن لم يحاولوا إحراقها. وفي المقابل، يمنع السكان أبناءهم من اللعب أو التجول في التلال المحيطة، إذ يمكن في أي لحظة أن تظهر مجموعة من المستوطنين المسلحين، ولا أحد يعلم ما الذي سيحدث.
 
أمس بدأ هذا ضبط النفس يتصدع في قرية تل بمنطقة نابلس، بعدما حاول سكانها منع دخول مجموعة من المستوطنين المسلحين إلى أراضي القرية. ووفقًا لما وثقته التسجيلات، انتزع فلسطيني خلال المواجهة التي اندلعت سلاح بنياهو ملت، عضو فرقة التأهب في مزرعة حفات غلعاد، الذي كان يرافق المستوطنين. وبعد ذلك قُتل بنياهو ملت والرائد يوآف عزرا بالرصاص. وقد ورد في إحدى كلمات التأبين لملت أنه “كان يدفع بلا كلل نحو السيطرة على المنطقة” وأنه كان “الروح المحركة لمنتدى النضال من أجل كل دونم”. وخلال المواجهة قُتل أربعة رجال من عائلة رمضان، كانوا قد خرجوا للدفاع عن منازلهم وأطفالهم. والقتلى هم الشقيقان إبراهيم حسين علي رمضان وجواد حسين علي رمضان، وابن عمهما فاروق عدنان علي رمضان، وقريبهم عمران أحمد علي رمضان. وما يثير الاستغراب ليس تصدع ضبط النفس، بل أنه استمر كل هذه المدة ولدى هذا العدد الكبير من الناس.
 
ويتمثل أحد العناصر المهمة في ضبط النفس الفلسطيني في الإدراك السياسي بأن المستوطنين وممثليهم المخلصين في الحكومة يريدون تحديدًا ما يحدث الآن: المزيد من حملات الاعتداء وأعمال الشغب التي ينفذها المستوطنون في أكبر عدد ممكن من القرى، بينما يواصل الجيش مهاجمة السكان المدنيين الفلسطينيين، ويسارع المستوى السياسي إلى الرد بإضفاء الشرعية على المزيد من البؤر الاستيطانية والمزارع الاستيطانية. ويعرف الفلسطينيون جيدًا أن السلطات زودت المعتدين عليهم بالبنادق والمركبات رباعية الدفع، ليس من أجل الأمن، بل من أجل التصعيد.
 
إن الاستفزازات المدروسة التي ينفذها المستوطنون، حتى قبل دخول إسرائيل في أجواء الانتخابات، تستهدف أهدافًا تتجاوز بكثير نتائج صناديق الاقتراع. فكل جولة مخطط لها مسبقًا بين القرى، وكل مزرعة أغنام تستولي على مزيد من المراعي الفلسطينية، تقرب إسرائيل – بحسب الكاتب – من تنفيذ خطة الحسم التي طرحها الوزير بتسلئيل سموتريتش، والتي تهدف إلى إخضاع الفلسطينيين، ودفعهم إلى “الهجرة”، وقتلهم، وتفكيك تماسكهم الاجتماعي.
 
وسارع الجيش الإسرائيلي وجهاز الشاباك إلى تصنيف مقتل بنياهو ملت، الذي لم يكن مخططًا له، على أنه “عملية”. وبذلك أرسلا إشارة إلى أنهما يعتزمان استغلال الفرصة التي وفرها لهما المستوطنون، ووفقًا لما درجت عليه إسرائيل، معاقبة الطرف الذي تعرض للهجوم. وهذا بالفعل ما يحدث منذ ظهر أمس؛ إذ يشن الجيش مداهمات على القرى والبلدات، ويقتحم المنازل، ويقتلع أشجار الزيتون، ويفرض حصارًا على نابلس، ويقطع أوصال الضفة الغربية، ويغلق الطرق بين القرى، وينفذ حملات اعتقال.
 
ويعرب الجيش عن قلقه من وجود نحو سبعين مجموعة فلسطينية للحماية المدنية تشكلت في القرى. ويرى الكاتب أن وصف هذا الموقف بـ”الوقاحة” هو الأنسب، لأن الجيش، بوصفه القوة المحتلة وصاحب السلطة الأمنية العليا في الضفة الغربية، كان ينبغي له منذ عقود أن يمنع اعتداءات المستوطنين على المدنيين الفلسطينيين. لكنه، بحسب الكاتب، لم يفعل ذلك، بل يساعد المعتدين ثم يعتقل من يدافعون عن منازلهم وأطفالهم.
 
ولا يحتاج الأمر إلى خيال واسع لتخيل ما الذي كان سيحدث لو أن شبانًا فلسطينيين، يرتدون الكوفيات، ظهروا داخل مستوطنة أريئيل مثلًا، أو حتى تجولوا في الأراضي الواقعة غرب جدار الفصل، والتي يُمنع أصحابها الفلسطينيون من دخولها. ولو أطلق يهودي النار على فلسطينيين في مثل هذا السيناريو، لما وُصف ذلك بأنه عملية. وأكثر من ذلك، لو كان أحد هؤلاء الشبان الفلسطينيين مسلحًا فقط، لاعتُبر كل يهودي يسارع إلى قتلهم بطلًا. فالاحتلال العسكري المستمر منذ ستين عامًا، بحسب الكاتب، أنتج معايير مزدوجة ومتعددة مع إنكار تام لوجودها. وحتى في هذا السياق، يحتاج الفلسطينيون الخاضعون للاحتلال إلى قدر كبير ومستمر من ضبط النفس كي لا ينفجروا غضبًا واشمئزازًا كل يوم.
 
ويؤكد الكاتب أن معاقبة الضحية تُمارس بحق مجتمع مدني أضعفته بالفعل سياسة الخنق التي تنتهجها الحكومة الإسرائيلية. فقد ازداد فقر معظم الفلسطينيين نتيجة احتجاز أموال السلطة الفلسطينية ومنعهم من العمل في إسرائيل. وفي الوقت نفسه، أدى توسع البؤر الاستيطانية وأوامر إغلاق المناطق إلى القضاء على مصادر رزق أخرى مثل رعي الأغنام والزراعة. كما أن النظام الصحي الفلسطيني يكاد لا يعمل، وتتفاقم أوضاع المرضى المزمنين بسبب نقص الأدوية. ويضاف إلى ذلك معبر الكرامة (اللنبي)، وهو المنفذ الدولي الوحيد المتاح للفلسطينيين، الذي يعمل لساعات محدودة ويغلق أيام السبت، مما يجعل السفر من الضفة وإليها رحلة شاقة، فضلًا عن تشجيعه، بحسب الكاتب، على انتشار ظاهرة الابتزاز المالي. ويرى أن الفلسطينيين لا ينتظرون كارثة قادمة، لأنهم يعيشون بالفعل داخل كارثة مستمرة، ويدركون أن غزة المدمرة تمثل النموذج الذي يتطلع إليه النظام الإسرائيلي.
 
وفي ظل هذا الواقع، تبدو قيادة السلطة الفلسطينية، بحسب الكاتب، أكثر انفصالًا عن شعبها من أي وقت مضى. فهي تكتفي بالإدانة والتحذير ومطالبة العالم بالتدخل، كما لو كانت منظمة غير حكومية، لا الجهة التي تقول إنها الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني. كما أنها لا تبادر إلى خطوات سياسية جريئة تتجاوز الجمود الذي فرضه اتفاق أوسلو، والذي يرى الكاتب أن إسرائيل انتهكت أحكامه منذ زمن. كذلك لا تنشر آلاف أفراد أجهزتها الأمنية بين أبناء شعبها لحمايتهم، بسبب القيود التي يفرضها الاتفاق.
 
ويختم الكاتب بالقول إن الغضب من السلطة الفلسطينية لم يعد مقتصرًا على معارضيها، بل امتد حتى إلى بيوت مؤيدي حركة فتح القدامى. فالغضب، بحسبه، ليس بسبب ضعف السلطة فحسب، بل لأنها تستخدم هذا الضعف ذريعة لغياب التفكير والمبادرة. ويعتقد كثير من الفلسطينيين، كما يقول، أن الطبقة الحاكمة تخشى فقدان الامتيازات المحدودة التي تمنحها لها إسرائيل، وما يرتبط بها من مصالح اقتصادية. ومع ذلك، يستمر ضبط النفس الفلسطيني، سواء خوفًا من أجهزة السلطة أو إدراكًا بأن اليمين الإسرائيلي الحاكم يرحب بأي توتر أو صدام داخلي فلسطيني، ويتمنى اندلاع مواجهة أو حرب أهلية فلسطينية.

حالة الطقس

حالة الطقس في المحافظات الفلسطينية