غزة-واثق نيوز-لا تنتهي مخاطر الحرب في قطاع غزة بانتهاء القصف، فبين الأنقاض وتحت الخيام وفي الشوارع، لا تزال مخلفات الصواريخ والذخائر غير المنفجرة تشكل تهديداً يومياً لحياة الفلسطينيين، في ظل الظروف الإنسانية القاسية التي تدفع السكان إلى التعامل مع بقايا الحرب أحياناً دون إدراك لحجم الخطر الكامن فيها.
وتكشف حوادث متكررة عن الوجه الآخر للدمار الذي خلّفته الحرب الإسرائيلية على القطاع، إذ تحولت بعض المخلفات المتفجرة إلى أفخاخ قاتلة تطارد النازحين في أماكن إقامتهم المؤقتة، وتهدد الأطفال الذين قد يقتربون منها بدافع الفضول أو يلمسونها لعدم معرفتهم بطبيعتها الخطرة.
وفي واحدة من هذه الحوادث المؤلمة، روت أم فلسطينية من قطاع غزة تفاصيل انفجار وقع داخل خيمتها، بعدما حاولت إشعال النار في ملابس تالفة لتتمكن من إعداد الطعام لأطفالها. وكانت الأسرة قد جمعت تلك الأقمشة المهترئة من الشوارع، في محاولة للتغلب على ظروف النزوح القاسية وشح وسائل الطهي.
لكن اللحظات التي كان يفترض أن تتيح للأم إعداد وجبة لأطفالها تحولت إلى مأساة، بعدما سمعت صوتاً غريباً أعقبه انفجار قوي، لتفقد وعيها قبل أن تجد نفسها لاحقاً محاطة بجيران حاولوا إنقاذها وإنقاذ طفليها اللذين كانا يجلسان بالقرب منها، فضلاً عن جنينها.
وقالت الأم، مستذكرة الحادثة، إن ابنها كاد يفقد بصره، فيما أصيبت هي بحروق وجروح خطيرة استدعت علاجاً طويلاً. وبعد نحو 40 يوماً قضتها في العناية المركزة، تمكنت من الخروج منها، بينما عانت هي وطفلاها من حروق بالغة في مناطق مختلفة من أجسادهم.
وتعكس هذه الحادثة جانباً من المخاطر التي يعيشها الفلسطينيون في القطاع، حيث لم تعد الخيام ومراكز الإيواء والأماكن المتضررة من القصف بعيدة عن تهديدات الذخائر التي لم تنفجر، والتي قد تختبئ بين الأنقاض أو داخل الأغراض التي يجمعها السكان لتلبية احتياجاتهم الأساسية.
ولا تقتصر خطورة هذه المخلفات على الحوادث الفردية، بل تتصل بمشكلة واسعة النطاق تتفاقم مع استمرار الدمار وصعوبة إزالة الأنقاض وتأمين المناطق السكنية.
ووفق تقرير أممي سابق، أعلن رئيس دائرة الأمم المتحدة للإجراءات المتعلقة بالألغام «أونماس»، جوليوس ديرك، أن الفرق تمكنت خلال شهر أبريل/نيسان الماضي من تحديد نحو ألف جسم خطير، في إطار المهام التي طلب الشركاء العاملون في المجال الإنساني تنفيذها.
وأشار المسؤول الأممي إلى أن هذا العدد يعادل العثور على جسم متفجر واحد تقريباً كل 600 متر ضمن المساحة الجغرافية المحدودة لقطاع غزة، في مؤشر إلى حجم التلوث بالذخائر والمخلفات الحربية التي لا تزال تشكل خطراً على السكان.
ومنذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، استشهد وأصيب أكثر من 1200 شخص جراء الذخائر المتفجرة، بحسب البيانات الواردة في التقرير الأممي، بمعدل ضحية واحدة يومياً تقريباً.
وحذر ديرك من أن انتشار الذخائر غير المنفجرة يفاقم الأزمة الإنسانية، ويحول دون عودة المجتمعات المحلية إلى ممارسة حياتها اليومية بصورة طبيعية، كما يعرقل عودة العائلات إلى منازلها الأصلية وإعادة بناء حياتها، في ظل احتمال العثور على أجسام متفجرة بين الركام وفي المناطق التي تعرضت للقصف.
وتزداد خطورة المشكلة في ظل احتياج السكان إلى التنقل بين المناطق المدمرة، وإزالة الأنقاض، وجمع المواد التي يمكن إعادة استخدامها، في وقت تفتقر فيه كثير من المناطق إلى إجراءات كافية للكشف عن المخلفات الخطرة والتعامل معها بصورة آمنة.
من جانبه، قال الناطق باسم جهاز الدفاع المدني في قطاع غزة، محمود بصل، إن التقديرات تشير إلى وجود نحو 71 ألف طن من المتفجرات والمخلفات التي لم تنفجر بعد في القطاع.
وتعكس هذه التقديرات حجم التحدي الذي يواجه فرق الإنقاذ والجهات المختصة، خصوصاً في ظل اتساع المناطق المدمرة، وتراكم الركام، وصعوبة الوصول إلى بعض المواقع التي قد تحتوي على ذخائر شديدة الخطورة.
ولا تقتصر آثار هذه المخلفات على الخسائر البشرية المباشرة، بل تمتد إلى عرقلة جهود الإغاثة وإزالة الأنقاض وإعادة تأهيل المناطق السكنية، فضلاً عن تعريض العاملين في الدفاع المدني والإغاثة والسكان العائدين إلى مناطقهم لمخاطر إضافية.
كما أن وجود هذه الأجسام في محيط الخيام والمباني المتضررة يجعل الخطر أكثر قرباً من الحياة اليومية للنازحين، الذين يضطرون إلى استخدام مساحات غير آمنة لتأمين المأوى أو البحث عن احتياجاتهم الأساسية.
وفي أحاديث نقلتها قناة الجزيرة مباشر، طالب فلسطينيون في قطاع غزة بالإسراع في إزالة مخلفات الذخائر غير المنفجرة، والاستعانة بفرق وخبراء متخصصين في التعامل معها، حفاظاً على أرواح المدنيين، ولا سيما الأطفال.
وأوضح أحد الشبان أن هذه المخلفات قد تكون موجودة بكميات كبيرة، وأن خطورتها تتضاعف عندما تنتشر بين المباني والخيام وفي الأماكن التي يرتادها السكان يومياً.
ولفت إلى أن الأطفال قد يقتربون من الصواريخ والأجسام الغريبة أو يتعاملون معها من دون معرفة حقيقتها، الأمر الذي يجعلهم عرضة لانفجارات مفاجئة قد تؤدي إلى الوفاة أو الإصابة بإعاقات دائمة.
ويزيد غياب المساحات الآمنة، وتضرر المنازل والطرقات، واضطرار الأسر إلى العيش في أماكن مكتظة أو بين الأنقاض، من احتمالات تعرض الأطفال لهذه المخاطر، خصوصاً في ظل الظروف التي تجعل مراقبتهم وإبعادهم عن المناطق الخطرة أكثر صعوبة.
وتتطلب مواجهة هذه المشكلة تحركاً عاجلاً يشمل مسح المناطق الملوثة بالذخائر، وتحديد مواقع الأجسام الخطرة وإزالتها على أيدي فرق متخصصة، إلى جانب توعية السكان، ولا سيما الأطفال، بمخاطر الاقتراب من أي جسم غريب أو لمسه أو محاولة نقله.
وفي ظل هذه المعطيات، تبدو مخلفات الحرب في غزة امتداداً خطيراً لمأساة المدنيين، إذ تواصل تهديد حياتهم حتى في لحظات البحث عن الطعام والمأوى والأمان. وبينما يحتاج القطاع إلى جهود واسعة لإعادة الإعمار واستعادة مقومات الحياة، يبقى التخلص من الذخائر غير المنفجرة شرطاً أساسياً لحماية السكان، وتمكين العائلات من العودة إلى مناطقها من دون أن تواجه خطر الموت الكامن تحت الركام.

