الخليل-واثق نيوز-تتجه البلدة القديمة في مدينة الخليل،نحو مزيد من العزلة بفعل الإجراءات الإسرائيلية المتصاعدة التي تقيد حركة الفلسطينيين وتعرقل وصولهم إلى منازلهم ومحالهم التجارية، في سياق يهدد الوجود الفلسطيني في المنطقة ويعمّق أزمتها الاقتصادية والمعيشية.
وفي أحدث خطوات التضييق، نصبت قوات الاحتلال الإسرائيلي، في الرابع من تشرين الأول/أكتوبر الجاري، ثلاث بوابات حديدية جديدة في محيط البلدة القديمة، لتضاف إلى بوابة سابقة أقامتها في أيار/مايو الماضي، ما يرفع عدد البوابات إلى أربع، بالتزامن مع تعزيز الوجود العسكري والاستيطاني في المنطقة.
وأثارت هذه الإجراءات مخاوف السكان وأصحاب المحال التجارية من تشديد الحصار على البلدة القديمة، ولا سيما أنها طاولت الطرق الحيوية المؤدية إليها، بما فيها المسارات التي يستخدمها السكان والزوار والمركبات للوصول إلى المنطقة والحرم الإبراهيمي.
4 بوابات تحاصر مداخل البلدة ..
ووفق المعطيات، أقامت قوات الاحتلال إحدى البوابات الجديدة في طريق الزاهد، الذي يمثل المنفذ الوحيد المتاح أمام حركة المركبات للوصول إلى مدخل البلدة القديمة، فيما نصبت الثانية عند مدخل شارع الشلالة، المؤدي إلى المحال التجارية المرتبطة بمنطقة باب الزاوية وسط المدينة. أما البوابة الثالثة، فأقيمت في شارع الشلالة الثاني، وهو طريق فرعي يستخدمه المشاة للوصول إلى المنطقة ويضم عدداً من المحال التجارية.
وجاء نصب البوابات على مراحل خلال يوم الرابع من تشرين الأول، إذ اقتحم جنود الاحتلال، برفقة شاحنة، مدخل البلدة الرئيس في ساحة عين عسكر خلال ساعات الظهيرة، وأقاموا بوابة حديدية صفراء عند مدخل طريق الزاهد. وبعد نحو ساعة، عادوا لنصب بوابة ثانية عند مدخل شارع الشلالة، قبل أن يضعوا البوابة الثالثة في الشارع الفرعي قبيل المساء.
وتأتي هذه الخطوات بعد نحو أربعة أشهر من نصب بوابة أخرى في ساحة عين عسكر، بتاريخ 20 أيار/مايو الماضي، وإقامة نقطة عسكرية على سطح مبنى بلدية الخليل التاريخي في الساحة ذاتها.
وبذلك، باتت المنطقة محاصرة بأربع بوابات حديدية وثلاث نقاط عسكرية، في ظل تصاعد النشاط الاستيطاني، بما في ذلك إقامة مدرسة دينية يهودية في موقع المنجرة، وهو مبنى ملاصق لمبنى البلدية التاريخي.
تصاعد التهويد واستهداف النشاط التجاري ..
وقال رئيس لجنة تجار البلدة القديمة، بدر الداعور، إن المنطقة شهدت خلال الأشهر الأخيرة تحولاً متسارعاً في طبيعة الحركة فيها، بعدما كانت متاحة نسبياً للمشاة والمركبات، لتصبح اليوم محاصرة بالبوابات والحواجز والنقاط العسكرية، الأمر الذي يقيّد الطريق الرئيس المتبقي للوصول إلى الحرم الإبراهيمي.
وأوضح الداعور أن الإجراءات العسكرية الجديدة جاءت بعد يوم واحد من تنظيم المستوطنين، للمرة الأولى، احتفالات في المنطقة، تخللها الرقص ورفع الأعلام الإسرائيلية، بحماية قوات الاحتلال، عند مدخلي طريق الزاهد وشارع الشلالة.
وأشار إلى أن وتيرة التهويد والاستيطان في ساحة عين عسكر ومحيطها تشهد تصاعداً غير مسبوق، لافتاً إلى أن المنطقة تحولت، خلال الأعياد اليهودية وأيام السبت من كل أسبوع، إلى ساحة لاحتفالات المستوطنين، في وقت يُجبر فيه أصحاب المحال التجارية الفلسطينيون على إغلاق متاجرهم، وتُفرض قيود على حركة السكان والزوار، بمن فيهم الصحافيون المحليون والدوليون.
وبحسب الداعور، تجري هذه الاقتحامات تحت ذرائع تتعلق بالجولات الإرشادية والسياحية للمستوطنين، لكنها تترافق مع إجراءات تحدّ من قدرة الفلسطينيين على ممارسة حياتهم اليومية ومواصلة أنشطتهم الاقتصادية.
وحذّر من أن البوابات الجديدة ستؤدي إلى مزيد من عزل البلدة القديمة، في ظل الصعوبات التي تواجه السكان والمركبات التجارية والزوار في الوصول إليها، ما ينذر بتفاقم الأزمة الاقتصادية التي تعاني منها المنطقة منذ سنوات.
ولفت إلى أن البلدة القديمة تضم نحو 130 منزلاً سكنياً، سيضطر سكانها إلى المرور بإجراءات التفتيش عند الوصول إليها، فيما لن يتمكنوا من إدخال مركباتهم بصورة طبيعية إلى المنطقة.
وعلى الصعيد التجاري، أوضح الداعور أن البلدة تضم أكثر من 450 محلاً تجارياً، لا يزال نحو 57 منها مفتوحاً لاستقبال الزبائن، بينما أُغلقت المحال الأخرى بفعل القيود الإسرائيلية. وأضاف أن المحال التي ما زالت تعمل ستواجه صعوبات متزايدة في تأمين البضائع، بسبب عرقلة وصول المركبات التجارية، وهو ما يهدد بمزيد من الركود والخسائر.
بيئة طاردة للفلسطينيين ..
ولا تقتصر تداعيات الإجراءات الإسرائيلية على السكان وأصحاب المحال التجارية، بل تمتد إلى المؤسسات الدولية التي كانت لها مقار أو مكاتب في البلدة القديمة، ومن بينها فرق صنع السلام المجتمعية (CPT)، التي باتت تواجه قيوداً وملاحقات مماثلة لتلك المفروضة على الفلسطينيين.
واعتبر الداعور أن هذه الإجراءات تصنع، بحسب وصفه، «بيئة قاهرة طاردة لكل شيء فلسطيني»، بما يشمل السكان والنشاط التجاري والمؤسسات الموجودة في المنطقة، مشيراً إلى أن مساحة الحياة المتاحة للفلسطينيين تتقلص باستمرار، في مقابل اتساع المجال أمام المستوطنين.
وأكد أن القيود المفروضة تنعكس بصورة مباشرة على عمله التجاري، إذ يتكبد خسائر يومية، إلى جانب ما يتعرض له هو ومحيطه من ممارسات استفزازية من المستوطنين، بمن فيهم الأطفال. ورغم ذلك، شدد على تمسكه بالبقاء في البلدة القديمة، قائلاً إن وجود الفلسطينيين فيها يرتبط بعقيدتهم وإصرارهم على الصمود.
وفي معرض انتقاده للموقف الرسمي الفلسطيني، اتهم الداعور المؤسسات الرسمية بالتقصير في متابعة الانتهاكات التي يتعرض لها السكان والتجار، مشيراً إلى أن الارتباط المدني الفلسطيني يبذل جهوداً لمساعدتهم، لكنه يواجه صعوبات كبيرة في ظل تجاهل سلطات الاحتلال اتصالاته في كثير من الأحيان.
شكاوى ومحاكم لا توقف إجراءات الاحتلال ..
من جانبه، قال عضو مجلس بلدي الخليل، معمر العويوي، إن البلدية تتقدم بشكاوى إلى الشرطة الإسرائيلية وترفع قضايا أمام محاكم الاحتلال مع كل انتهاك جديد تتعرض له المدينة، لكن هذه الإجراءات لم تعد قادرة على وقف ما يجري على الأرض.
وانتقد العويوي أداء المنظومة الإسرائيلية، معتبراً أن سلوك الجنود في الميدان لا يختلف عن سلوك القضاة في المحاكم، وأن كليهما يتحركان في إطار توجهات الحكومة الإسرائيلية المتطرفة، وفق تعبيره.
وأضاف أن المسار القانوني لم يعد يشكل رادعاً أمام استمرار المستوطنين في توسيع نطاق التهويد، واصفاً المرحلة الحالية بأنها من أصعب المراحل التي يمر بها الفلسطينيون في ظل غياب أدوات فاعلة لوقف الإجراءات الإسرائيلية.
واستبعد العويوي أن تؤدي الشكاوى القانونية، في الظروف الراهنة، إلى إزالة البوابات الحديدية، معتبراً أن استمرار فرضها يرتبط بغياب ردود فعل كافية على المستويين الشعبي والمؤسساتي، الأمر الذي يشجع الاحتلال على المضي في إجراءاته.
وأشار إلى أن السلطات الإسرائيلية تختبر ردود فعل الشارع والمؤسسات في الخليل، ولا تواجه، بحسب تقديره، ما يكفي من الضغوط التي من شأنها دفعها إلى التراجع.
مخاوف من فرض واقع استيطاني جديد ..
ويرى العويوي أن البوابات والإجراءات العسكرية تأتي في سياق مساعٍ أوسع لتغيير واقع البلدة القديمة وفرض قيود متزايدة على الوجود الفلسطيني فيها، بما يهدد بإفراغها من سكانها وتقليص حضورهم الاقتصادي والاجتماعي.
كما اعتبر أن هذه الخطوات توظَّف في إطار الدعاية الانتخابية للقيادة الإسرائيلية الحالية، إلا أن نتيجتها، وفق تقديره، تصب في اتجاه واحد، يتمثل في تهويد البلدة القديمة.
وتكشف التطورات الأخيرة في الخليل عن تصاعد الضغوط على السكان والتجار في واحدة من أكثر المناطق الفلسطينية حساسية من الناحيتين الدينية والتاريخية، حيث تتداخل القيود العسكرية مع التوسع الاستيطاني وتعطيل النشاط التجاري.

