محليات

غزة أمام شتاء جديد.. البرد والأمطار يفاقمان المخاطر الصحية .. وتحذيرات من انتشار الكوليرا وغيرها

89 مشاهدة قراءة 12 دقيقة

غزة-واثق نيوز-وكالات-لم يعد الشتاء بالنسبة إلى سكان قطاع غزة مجرد فصل تنخفض فيه درجات الحرارة وتهطل الأمطار، فبعد قرابة ثلاثة أعوام من الحرب والدمار والنزوح المتكرر، يأتي موسم البرد هذا العام ليضيف مخاطر صحية جديدة إلى واقع يعاني فيه السكان من ضعف المأوى، وتلوث المياه، وتدهور خدمات الصرف الصحي، ونقص الخدمات الطبية.

وتحذر منظمات دولية من أن اجتماع البرد والأمطار والفيضانات المحتملة مع الخيام الهشة والاكتظاظ وسوء التغذية، قد يحول الأشهر المقبلة إلى اختبار جديد لقدرة السكان، ولا سيما الأطفال، على الصمود.

قطاع مدمر في مواجهة شتاء قاسٍ ..
وأفاد تقرير لمنظمة اليونيسف، نُشر في سبتمبر/أيلول الماضي حول الوضع في قطاع غزة، بأن نحو 84% من السكان، أي أكثر من 1.76 مليون نسمة، لا يزالون يعيشون في مخيمات نزوح مكتظة أو ملاجئ متضررة وغير ملائمة، مع ضعف الحماية من البرد القارس والأمطار الغزيرة والفيضانات.

وتضع هذه الظروف الأطفال أمام مخاطر متزايدة، من بينها انخفاض حرارة الجسم والتهابات الجهاز التنفسي والأمراض المنقولة بالمياه، بما يزيد احتمالات انتشارها.

وخلال الشتاء الماضي في غزة، أفادت التقارير الرسمية لمنظمة اليونيسف بوفاة ما لا يقل عن 11 طفلا، بينهم رضع، بسبب انخفاض حرارة الجسم. وأرجعت المنظمة ذلك إلى عدم الاستعداد العاجل والتحرك المبكر، محذرة من أن الأطفال الذين أضعفهم النزوح وسوء التغذية والأمراض المتكررة سيواجهون شتاء عام 2026 في ظروف بالغة الخطورة.

وبحسب تقرير لمنظمة الصحة العالمية حول الوضع الصحي العام في القطاع، أدى استهداف المستشفيات خلال الحرب إلى توقف العمل كليا أو جزئيا داخلها، إذ لا يعمل سوى 18 مستشفى بشكل جزئي من أصل 36 مستشفى كانت موجودة قبل الحرب.

وأدى ذلك إلى تدهور الخدمات الصحية، في وقت أصبحت فيه المستشفيات مكتظة بالمرضى، وتدهورت حالاتهم الصحية نتيجة عدم قدرة القطاع الصحي، بإمكاناته المحدودة، على تلبية الاحتياجات المتزايدة، مما زاد معاناتهم ورفع معدلات الوفيات المرتبطة بتراجع الخدمات الصحية.

وتشير منظمة أطباء بلا حدود إلى انتشار أمراض ترتبط مباشرة بسوء الظروف المعيشية، من بينها الأمراض الجلدية والجرب، نتيجة نقص المياه النظيفة اللازمة للاستحمام والنظافة الشخصية، إلى جانب نقص مواد التطهير.

كما تشكل أمراض الإسهال المائي والتهابات الجهاز التنفسي نحو 17.5% من إجمالي الاستشارات الطبية داخل العيادات، وتزداد معدلات الإصابة بها وانتشارها مع انخفاض درجات الحرارة ودخول فصل الشتاء، إضافة إلى السكن في مخيمات تغمرها مياه الأمطار من دون تصريف مناسب، وهو ما يساهم في زيادة الإصابات وتفاقم الأعراض.

مخاطر البرد والأمطار والفيضانات ..
الى ذلك،حذرت منظمة الصحة العالمية، في تقريرها حول التعرض للأحداث المناخية في قطاع غزة خلال الشتاء الماضي، من أن القطاع يدخل فصل الشتاء في ظل ظروف إنسانية وصحية غير مسبوقة تجعل السكان أكثر عرضة لتداعيات الظواهر المناخية القاسية.

وتشير التقديرات إلى أن نحو 1.9 مليون شخص، أي أكثر من 70% من سكان القطاع، يعيشون في مناطق معرضة بدرجة كبيرة للأخطار المناخية، في وقت تعاني فيه البنية التحتية الأساسية من انهيار واسع النطاق.

وتتوقع المنظمة أن يشهد موسم الشتاء هطول أمطار تتراوح بين 450 و500 مليمتر، إلى جانب رياح قوية وعواصف وارتفاع في أمواج البحر. وقد تؤدي هذه الظروف إلى تفاقم الأزمة الإنسانية، خصوصا في ظل إقامة مئات الآلاف من النازحين داخل خيام مؤقتة لا توفر الحماية الكافية من الأمطار والرياح.

ويواجه قطاع غزة في الوقت نفسه تحديات بيئية وصحية متداخلة، من بينها تجمع مياه الصرف الصحي في مناطق واسعة، وتراكم ما يقارب نصف مليون طن من النفايات، بما فيها نفايات طبية خطرة، من دون القدرة على جمعها أو التخلص منها بصورة آمنة، فيما تزيد هذه الأوضاع احتمالات تلوث المياه وانتشار الأمراض مع بداية موسم الأمطار.

وحذرت منظمة الصحة العالمية من ارتفاع مستوى التعرض للأخطار المناخية بصورة حادة منذ اندلاع الحرب، إذ ارتفع من نحو 60% قبل أكتوبر/تشرين الأول 2023 إلى أكثر من 90% مطلع عام 2026. ويعني ذلك أن غالبية السكان أصبحوا معرضين في الوقت نفسه لأخطار الفيضانات وتلوث البيئة وانتشار الأمراض المعدية والأضرار الناتجة عن الرياح الشديدة والعواصف الساحلية.

وترى المنظمة أن تزامن النزوح الجماعي مع هذه الظروف المناخية أدى إلى أزمة إنسانية مركبة، تتداخل فيها المخاطر الصحية والبيئية بصورة غير مسبوقة، مما يزيد احتمالات وقوع أزمات صحية واسعة خلال فصل الشتاء في حال عدم اتخاذ إجراءات عاجلة للحد من آثارها.

احتياجات عاجلة قبل اشتداد الشتاء ..
ولتخفيف آثار الأحداث المناخية القاسية، يحتاج قطاع غزة إلى إنشاء أنظمة للإنذار المبكر، واختيار مواقع أكثر أمانا لإقامة مراكز الإيواء، وتحسين شبكات تصريف مياه الأمطار، وضمان استمرار وصول المساعدات الإنسانية بما يتناسب مع الظروف الجوية المتوقعة.

ووفقا لتقديرات مجموعة المأوى، يحتاج نحو 1.5 مليون شخص إلى مواد خاصة بالمأوى، فيما يحتاج العدد نفسه تقريبا إلى مستلزمات منزلية أساسية تساعدهم على مواجهة ظروف الشتاء.

كيف يمكن الحد من المخاطر؟ ..
ودعت منظمة اليونيسف، في تقرير لها بتاريخ 17 سبتمبر/أيلول الماضي، إلى توفير 97.5 مليون دولار أمريكي لحماية 540 ألف طفل وأسرهم في قطاع غزة والضفة الغربية من انخفاض درجات الحرارة إلى حد التجمد، وغزارة الأمطار، والفيضانات، وغيرها من الظروف الشتوية التي تهدد الحياة.

وقال الممثل الخاص لمنظمة اليونيسف في دولة فلسطين، جوناثان فيتش، إن فصل الشتاء بالنسبة لمئات الآلاف من الأطفال لا يمثل مجرد صعوبة موسمية، بل تهديدا إضافيا لبقائهم وسلامتهم.

وتركز الاستجابة الشتوية لليونيسف، التي تغطي الفترة من أكتوبر/تشرين الأول 2026 إلى مارس/آذار 2027، على إعطاء الأولوية للأطفال والأسر المتضررة من النزوح وعدم كفاية المأوى، إضافة إلى المعرضين لخطر الفيضانات والبرد القارس وانقطاع الخدمات الأساسية.

وتشمل الاحتياجات العاجلة الملابس والبطانيات الحرارية، وتعزيز الملاجئ الطارئة، وتوفير الخيام للأسر الأكثر احتياجا، وتنظيف الطرق وشبكات الصرف الصحي، وإزالة النفايات الصلبة، وعزل المراحيض ضد العوامل الجوية، إلى جانب إجراءات للحد من تلوث مياه الفيضانات ومخاطر الأمراض، فضلا عن التوعية الصحية والسلامة.

نحو آلية مستدامة للمساعدات الطبية ..
وقال الدكتور في اقتصاديات الصحة وعلم انتشار الأوبئة إسلام عنان إن الحرب على قطاع غزة أدت إلى تدهور البنية التحتية الصحية، مما حد من إمكانية الوصول إلى الرعاية والإمدادات الطبية الأساسية.

وشدد عنان على ضرورة التوصل إلى آلية مستدامة لإرسال مساعدات طبية بصورة مستمرة، بهدف معالجة النقص الحاد في الإمدادات والخدمات الطبية، موضحا أن هذه المساعدات ضرورية لمنع تفشي الأمراض، وعلاج الإصابات، وإدارة الحالات المزمنة، وإنقاذ الأرواح.

وأضاف، أن هناك نقصا حادا في الإمدادات الطبية، بما فيها الاحتياجات الأساسية مثل أكياس الدم اللازمة للعمليات الجراحية الطارئة وعلاج المصابين، والأدوية الأساسية للطوارئ، واللقاحات اللازمة للوقاية من أمراض مثل شلل الأطفال والجدري المائي، فضلا عن محاليل معالجة الجفاف وأدوية الدوسنتاريا والإسهال لدى الأطفال، وهي أمراض ترتبط بنقص الغذاء والمياه النظيفة.

ونبه عنان إلى أهمية توفير أدوات وفلاتر تنقية المياه، كتلك التي تستخدمها منظمة الصحة العالمية من فلاتر سريعة وطرق بيولوجية لتنقية المياه في المناطق المنكوبة في أفريقيا، بما يتيح للسكان الوصول إلى مياه نظيفة للشرب والنظافة الشخصية، ويحد من انتشار الأمراض الناتجة عن سوء النظافة والتطهير.

كما شدد على ضرورة ضمان وصول المساعدات العاجلة لتفادي خطر انتشار الأمراض المعدية، في ظل الاكتظاظ وسوء الصرف الصحي وضعف مراقبة الرعاية الصحية.

وأشار إلى أن تفشي أمراض مثل الكوليرا والحصبة وشلل الأطفال يمثل تهديدا خطيرا، معتبرا أن حملات التطعيم الاستراتيجية ومراقبة الأمراض ينبغي أن تكونا جزءا أساسيا من خطة الإغاثة.

وبذلك، لا يواجه سكان غزة شتاء آخر في ظل نقص المأوى والموارد فحسب، بل يواجهون أيضا تراكما من المخاطر الصحية والبيئية التي قد تتفاقم مع البرد والأمطار والفيضانات. وتبقى الاستجابة المبكرة، وتحسين ظروف الإيواء والصرف الصحي، وتأمين المياه النظيفة والإمدادات الطبية، من أبرز الإجراءات اللازمة للحد من هذه المخاطر.