محليات

مركز سياساتي : الأقصى والأسرى في خطر .. وسياسة حكومة الاحتلال تتجاوز موسم الانتخابات

4 مشاهدة قراءة 8 دقيقة

القدس-واثق نيوز-لم تعد الاعتداءات على المسجد الأقصى المبارك والانتهاكات بحق الأسرى الفلسطينيين حدثين منفصلين في المشهد الإسرائيلي. ففي الأقصى، تتسع اقتحامات المستوطنين وتصبح الطقوس الدينية أكثر علنية، بحماية شرطة الاحتلال ومشاركة وزراء في الحكومة. وفي السجون، يدخل وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير إلى زنازين الأسرى، ويصوّر مواجهاته معهم وينشر تهديداته لهم. يجمع المشهدين استخدام سلطة الحكومة لفرض ممارسات جديدة، ثم تقديمها إلى جمهور اليمين الإسرائيلي باعتبارها إنجازات سياسية.

حذّرت حركة حماس، في بيانها الصادر يوم 14 أيلول/سبتمبر الجاري، من أن اقتحامات الأقصى تتطور من زيادة أعداد المقتحمين إلى أداء الصلاة والطقوس بصورة علنية وجماعية، وصولًا إلى مشاركة وزراء وأعضاء كنيست. واعتبرت أن هذا التدرج يستهدف تغيير الوضع التاريخي والقانوني للمسجد وفرض واقع ديني وسياسي جديد فيه. 

هذا التحذير لا يعبّر عن موقف حماس وحدها. فقد أدانت مؤسسات فلسطينية رسمية اقتحامات بن غفير، وحذّر الأردن من انتهاك الوضع القائم في المسجد. كما أدان وزراء خارجية ثماني دول عربية وإسلامية اقتحامات الوزراء والمستوطنين تحت حماية الشرطة الإسرائيلية. وصدرت مواقف مماثلة عن منظمة التعاون الإسلامي وجامعة الدول العربية والاتحاد الأفريقي، فيما أكدت لجنة أممية معنية بحقوق الشعب الفلسطيني ضرورة حماية الوضع التاريخي والقانوني للأماكن المقدسة في القدس. تتعدد جهات الإدانة، لكنها تلتقي عند رفض استخدام قوة الاحتلال لتغيير واقع الأقصى.

وتكشف الوقائع أن الخطر لا يقتصر على دخول المستوطنين إلى باحات المسجد . ففي اقتحام سابق، أشاد بن غفير علنًا بأداء الصلاة اليهودية داخل الأقصى، وتحدث عن تقدم تحقق في هذا الاتجاه. وعندما يصبح الوزير المشارك في الاقتحام مسؤولًا عن الشرطة التي تحميه، يتجاوز الأمر حدود الاستفزاز الفردي؛ إذ تغدو مؤسسات الحكومة جزءًا من صناعة الواقع الذي تعترض عليه الجهات الفلسطينية والعربية والإسلامية. 

يقدّر مركز حضارات أن ما يجري مسار منظم لفرض وقائع جديدة في المسجد الأقصى، وليس مجرد دعاية مرتبطة بالانتخابات الإسرائيلية. لقد بدأت محاولات توسيع اقتحامات المستوطنين قبل حكومة نتنياهو الحالية، لكنها تصاعدت في ظل حكومة اليمين التي يتولى فيها بن غفير منصب وزير الأمن القومي. وقد أعلن مكتب نتنياهو في مناسبات سابقة أن الوضع القائم لم يتغير، غير أن استمرار الاقتحامات والصلوات العلنية يقتضي قياس موقف الحكومة بأفعال أجهزتها ووزرائها. وعلى هذا الأساس يتحمل نتنياهو المسؤولية السياسية عن استمرارها، وعن عجز حكومته أو امتناعها عن وقفها.

ويتزامن هذا التصعيد مع مشاهد خطيرة من داخل السجون. ففي 27 أيلول/سبتمبر، نشر بن غفير مقطعًا مصورًا ظهر فيه أمام الأسير حسن سلامة ووجه إليه تهديدًا بالقتل. وسبق أن نُشر مقطع يظهر فيه الوزير وهو يخاطب أسيرات فلسطينيات في سجن الدامون، قبل إزالة المقطع عقب اعتراض منظمة إسرائيلية مناهضة للتعذيب. إن تصوير الأسير في مكان لا يملك فيه حرية الانصراف أو رفض المواجهة، ثم نشر المشهد لخدمة خطاب الوزير، يمثل انتهاكًا لكرامته ويثير مخاوف جدية على سلامته.

ولا تنحصر القضية في حسن سلامة، على خطورة التهديد الذي تعرض له. فالأسرى الفلسطينيون، ومن بينهم مروان البرغوثي، يقعون تحت السيطرة الكاملة لسلطات السجون الإسرائيلية، ما يجعل حمايتهم من التهديد والإهانة والإيذاء مسؤولية مباشرة على حكومة الاحتلال. وتزداد الحاجة إلى التحقق المستقل من أوضاعهم حين يصدر التهديد العلني من الوزير المسؤول عن الجهاز الذي يحتجزهم.

ثمة رابط سياسي بين ما يحدث في الأقصى وما يحدث في السجون: تسعى حكومة اليمين إلى توسيع نطاق ما تستطيع فرضه على الفلسطينيين، مستفيدة من حماية أجهزتها ومن تكرار الأفعال حتى تبدو مألوفة. قد تمنح الانتخابات هذه الممارسات جمهورًا ودافعًا إضافيين، لكنها لا تفسر تاريخها أو استمرارها. لذلك فإن انتهاء الحملة الانتخابية، أيًا كانت نتيجتها، لن يكون وحده ضمانة لحماية الأقصى أو الأسرى.

‏يرى المركز  ‏إن تمكين حكومة الاحتلال الإسرائيلي برئاسة بنيامين نتانياهو المستوطنين من الاعتداء المتكرر على المسجد الأقصى، ‏وعلى الأسرى داخل سجون الاحتلال الإسرائيلي، ‏هو أمر مخالف للقوانين والأنظمة والأعراف الدولية والإنسانية كما يرى بأن استمرار وجود إسرائيل في الأرض الفلسطينية المحتلة غير مشروع وفق الرأي الاستشاري الذي أصدرته محكمة العدل الدولية عام 2024. ولا تملك سلطة الاحتلال حق تغيير وضع القدس ومقدساتها، أو الانتقاص من حقوق الفلسطينيين الواقعين تحت سيطرتها.

تقتضي خطورة المرحلة موقفًا فلسطينيًا موحدًا، وتحركًا عربيًا وإسلاميًا ودوليًا يتابع الوقائع باستمرار: حماية حرية العبادة والوصول إلى الأقصى، ورفض أي تغيير في وضعه، والمطالبة بوصول الجهات الحقوقية المختصة إلى الأسرى، وتوثيق التهديدات والانتهاكات ومساءلة المسؤولين عنها. الأقصى والأسرى في خطر فعلي، وحمايتهما تحتاج إلى إجراءات مستمرة تتجاوز بيانات الإدانة.

 

 * مركز حضارة للدراسات السياسية والاستيراتيجية