نيويورك-واثق نيوز-أكد أمين سر دولة حاضرة الفاتيكان أن حل الدولتين، القائم على حدود آمنة ومعترف بها دوليًا، هو السبيل الوحيد القابل للتطبيق نحو سلام عادل ودائم، مجددًا دعم الكرسي الرسولي للحقوق غير القابلة للتصرف للشعب الفلسطيني، وفي مقدمتها حقه في تقرير المصير وتطلعه المشروع إلى العيش بحرية وأمن وكرامة ضمن دولة مستقلة وذات سيادة.
جاء ذلك في كلمة ألقاها الكاردينال بييترو بارولين، في مدينة نيويورك، خلال الاجتماع الوزاري للتحالف العالمي من أجل تنفيذ حل الدولتين، على هامش أعمال الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة.
غزة.. ما تحقق «لا يزال غير كافٍ» ..
وأشار بارولين إلى إحراز بعض التقدم الدبلوماسي خلال العام الماضي باتجاه إنهاء النزاع في قطاع غزة، من خلال وقف إطلاق النار وعودة الرهائن والجهود الرامية إلى تسهيل إيصال المساعدات الإنسانية، مؤكدًا ضرورة الترحيب بأي تطور سياسي عادل وسلمي والعمل على ترسيخه. إلا أنه شدد على أن الواقع في غزة يظهر أن «ما تم إنجازه حتى الآن لا يزال غير كافٍ بشكل واضح»، في ظل استمرار أكثر من مليوني شخص في العيش في فقر مدقع وتعرضهم للهجمات العسكرية.
وقال: «الوضع لا يزال مأساويًا»، مشيرًا إلى أن تداعيات العنف والدمار المطول تواصل إلقاء عبئها الثقيل على السكان المدنيين، ولا سيما الأكثر ضعفًا، فيما يتحمل الأطفال «عبئًا لا ينبغي أبدًا أن يُتوقع من أي طفل أن يتحمله». ودعا في هذا السياق إلى حماية المدنيين، وضمان الاحترام الكامل للقانون الدولي الإنساني، وتأمين وصول المساعدات الإنسانية بصورة آمنة ومستدامة ومن دون عوائق.
إعادة إعمار غزة ليست بديلًا عن الحل السياسي ..
ورحّب الكرسي الرسولي بالجهود المبذولة لترسيخ وقف إطلاق النار ودفع عملية التعافي وإعادة إعمار غزة ووضع أسس لمستقبل أكثر استقرارًا، لكنه شدد على أن هذه الجهود لا يمكن فصلها عن السياق السياسي الأوسع.
وقال بارولين إن غزة يجب أن تُنظر إليها في إطار مستقبل الشعب الفلسطيني بأسره، مؤكدًا أن المساعدات الإنسانية وإعادة الإعمار لا يمكن أن تكونا بديلًا عن حل سياسي عادل ودائم. وفي هذا الإطار، أشار إلى «إعلان نيويورك» بوصفه أحد الأطر التي تترجم الالتزام طويل الأمد بحل الدولتين إلى خطوات ملموسة، مؤكدًا وضوح موقف الكرسي الرسولي في دعم هذا الحل.
الحفاظ على إمكانية قيام دولة فلسطينية ..
وشدد الكاردينال بارولين على أن التقدم الذي تحقق خلال العام الماضي ينبغي ألا يُنظر إليه بوصفه غاية في حد ذاته، وإنما أساسًا يمكن الانطلاق منه لإعادة بناء عملية سياسية حقيقية.
وأوضح أن ذلك يتطلب الحفاظ على الظروف الإقليمية والسياسية اللازمة لتحقيق الدولتين، وتعزيز المؤسسات الفلسطينية الشرعية، والامتناع عن الإجراءات التي تؤدي إلى مزيد من تجزئة الأراضي الفلسطينية أو تقوّض إمكانية قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة.
وفي هذا السياق، أعرب الكرسي الرسولي عن «قلق بالغ» إزاء القرار الأخير بتوسيع وإقامة مستوطنات جديدة، معتبرًا أن ذلك يقوّض بصورة إضافية إمكانية تحقيق حل الدولتين.
إدانة العنف ضد الجماعات المسيحية ..
كما أدان بشدة جميع أعمال العنف ضد الجماعات المسيحية التي تعيش في الأراضي الفلسطينية بالضفة الغربية، مؤكدًا أهمية الحفاظ على حضورها التاريخي. وأشار إلى أن هذه الجماعات تواصل أداء دور يسهم في الاعتدال والاستقرار، وفي تعزيز التعايش السلمي والثقة المتبادلة.
وأضاف أنه في زمن باتت فيه القوة تُعد، في كثير من الأحيان، شرطًا لتحقيق السلام، ينبغي لتجارب السنوات الأخيرة أن تذكّر العالم بأن «السلام الدائم لا يمكن فرضه بالقوة»، بل يتحقق من خلال الحوار واحترام القانون الدولي والالتزام الصادق بكرامة الشعبين الفلسطيني والإسرائيلي وتطلعاتهما المشروعة وأمنهما.
القدس ومكانتها الخاصة ..
وجدد تأكيد الكرسي الرسولي على الأهمية الخاصة لمدينة القدس، بوصفها مدينة مقدسة للمسيحيين واليهود والمسلمين، مكررًا دعوته المستمرة إلى وضع خاص للمدينة مضمون دوليًا، بما يصون طابعها الفريد ويحمي الأماكن المقدسة وحقوق أتباع الديانات التوحيدية الثلاث.
واختتم الكاردينال بارولين بالتأكيد أن المهمة المطروحة أمام المجتمع الدولي لا تقتصر على إدارة تداعيات النزاع، بل تتمثل في معالجة أسبابه الجذرية وتهيئة الظروف لسلام قادر على الاستمرار، معتبرًا أن المبادرات التي شهدها العام الماضي تتيح فرصة للتحرك في هذا الاتجاه، وقال: «يجب ألا تُفوَّت هذه الفرصة».

