محليات

مضافة فلسطين تدخل الجامعة

471 مشاهدة
مضافة فلسطين تدخل الجامعة

الكاتب : أحمد دخيل

في مخيم جرمانا، تضطر الأشياء الصغيرة لحمل أوزان كبيرة من الذاكرة. هنا، في بيت التراث الفلسطيني، يشمخ صاحبه الحاج أبو رائد كصفحة قديمة أبقت الريح عليها.
بيتٌ تفتح أبوابه للناس، فتخرج منه رائحة القهوة، وحكايات البلاد، وصور الأجداد، وأثواب النساء، ومفاتيح البيوت، وأدوات الحياة الأولى، لتمضي الحكاية أبعد من حدود المخيم، إلى طالب يجلس في جامعة أوروبية ويبحث عن فلسطين التي لم يرها بعينيه.
في مضافة فلسطين يصير التراث معنى يتجاوز حفظ الأشياء.
فالقطعة القديمة، حين تستعيد مكانها ضمن سياقها الإنساني، تصير شاهدًا. والثوب الفلسطيني يصبح لغة نسجتها أيدي النساء على امتداد السنين، تترسخ فيها أسماء الأمكنة وألوان الأرض وذاكرة المناسبات. والمفتاح القديم وراءه باب، والباب وراءه بيت، والبيت وراءه حياة كاملة، ليكثّف الحنين والغياب كل ذلك في كلمة واحدة: نكبة.
من هنا اكتسبت مضافة فلسطين في منزل الحاج أبو رائد قيمتها الخاصة. صارت مزارًا لطلاب المدارس وبراعم المخيم، وتجاوزت حدود المخيم لتكون مرجعًا يستعين به طلبة الجامعات، وخصوصًا في أوروبا، في إعداد مشاريع التخرج والبحوث والرسائل التي تتصل بالهوية الوطنية الفلسطينية، والذاكرة الشفوية، والتراث المادي وغير المادي.
يتواصل بعض هؤلاء الطلبة مع الحاج أبو رائد بحثًا عن الرواية، عن المفتاح ورمزيته في حياة الفلسطيني المبعد عن أرضه، وعن أسماء القرى والبلدات، وعادات أهلها، وتفاصيل حياتهم اليومية، وما بقي في الذاكرة من زمن سبق الاقتلاع. ولمّا أصبحت الذاكرة مصدرًا للبحث، غدت رواية رجل عاش للحكاية ذات قيمة لا تعوّضها الكتب وحدها.
وللبيت حكاية أخرى أكثر حميمية بالنسبة إليّ. فمن بين مقتنيات المضافة موروث ورقي لا يزال بحقيبته المعدنية، يعود إلى جدي المختار شحادة دخيل، مختار الزوق شمال إصبع الجليل، وهي من الأمانات التي استأمنت عائلتنا الحاج موسى أحمد علي عليها.
الحقيبة القديمة، في جوهرها، تكثيف لعلاقة الإنسان بأرضه ووثيقته واسمه ومكانه.
 التراث صامت لكن صوته أعلى من ضجيج المنابر. يقاوم النسيان، ويقف أمام محو المعنى الفلسطيني من المكان والزمان. فإذا حضرت مقتنيات بيت صغير في مخيم ضمن بحث جامعي في جامعة أوروبية، دخلت فلسطين قاعة الدرس من باب آخر: باب المعرفة والبحث والتوثيق.
ولعل أجمل ما في بيت الحاج أبو رائد أن وظيفته تجاوزت حدود المتحف. فالمضافة، في الوعي الفلسطيني، مكان للناس قبل أن تكون مكانًا للأشياء، فيها تُصان الكرامة، وتُستعاد الحكاية، وتجلس الأجيال إلى جوار بعضها. ولذلك تحولت هذه المضافة إلى مساحة تلتقي فيها الذاكرة الشفوية بالوثيقة، والقديم بالجديد، وجيل النكبة بأبناء المخيم والطلبة القادمين من شتات المنافي.
والحاج أبو رائد نفسه جزء من هذه الحكاية. فهو معروف في سوريا رجلَ إصلاح، حاضرًا في قضايا الناس، يسعى إلى جمع الكلمة وإطفاء أسباب الخلاف. وقد منحه هذا الدور الاجتماعي صلة واسعة بالناس وثقة جعلت مضافته مكانًا يأوي إليه المختلفون قبل المتفقين. ولعل التراث، في أعمق معانيه، هو هذا أيضًا: أن يبقى الإنسان قادرًا على بناء الجسور لمّا علت الجدران، وتضاعفت مساحة الحنين.
فالإنسان يُؤتمن على الأشياء فترة من الزمن. نحن نمضي، وتبقى الأمانة. يرحل حامل المفتاح ويبقى المفتاح، ويغادر صاحب الحقيبة وتبقى الحقيبة شاهدة على يده، ويغيب أهل القرية وأسماء البساتين تظل قابعةً في ذاكرة من عرفوها ونقلوها. يبدو أن التراث هو الطريقة التي يقول بها الزمن للإنسان: إنك راحل، لكن ما حفظته بأمانة قد يمنح المارّة بعدك طريقًا إلى التجلي.
لهذا يصبح حفظ التراث فعلًا وطنيًا وثقافيًا وأخلاقيًا في آن معًا. فإذا وصل صوت المضافة إلى الجامعات الأوروبية، واستند طالب في بحثه إلى رواية سمعها من رجل فلسطيني في مخيم جرمانا، فهذا يعني أن المسافة بين المخيم وصروح العلم انكمشت، وصارت فلسطين أقرب.
هناك، في بيت متواضع، تجلس الذاكرة على عرشها القديم، تصب القهوة للغرباء، ثم تفتح لهم صندوقها.
ومن عرف كيف يصغي للرواية، لا بد له أن يجد فلسطين في الداخل.