ترجمة - واثق نيوز- يتوقع أن تتصاعد مسيرة الأعلام في القدس، وهي نفس استعراض القوة والعنف والكراهية والعنصرية الذي يقام كل سنة ضمن احتفالات “يوم الاحتلال”، في هذه السنة. فبدلاً من المرور عبر باب الخليل (للنساء) وباب العامود (للرجال) مباشرة إلى قلب الحي الإسلامي، يسعى المنظمون إلى إضافة مسيرات أخرى عبر باب الساهرة وباب الأسباط. تحاول الشرطة وبلدية القدس التغطية على انتشار العنف بشعار “توزيع تحمل العبء”. ولكن ذلك ليس سوى عرض آخر، وربما ليس الأسوأ، لتوسع نظام القمع والهيمنة المتجذر بين البحر والنهر.
ما يحدث في القدس يملي وينبئ بما سيحدث في كل المنطقة. ولهذا السبب،يجب النظر مباشرة إلى واقع القدس، وليس إلى رفع الأعلام ومسيرة الكراهية، بل إلى روتين الحياة: تدار القدس كمدينة فصل عنصري – مدينة تعيش فيها مجموعتان سكانيتان معاً، لكل منهما مجموعة من الحقوق – ليس فقط بحكم الواقع، بل أيضاً بحكم القانون. ويبدو أنه من الضروري الإشارة إلى أن 40 في المئة من سكان عاصمة إسرائيل هم من العرب الذين لديهم إقامة دائمة، وليسوا مواطنين في أي دولة أخرى في العالم. وللحفاظ على هذا الوضع الهش، يجبرون على أن يثبتوا للسلطات الإسرائيلية صبح مساء بأن هذه المدينة هي محور حياتهم، في دوامة بيروقراطية لا نهائية تنغص حياتهم، هدفها إجبارهم على الرحيل. بالنسبة للفلسطينيين المقدسيين، لا تتعلق مسألة البقاء في القدس أو البحث عن بدائل بتفضيل شخصي أو كلفة عيش أو حب المدينة، بل على خطر فقدان وضعهم المدني الفريد، وهو وضع جزئي ومعيب.
مع ذلك، للحياة اليومية تأثيرها الخاص. فكل من يعيش في القدس يعرف بأنها مدينة مختلطة، يعيش فيها اليهود من علمانيين ومتدينين وحريديم، والفلسطينيون الذين أصبحوا جزءاً لا يتجزأ من اقتصاد المدينة في العقود الأخيرة؛ فهم سائقو وسائل النقل العام في المدينة، والباعة في التجمعات التجارية، والأطباء والممرضون الذين يعالجون المرضى في المستشفيات والعيادات، ويشغلون معظم الوظائف الأساسية الأخرى. النتيجة التي يحصلون عليها هي نقص مزمن في السكن، الذي يتفاقم بسبب هدم البيوت، ويعيشون في أحياء تعاني بنيتها التحتية من حالة يرثى لها، وتكاد تخلو من المباني العامة والمساحات المفتوحة والملاجئ والخدمات الأساسية، أولادهم مكتظون في مدارس ينقصها الصفوف والمعلمون، أو يتم استبعادهم تماماً من جهاز التعليم، ومؤسساتهم الثقافة تتعرض لهجمات متكررة، ومؤخراً يتم طردهم جماعياً من بيوتهم لإفساح المجال للمستوطنين. كل ذلك دون أن يتمتعوا بحقهم الأساسي في المشاركة في الحكم أو تقرير كيفية إدارة شؤون حياتهم.
إن تحليل العوامل التي أدت إلى سقوط نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا تشير إلى أن الديناميكية الحضرية، التي في القدس، لعبت دوراًمهماً في إحداث شرخ فيه. المدينة ليست فضاء معزولاً، حيث يمكن للمرء أن يتظاهر بأن الآخر غير موجود، بل هي فضاء للاختلاط والتقارب وأيضاًالاحتكاك. لذلك، بدلاً من النظر إلى الفلسطينيين كعدو يتم تجاهله في أفضل الحالات ويتم استئصاله في أسوأ الحالات، يجب على الرأي العام الذي يعتبر نفسه ليبرالياً أن يتبنى واقع المدينة ثنائي القومية، ليس بدافع الضرورة فقط، بل كشرط أساسي لتطورها وازدهارها. ولتحقيق ذلك، علينا التوقف عن ترسيخ نظام القمع والسيطرة، والتفكير في كيفية بناء حياة مشتركة تقوم على الشراكة والمساواة في القدس وفي كل مكان.
ميخال بريار
هآرتس 13/5/2026



