محليات

عضو "ثوري فتح" سلوى هديب ترسم مسار ما بعد نيويورك: تحويل خطاب الرئيس إلى برنامج عمل وتفعيل الدبلوماسية الحزبية

3 مشاهدة قراءة 14 دقيقة

رام الله - واثق نيوز - أكدت عضو المجلس الثوري لحركة "فتح"، و عضو الامانة العامة للمؤتمر الوطني الشعبي للقدس سلوى هديب، أن خطاب الرئيس محمود عباس أمام الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة لا يمثل مجرد مناسبة دبلوماسية سنوية، بل يؤسس لمرحلة سياسية فارقة في تاريخ القضية الوطنية، داعيةً إلى ترجمة مضامينه ورسائله إلى برنامج عمل ميداني ودبلوماسي تقوده الحركة وقواها الحية على المستويين الوطني والدولي.
كيف لنا أن نتناول خطاب الرئيس محمود عباس أمام الدورة الحادية والثمانين ال 81 للجمعية العامة للأمم المتحدة، ليس فقط باعتباره خطابًا دبلوماسيًا سنويًا، وإنما باعتباره خطابًا سياسيًا جاء في لحظة شديدة الحساسية من تاريخ قضيتنا الوطنية، وفي ظل تحولات إقليمية ودولية عميقة.

وأعتقد أن السؤال الأهم ليس فقط: ماذا قال الرئيس في نيويورك؟
بل: ماذا تعني رسائل الخطاب؟ وما الذي ينبغي أن نفعله نحن كحركة فتح، وكحركة وطنية، بعد هذا الخطاب؟

أولًا: فلسطين حاضرة رغم محاولة تغييبها

أولى دلالات الخطاب أن فلسطين حضرت في الجمعية العامة للأمم المتحدة، رغم عدم تمكّن الرئيس من الحضور شخصيًا بسبب عدم حصول الوفد الفلسطيني على تأشيرات دخول إلى الولايات المتحدة، بعد أن صوّتت الجمعية العامة بأغلبية 152 دولة لصالح السماح للرئيس والمسؤولين الفلسطينيين بالمشاركة عبر الاتصال المرئي.

وهنا لا بد من التوقف أمام المعنى السياسي:

غياب الجسد الفلسطيني عن نيويورك لم يغيّب صوت فلسطين عن المنبر الدولي.

بل إن الظرف نفسه أصبح جزءًا من الرسالة السياسية المتعلقة بمكانة فلسطين وحقها في المشاركة في النظام الدولي.

ثانيًا: الانتقال من إدارة الصراع إلى إنهائه

أبرز ما أراه في الخطاب هو إعادة التأكيد على أن المرحلة لا تحتمل العودة إلى مفاوضات مفتوحة بلا سقف زمني ولا هدف واضح.

الرئيس قال بوضوح:

«لا نريد عملية جديدة لإدارة الصراع بينما تتغير الأرض كل يوم، نريد عملية تُنهي الاحتلال».

وهذه ليست مجرد عبارة تفاوضية؛ بل هي تحديد لهدف العملية السياسية.

فالمطلوب، وفق رؤية الخطاب، ليس إدارة الاحتلال، ولا إدارة الأزمة، ولا شراء المزيد من الوقت، وإنما الوصول إلى نتيجة سياسية واضحة: إنهاء الاحتلال وتجسيد حق الشعب الفلسطيني في الحرية وتقرير المصير والدولة.

ثالثًا: معركة البقاء أصبحت في قلب المشروع الوطني

من اللافت أن الخطاب وضع مسألة التهجير في موقع مركزي.

فالرئيس أكد:

«لن نغادر وطننا، ولن نقبل بالتهجير، ولن نسمح لأحد أن يقرر مستقبلنا نيابة عنا».

وهنا أعتقد أن مفهوم الصمود لم يعد مجرد شعار سياسي؛ بل أصبح عنصرًا من عناصر حماية المشروع الوطني نفسه.

فالحفاظ على الإنسان الفلسطيني في أرضه، وحماية الأرض من المصادرة والضم والاستيطان، والحفاظ على وحدة الجغرافيا الفلسطينية، كلها أصبحت متطلبات سياسية مباشرة للحفاظ على إمكانية قيام الدولة.

رابعًا: غزة والضفة والقدس في إطار وطني واحد

من النقاط المهمة في الخطاب رفض التعامل مع غزة باعتبارها قضية منفصلة.

فالرؤية التي طُرحت تؤكد وحدة الأرض الفلسطينية، وتربط غزة بالضفة الغربية والقدس الشرقية في إطار الدولة الفلسطينية الواحدة.

وهذا يتقاطع مع ما أكده الرئيس أمام المجلس الثوري قبل أيام، من رفض فصل غزة عن الضفة والقدس، ومن ضرورة أن تكون الترتيبات الانتقالية مؤقتة وألا تتحول إلى بديل عن الشرعية والمؤسسات الفلسطينية.

ومن هنا، فإن وحدة الأرض ووحدة الشعب ووحدة القرار السياسي ليست مسائل تنظيمية فقط، بل هي في جوهرها معركة على شكل الدولة الفلسطينية ومستقبلها.

خامسًا: القدس ليست ملفًا تفاوضيًا عابرًا

بالنسبة لنا، نحن أبناء القدس، تكتسب الإشارة إلى القدس الشرقية باعتبارها عاصمة الدولة الفلسطينية أهمية خاصة.

فالخطاب أعاد تثبيت القدس الشرقية ضمن الرؤية السياسية للدولة الفلسطينية، إلى جانب التأكيد على حماية المقدسات والوضع التاريخي والقانوني فيها.

وهذا يعني أن حماية القدس لا ينبغي أن تبقى مسؤولية دبلوماسية فقط؛ بل تحتاج إلى عمل سياسي وقانوني وإعلامي وحزبي وشعبي دولي متواصل.

وهنا تحديدًا أرى مساحة واسعة أمام لجنة العلاقات الخارجية.

سادسًا: الإصلاح وتجديد الشرعية جزء من المشروع السياسي

الرسالة المهمة الأخرى هي أن المشروع الوطني لا يُبنى فقط في مواجهة الاحتلال، وإنما أيضًا من خلال بناء مؤسسات فلسطينية ديمقراطية وقادرة وذات شرعية متجددة.

وقد أشار الرئيس إلى تجديد المؤسسات ديمقراطيًا، وإلى الانتخابات والإصلاح، باعتبارها جزءًا من المشروع الوطني.

وفي خطابه أمام المجلس الثوري، وصف الرئيس الانتخابات بأنها ليست مجرد استحقاق إجرائي، بل «معركة سياسية وديمقراطية» لتأكيد وحدة الشعب والأرض وتجديد المؤسسات.

وهذه نقطة ينبغي أن نلتقطها جيدًا:

كلما تحدثنا عن الدولة، يجب أن نتحدث في الوقت نفسه عن مؤسساتها، وشرعيتها، وديمقراطيتها، وقدرتها على تمثيل شعبها.

سابعًا: الرسالة إلى المجتمع الدولي أصبحت أكثر وضوحًا

الخطاب لم يكتفِ بمطالبة المجتمع الدولي بالتضامن مع الشعب الفلسطيني، وإنما طالب بتحويل المواقف والاعترافات والقرارات الدولية إلى خطوات عملية.

وقد أشار الرئيس إلى أن عدد الدول التي اعترفت بدولة فلسطين بلغ 160 دولة، ودعا الدول الأخرى إلى الاعتراف، كما دعا إلى العضوية الكاملة لدولة فلسطين في الأمم المتحدة.

وهنا تبرز مسؤولية الدبلوماسية الفلسطينية والحزبية معًا:

الاعتراف الدولي يجب ألا يبقى عنوانًا رمزيًا، بل يتحول إلى قوة سياسية وقانونية تضغط باتجاه إنهاء الاحتلال وتجسيد الدولة.

───

ثامنًا: ماذا يعني الخطاب لحركة فتح؟

وهنا أصل إلى النقطة التي أراها الأهم بالنسبة لنا.

إن خطاب الرئيس يضع أمام حركة فتح مجموعة من المهام السياسية والتنظيمية والدبلوماسية:

أولًا: تحويل الحضور الدولي إلى شبكة علاقات سياسية مستدامة.

لم يعد كافيًا أن تتحرك الدبلوماسية الرسمية وحدها.

علينا أن نعمل مع الأحزاب والبرلمانات ومراكز الفكر ومنظمات المجتمع المدني والنقابات والاتحادات النسوية والشبابية حول العالم.

ثانيًا: إعادة تعريف العلاقات الحزبية باعتبارها جزءًا من حماية المشروع الوطني.

فالحزب الصديق اليوم قد يكون شريكًا في البرلمان غدًا، أو في الحكومة، أو في صناعة القرار الأوروبي أو الآسيوي أو اللاتيني.

لذلك يجب ألا تكون علاقاتنا الحزبية علاقات مناسبات، وإنما علاقات مؤسسية طويلة المدى، تقوم على ملفات مشتركة ومصالح متبادلة.

ثالثًا: وضع القدس في مقدمة أجندة العلاقات الدولية.

نحن بحاجة إلى ملف دولي متكامل عن القدس:
الأرض، السكان، التعليم، الاقتصاد، المقدسات، المرأة، الشباب، الثقافة، والهوية.

رابعًا: مخاطبة الرأي العام العالمي بلغة جديدة.

القضية الفلسطينية تحتاج إلى سردية سياسية وإنسانية وقانونية تصل إلى الأجيال الجديدة في العالم، وخاصة الشباب والنساء.

خامسًا: ربط الاعتراف بالدولة بالخطوة التالية.

السؤال لم يعد فقط: من يعترف بفلسطين؟

بل: ماذا سيفعل هذا الاعتراف على أرض الواقع؟

وهنا يأتي دورنا في بناء أجندة سياسية مع الأحزاب الصديقة للدفع باتجاه إجراءات عملية: الاعتراف، المقاطعة القانونية للاحتلال والاستيطان، دعم المؤسسات الفلسطينية، حماية القدس، ومساندة حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره.

───

تاسعًا: ما بعد خطاب نيويورك؟

أعتقد أن الخطاب يضع أمامنا معادلة واضحة:

الصمود في الداخل + الوحدة الوطنية + تجديد الشرعية + الدبلوماسية الدولية + العلاقات الحزبية + القانون الدولي = حماية المشروع الوطني.

ولا ينبغي أن نسمح بأن تتحول المرحلة الانتقالية أو الترتيبات الدولية إلى حالة دائمة تُبقي الشعب الفلسطيني خارج دائرة القرار.

فالهدف النهائي يجب أن يبقى واضحًا:

دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة، متصلة جغرافيًا، عاصمتها القدس الشرقية، إلى جانب دولة إسرائيل، في إطار سلام عادل قائم على الشرعية الدولية.

───

عاشرًا وأخيرًا: الرسالة التي أرى أن علينا نحن في فتح أن نلتقطها

إن خطاب الرئيس أمام الأمم المتحدة لا ينبغي أن ينتهي بانتهاء التصفيق في القاعة.

الخطاب يجب أن يتحول إلى برنامج عمل.

ومن هنا أقترح أن تتحول لجنة العلاقات الخارجية إلى ذراع سياسية دولية أكثر فاعلية في المرحلة المقبلة، من خلال:

1. إعداد خريطة للأحزاب والقوى السياسية الصديقة والمؤثرة عالميًا.
2. بناء ملفات علاقات ثنائية مع الأحزاب والبرلمانات.
3. تشكيل مجموعات عمل متخصصة للقدس وغزة والاعتراف بالدولة والاستيطان.
4. إطلاق حوار سياسي منتظم مع الأحزاب الاشتراكية والديمقراطية والليبرالية والتقدمية والأحزاب العربية والإسلامية والآسيوية والأفريقية واللاتينية، كل وفق خصوصيته.
5. إشراك النساء والشباب في الدبلوماسية الحزبية الفلسطينية.
6. تحويل المناسبات الدولية إلى فرص سياسية لبناء التحالفات.
7. إعداد رسائل سياسية موحدة وقابلة للتكييف بحسب كل دولة وحزب.
8. الانتقال من رد الفعل إلى المبادرة السياسية.

وفي تقديري، فإن المعركة السياسية القادمة لن تكون فقط معركة الاعتراف بفلسطين، فقد قطعت فلسطين شوطًا مهمًا في هذا المجال، وإنما ستكون معركة تحويل الاعتراف إلى نفوذ سياسي وقانوني قادر على حماية الأرض والشعب وتجسيد الدولة.

وفي الختام، أقول:

إن فلسطين اليوم لا تحتاج فقط إلى من يتحدث باسمها، بل تحتاج إلى شبكة واسعة من الأصدقاء والشركاء الذين يعرفون قضيتها، ويدافعون عن حقوقها، ويملكون القدرة على التأثير في القرار السياسي في بلدانهم.

وهنا تقع مسؤولية كبيرة على حركة فتح، وعلى لجنة العلاقات الخارجية تحديدًا.

فإذا كانت فلسطين قد نجحت خلال العقود الماضية في الوصول بقضيتها إلى كل عواصم العالم، فإن مسؤوليتنا اليوم أن ننتقل من حشد التعاطف إلى بناء الشراكات، ومن شرح القضية إلى صناعة التأثير، ومن الدفاع عن الحقوق إلى ترجمتها سياسيًا وقانونيًا.

فلسطين لن تغادر أرضها، والقدس ستبقى في قلب مشروعها الوطني، والقرار الفلسطيني يجب أن يبقى فلسطينيًا، والهدف النهائي هو الحرية والاستقلال والدولة والسلام العادل.