ثقافة

‏قراءة في المجموعة القصصية «رسائل الفِرّ» للكاتب والمؤرخ حسام أبو النصر

14 مشاهدة قراءة 8 دقيقة

الكاتب : هيثم جابر 
 *شاعر واديب
‏
‏عندما تقرأ كاتبًا، فإننا نقرأ الظروف المحيطة التي كتب فيها الكاتب مولوده الأدبي؛ لأنه، وبرأيي، حين يكتب الكاتب، يكتب من واقعه الذي يحياه ويعيشه، ولا يكتب من برج عاجي.

‏والكاتب حسام أبو النصر ، واسمه الحقيقي «عبد الحميد محمود أبو ناصر»، كتب الواقع الذي عاشه وعاشه بنفسه بكل آماله وآلامه. فالكاتب الذي هُجّرت عائلته من قرية دير سنيد عام 1948، وأقيمت على أنقاضها مستوطنة «يد مردخاي»، عاشت عائلته اللجوء منذ الصغر، ليولد الكاتب والمؤرخ حسام في الجزائر، ويتلقى تعليمه الأساسي والمتوسط هناك، ثم درس الأدب العربي واللغة الفرنسية في جامعة سطيف الجزائرية، ثم يعود إلى فلسطين بعد إنشاء السلطة الفلسطينية، ويكمل دراسته العليا في التاريخ في معهد البحوث العربية في القاهرة، ويَسيح في بقاع الأرض، إما دارسًا وإما مهاجرًا، الأمر الذي أكسبه العديد من التجارب، وليصبح من المؤرخين الفلسطينيين المعروفين.
‏
‏لكن ليس هذا وحسب؛ فحسام أبو النصر، الذي حطّت رحاله في غزة بالقرب من قريته المهاجرة دير سنيد، عاش ويلات الحروب في غزة في العام 2008 والعام 2014، والعديد من جولات الحروب القصيرة التي فُرضت على هذا الجزء المكلوم من الوطن. انتقل بعدها إلى الضفة في العام 2016، وبعد عشر سنوات لحقت به عائلته، باستثناء ابنته نور التي بقيت في غزة حتى اللحظة.
‏
‏داهمت حرب الإبادة حسام هنا في الضفة، لكن الحرب لاحقته حتى الضفة؛ فقد فقد أكثر من 200 فرد من عائلته دفعة واحدة، وعاش مرارة الفقد ومرارة البعد عن الأهل والأحبة، لتولد المجموعة القصصية «رسائل الفِرّ».
‏
‏ذلك الطائر الذي كان معشوق الغزيين في أكتوبر؛ كان هذا الطائر يظهر في غزة في أواخر أيلول وأول أكتوبر، يحمل معه التغريد والنشيد والأغاني. إذن، لم يكن اسم المجموعة القصصية عبثيًا، بل كان مقصودًا. في كل مرة كان يأتي طائر الفِرّ إلى غزة، كان ينقل الفرح والأمل معه في أكتوبر، وكان يحلّق في فضائها فرحًا ببحرها وسمائها وبيارات الشمال في بيت حانون.
‏
‏طائر الفِرّ أتى هذه المرة إلى غزة في أكتوبر عام 2023، فوجد غزة تُذبح، ووجد الحجر والبشر يُحرقون بأسلحة حضارة هذا العالم المجرم الساكت على الجريمة. لكن حسام قرر أن يمسك بهذا الطائر ليرسل رسائله إلى عالم جفّت ضمائره أمام أشلاء الأطفال والنساء العُزّل.
‏
‏كان طائر الفِرّ حزينًا في ذلك العام؛ لم يرَ بيارات بيت حانون، ولم يتذوق توت بيت لاهيا؛ لأنها اختفت عن الوجود. لم يرَ إلا دخانًا وجثثًا تحترق، ودخانًا أسود يخترق السماء والمساء.
‏
‏ثم بدأ حسام يوثّق الحدث، ويكتب غزة بأسلوب أدبي جميل، وإن طغى على كتابته الأدبية أسلوب التوثيق التاريخي، كونه مؤرخًا، وجلّ مؤلفاته وعمله في التاريخ، إلا أن الكتاب بقي وظل ضمن دائرة الأدب ولم يخرج عنها، بل استخدم الكاتب تقنيات جديدة، مثل قصة «الحبر السري» ص(63).
‏
‏فقد كتب الكاتب بخط عريض وواضح إلى صديقه رضوان رسالة عادية يطمئنه فيها عن أحواله، بينما كتب بخط رفيع فاتح، كأنه يكتب بالحبر السري، إلى العالم المجرم وإلى مجلس الأمن رسالة سياسية يطلعهم فيها على ما وصلت إليه غزة من قتل وتشريد وحصار وجوع. وهذه تقنية رائعة من اختراع الكاتب الساخر حسام أبو النصر.
‏
‏أيضًا كتب حسام في رسائله ص(127) «كلمات متقاطعة»، حيث طرح أسئلة تلخص الدمار والخراب والقتل والتشريد بأسلوب الكلمات المتقاطعة والساخر كذلك، ليجد القارئ الإجابة عليها في الصفحات التي تليها، على صفحات معكوسة تمامًا، بحيث يقلب القارئ الكتاب ليتمكن من قراءة الإجابة. وهنا تتداخل السخرية مع الألم والجرح والفقد بأسلوب جديد أتقنه الكاتب، ليثير الدهشة والصدمة في عقل القارئ.
‏
‏وهذا هو الكاتب الناجح والأديب المبدع؛ ليس مهمًّا أن تكتب أدبًا أو تكتب شعرًا، لا قيمة للنص إذا لم يُحدث الدهشة عند القارئ، لكن حسام أدهشنا بهذا الكتاب الأدبي الرائع.
‏
‏لكن، أثناء حفل إشهار الكتاب، طرح العديد من الكتاب أسئلة: من يجوز له أن يكتب عن غزة؟ هناك من قال إن كتاب غزة الموجودون فيها أحق بالكتابة عنها؛ لأنهم وحدهم قادرون على التعبير عن الألم والفقد والدمار والخراب الذي لحق بغزة؛ لأنهم عاشوها ولا زالوا يعيشونها. وهذا يفسر استنكاف بعض الكتاب عن الكتابة عن غزة، خاصة من يحملون وجهة النظر هذه.
‏
‏لكن أنا، في اعتقادي، أن أي كاتب يستطيع أن يكتب مأساة أي شعب في العالم؛ لأن العالم قرية صغيرة. المهم أن يشعر الكاتب بهؤلاء الناس ويحس بمشاعرهم وأحاسيسهم. ونحن في الضفة لسنا في كوكب المريخ؛ نحن نعيش غزة كل يوم، نرى ونشاهد ونتألم. لذلك أعتقد أنه من حق أي أحد أن يكتب عن الألم؛ نحن أصحابه، وهذا ما أنجزه أيضًا كاتب بحجم الأخ عيسى قراقع حين أنجز كتابه «الكتابة بين الجثث»، وأبدع فيه، وعبّر خير تعبير عن غزة وآلامها وجراحها.
‏
‏وهناك من نصح الكاتب ألا يقتحم حقل الأدب، وأن يبقى في حقل التاريخ؛ لأن المجموعة القصصية يغلب عليها الطابع التوثيقي. لكن أعتقد أن الكتاب أدبي بامتياز، ولا يغيب عن الكاتب تأثره بأسلوب الكتابة التاريخية. أصلًا، التاريخ حاضر في كل حياتنا وفي كل المجالات العلمية والأدبية؛ فهناك ما يُعرف بتاريخ الأدب الحديث، وتاريخ الإسلام، وتاريخ الطب، وتاريخ الفيزياء.
‏
‏حياتنا وعلومنا، الإنسانية والطبيعية، يحيط بها التاريخ من كل جانب، ولا يضير الكاتب والأديب حسام أبو النصر تأثره بأسلوب التوثيق التاريخي. وإذا لم يوثّق الكاتب الحدث والجريمة بأسلوبه الأدبي الخاص به، إذن من سيوثّقها ومن سيكتبها مستقبلًا؟
‏
‏بقي أن نقول إن حسام نقل القصة نقلة نوعية حين كتبها بهذا الأسلوب، وحين وثّق المأساة بأسلوبه الخاص، وله الحق في ذلك.
‏
‏تهانينا للكاتب الكبير حسام أبو النصر ، ومزيدًا من الإبداع والتقدم، تاريخًا وأدبًا.