آراء

غرينلاند في قلب الصراع القطبي: أميركا تبني «عيناً استراتيجية» على روسيا والصين

4 مشاهدة قراءة 12 دقيقة

 

الكاتب : البروفسور حسين الديك
لا تكمن القيمة الاستراتيجية لجزيرة غرينلاند، من منظور الدفاع القاري الأميركي، في نشر أعداد كبيرة من القوات بقدر ما تكمن في موقعها الجغرافي باعتبارها محطة إنذار واستشعار متقدمة تقع بين الاتجاهات القطبية وأمريكا الشمالية.
هذا الدور قائم بالفعل، بتقديري، عبر قاعدة "بيوتفيك" الفضائية الموجودة في الجزيرة، والتي تشكل جزءاً مهماً من منظومة الإنذار المبكر والدفاع عن أجواء الولايات المتحدة وكندا.
ووفقاً للمنظور الأميركي، يمكن أن تأتي التهديدات من أوروبا أو روسيا عبر القطب الشمالي والمحيط المتجمد الشمالي، ولذلك فإن وجود محطة استشعار في غرينلاند يسمح باكتشاف بعض التهديدات في مرحلة مبكرة جداً، والقاعدة هنا بسيطة: كلما اقترب المستشعر من اتجاه التهديد، اتسعت نافذة الإنذار المتاحة أمام القيادة لاتخاذ القرار. وبالتالي، فإن الرادارات الموجودة في الجزيرة لا تعني بالضرورة اعتراض الصواريخ فوق غرينلاند، وإنما تتمثل وظيفتها الأساسية في الاستكشاف والتتبع وتحديد طبيعة التهديد وإرسال البيانات ودعم قرار الدفاع.
وتزداد هذه الأهمية مع تطور الصواريخ وازدياد سرعتها وتعقيدها، إذ تصبح الثواني والدقائق الإضافية التي يوفرها الإنذار المبكر ذات قيمة استراتيجية كبيرة، ومن هنا تأتي الدعوات إلى تحديث رادار "بيوتفيك" وتطوير قدراته لمواكبة أجيال الصواريخ الحديثة. 
كما يمكن أن ترتبط منظومة الإنذار بالسيطرة الجوية والرصد المبكر وقدرة نشر طائرات الاستطلاع من مواقع متقدمة، بما يعزز منظومة الدفاع الصاروخي والردع الأميركي في أمريكا الشمالية.
لكن من المهم، في المقابل، عدم الخلط بين الأمن والسيادة، إذ إن الأدق في وصف المعادلة هو القول إن الأمر يتعلق بالأمن مقابل نقل جزء من صلاحيات القرار العسكري، وليس الأمن مقابل السيادة، لأن الاتفاق المعلن حتى الآن لا ينقل السيادة على غرينلاند إلى الولايات المتحدة، كما أن نص الاتفاق الكامل لم يُنشر، ولم يستكمل بعد الإجراءات البرلمانية المطلوبة في الدنمارك وغرينلاند، ولذلك يجب التمييز بين التصريحات السياسية وما هو مؤكد في الوثائق النهائية.
ولا توجد، حتى الآن، أرقام منشورة تحدد بصورة واضحة من سيتحمل تكاليف المنشآت الجديدة أو تشغيلها أو توسعتها، وقد يكون المقابل المالي لحقوق الوصول والتمركز صفراً أو شبه صفر بالنسبة إلى الدنمارك وغرينلاند، لكن ذلك لا يعني أن بناء المنشآت وتشغيلها لن يكلف وزارة الدفاع الأميركية. 
كما أن واشنطن تمتلك منذ عقود قاعدة "بيوتفيك"، فيما يمنح اتفاق عام 1951 الولايات المتحدة حقوقاً واسعة في التموضع والتحليق واستخدام المنشآت العسكرية والمدنية في غرينلاند؛ ولذلك قد يكون جزء من الترتيب الجديد تثبيتاً أو توسيعاً لحقوق قائمة أصلاً.
أما تمويل البنية التحتية، فقد تحدث ترامب عن استثمارات أميركية مع سكان غرينلاند في التطوير والبناء، لكن صيغة التمويل لم تُعلن بصورة واضحة، ولذلك لا يمكن الجزم بأن التكاليف ستتحملها واشنطن وحدها أو كوبنهاغن أو غرينلاند أو مزيج من هذه الأطراف.
في جوهر الأمر، تحصل الولايات المتحدة، وفق ما أعلنته واشنطن، على حقوق واسعة ودائمة في الوصول والتمركز والتحليق وإمكانية توسيع المنشآت العسكرية، إلى جانب دور أميركي حاسم في منع خصومها من إقامة وجود عسكري أو تنفيذ استثمارات اقتصادية حساسة في الجزيرة.
وهنا يتداخل البعد الأميركي مع منظومة الأمن الأطلسي، فغرينلاند جزء من مملكة الدنمارك، والدنمارك عضو في حلف الناتو، كما أصبح القطب الشمالي أولوية متزايدة للحلف. 
لذلك يصعب فصل أمن غرينلاند عن الأمن الجماعي للناتو، خصوصاً أن موقع الجزيرة يقع على الممرات الاستراتيجية بين أمريكا الشمالية وأوروبا، ويمكن أن يعزز الإنذار والمراقبة والوجود الجوي والبحري وحماية خطوط الاتصال عبر شمال الأطلسي.
لكن الاتفاق يحمل في الوقت نفسه بعداً أميركياً خاصاً، إذ يمنح واشنطن حقوقاً أمنية وعسكرية مميزة، وهنا تظهر مسألة سياسية واستراتيجية مهمة: هل ستبقى القدرات الجديدة جزءاً من الأمن الأطلسي الجماعي، أم تتجه نحو "أمركة" أمن القطب الشمالي بحيث يصبح الأمن فيه أميركياً بالدرجة الأولى؟ هذه من أبرز علامات الاستفهام التي تفرضها الصيغة الجديدة.
أما بالنسبة إلى روسيا والصين، فإن الاتفاق يتجاوز أهمية غرينلاند ذاتها، ويعكس، وفق المنظور الأميركي، انتقال واشنطن إلى سياسة أكثر صراحة في منع الخصوم من اكتساب موطئ قدم استراتيجي في الجزيرة، سواء من خلال وجود عسكري أو استثمارات اقتصادية حساسة.
روسيا هي الطرف الذي يمكن أن يتأثر عسكرياً بصورة أوضح، فالقطب الشمالي، ولا سيما شبه جزيرة كولا، يمثل مركزاً بالغ الأهمية للقوات النووية والأسطول الشمالي الروسي، ومنفذاً استراتيجياً إلى شمال الأطلسي، ومن ثم فإن زيادة الوجود الأميركي في غرينلاند قد تدفع موسكو إلى تعزيز دفاعاتها الجوية والصاروخية، وتكثيف المراقبة والاستطلاع في بحر بارنتس وبحر غرينلاند والممرات المؤدية إلى شمال الأطلسي، وتعزيز حماية الممر البحري الشمالي والمنشآت الروسية المرتبطة به، فضلاً عن زيادة النشاط البحري والجوي وإعادة تأهيل القواعد والمنشآت العسكرية في القطب الشمالي.
وبذلك تريد واشنطن جعل غرينلاند حاجزاً أمام التمدد الروسي، فيما قد تنظر موسكو إلى الوجود الأميركي المتزايد باعتباره سبباً إضافياً لتعزيز ترسانتها في الشمال.
أما الصين، فالتأثير عليها سيكون أقل عسكرياً وأكثر جيو-اقتصادياً؛ فالنشاط الصيني في القطب الشمالي يتركز، وفق هذا التصور، في البحث العلمي والموارد والبنية التحتية والطاقة والمعادن، مع إمكانية التعاون مع روسيا والدنمارك. 
ومنع الاستثمارات الحساسة في غرينلاند يستهدف تحديداً أدوات بناء النفوذ الصيني طويل الأمد، وقد يدفع بكين إلى زيادة الشراكة مع روسيا، وتعزيز حضورها غير العسكري في الأبحاث القطبية والأقمار الصناعية والنقل البحري والطاقة والمعادن، بما قد يزيد أيضاً من أهمية التعاون الروسي الصيني.
ومن الناحية العملية، لا تزال قائمة المنشآت الجديدة غير معلنة بالتفصيل، والأرجح أن يكون توسيع منظومة الإنذار المبكر أحد المسارات الأساسية، من خلال تحديث الرادارات القائمة وإضافة مستشعرات ورادارات بعيدة المدى وتعزيز تتبع الأقمار الصناعية والأجسام الفضائية وربط المنظومة بصورة أكبر بشبكات الدفاع الأميركية. 
وقد يشمل ذلك أيضاً تطوير منشآت جوية ولوجستية لاستقبال الطائرات وتنفيذ دوريات طويلة المدى، وأجهزة مراقبة بحرية وتحت سطح البحر، ومنشآت اتصالات واستخبارات، وربما قدرات فضائية مستقبلاً، أما إنشاء قاعدة غواصات أميركية جديدة، فلا يوجد حتى الآن ما يؤكد هذا الطرح.
وإذا نُفذ الإعلان فعلياً، فقد تتحول غرينلاند إلى "المستشعر الأميركي المتقدم" في القطب الشمالي أكثر من كونها قاعدة عسكرية تقليدية.
إذن، فالأهمية لا تتوقف عند الدفاع الصاروخي، بل تمتد إلى الممرات البحرية الدولية في ظل ذوبان الجليد، وما قد تتيحه من طرق تجارية، إضافة إلى الموارد المعدنية والطاقة، وموقع الجزيرة المتميز للمراقبة الفضائية وتتبع الأقمار الصناعية والأجسام الفضائية.
أما وصف الاتفاق بأنه أبدي، فيحتاج إلى قدر كبير من الحذر، حيث أن الاتفاق الدفاعي يمكن أن يكون طويل الأمد، لكن وصفه بأنه أبدي لا يعني أنه غير قابل للتعديل أو الإلغاء قانونياً. من المهم التأكيد أن هناك ثلاثة مستويات يجب فصلها: القانون الدولي، والقانون الدستوري الدنماركي، ومستقبل غرينلاند وحق تقرير مصير شعبها. 
واتفاق عام 1951 منح واشنطن حقوقاً واسعة، ثم جرى تعديله عام 2004، بما يؤكد أن الترتيبات الدفاعية طويلة الأمد يمكن إعادة تنظيمها عندما تتغير الظروف.
وهنا تكمن المسألة الأكثر حساسية: مستقبل غرينلاند نفسها، فهي تتمتع بالحكم الذاتي داخل مملكة الدنمارك، ولشعبها حق تقرير المصير إذا تطور المسار السياسي مستقبلاً نحو الاستقلال. 
وعندها سيبرز السؤال القانوني حول مصير الالتزامات العسكرية الأميركية: هل تنتقل تلقائياً إلى الدولة الغرينلاندية المستقلة أم تحتاج إلى ترتيب جديد؟ لذلك فإن مستقبل غرينلاند قد يكون الاختبار الحقيقي لأي اتفاق عسكري جديد، تماماً كما أن صياغته الحالية ستحدد مدى قدرته على الصمود أمام التحولات السياسية والقانونية المقبلة