آراء

إسرائيل من داخلها … هل يعيش نتنياهو ضربة المقفّى؟

7 مشاهدة قراءة 14 دقيقة

الكاتب : جمال زقوت

هل بدأ السحر ينقلب على الساحر في إسرائيل؟ وهل يمكن أن تتحول الحروب التي اعتقد بنيامين نتنياهو أنها ستضمن بقاءه السياسي إلى أحد أسباب نهايته؟ أم أن الرجل الذي أتقن تحويل الأزمات إلى فرص للنجاة ما زال قادراً على استخدام الخوف من حرب جديدة لإعادة ترتيب المشهد الإسرائيلي، حتى لو لم تمنحه صناديق الاقتراع أغلبية تؤهله لتشكيل الحكومة المقبلة؟

تلك أسئلة تتجاوز مصير نتنياهو الشخصي، لتلامس أزمة أعمق في نظام سياسي اعتاد التعامل مع القوة العسكرية بديلاً عن السياسة، ومع التفوق الأمني ضمانة دائمة للاستقرار. لكن السنوات الأخيرة كشفت أن الحروب المتواصلة لم تنتج الأمن الموعود، بل عمّقت مأزق إسرائيل الداخلي، ووسّعت دائرة الصراع مع الفلسطينيين وفي المنطقة.

وتأتي الانتخابات المقررة يوم غد الثلاثاء السابع والعشرين من أكتوبر الجاري وسط ثلاثة تطورات متداخلة: تصدع صورة نتنياهو بوصفه «السيد أمن»، واحتدام الصراع داخل المعسكر الصهيوني حول تعريف المصلحة الأمنية، ومحاولة دونالد ترامب التأثير في مستقبل الحكم الإسرائيلي بما يخدم حساباته الإقليمية، ولا سيما تجاه إيران.

انتخابات قد لا تنتج حكومة ..

تكمن إحدى فرص نتنياهو  في احتمال عجز خصومه عن الاتفاق على حكومة بديلة. وقد يصبح استمرار حكومة تصريف الأعمال، أو الذهاب إلى انتخابات جديدة، خياراً أقل سوءاً بالنسبة إليه من انتقال السلطة إلى منافسيه.

والأخطر أن احتمال التصعيد العسكري قد يتحول إلى أداة للتأثير في مفاوضات تشكيل الحكومة بعد الانتخابات، لا مجرد وسيلة لاستمالة الناخبين قبلها.

ترامب: إنقاذ نتنياهو أم إعادة ترتيب التوازنات؟ ..

يثير التحول في موقف ترامب تساؤلات تتجاوز حدود التدخل الانتخابي. فالرئيس الأميركي الذي امتنع خلال الأشهر الماضية عن تأييد أي مرشح، وسط خلافات مع نتنياهو بشأن إيران وغزة، عاد ليمنحه دعماً انتخابياً صريحاً، مقدماً إياه شريكاً تحتاجه واشنطن في مواجهة إيران.

فهل أراد إنقاذ حليفه من الهزيمة، أم تقوية موقعه ليكون طرفاً مؤثراً في تشكيل الحكومة المقبلة؟

الاحتمالان ليسا متناقضين بالضرورة. فبعض مستشاري ترامب يرون أن حكومة إسرائيلية لا تضم شركاء نتنياهو من اليمين المتطرف قد تكون أكثر ملاءمة لتنفيذ أولويات واشنطن الإقليمية. وقد يريد ترامب الاحتفاظ بنتنياهو شريكاً في الضغط على إيران، دون أن يمنح ائتلافه الحالي تفويضاً مفتوحاً لإفشال ترتيبات أوسع في المنطقة.

وربما يفسر ذلك الجمع بين دعمه السياسي لنتنياهو وتحفظه على توقيت استئناف الحرب ضد إيران، خصوصاً قبل الانتخابات الإسرائيلية وانتخابات التجديد النصفي الأميركية.

وهنا يبرز سؤال أكثر دقة: هل يريد ترامب نتنياهو قوياً بما يكفي لخدمة استراتيجيته الإقليمية، أم محتاجاً إلى واشنطن بالقدر الذي يجعله أكثر استعداداً للامتثال لأولوياتها؟

الخليل: الإخفاق الأمني وفرصة التصعيد ..

جاءت عملية الخليل في توقيت انتخابي بالغ الحساسية. وسارع نتنياهو وسموتريتش وبن غفير إلى إطلاق تهديدات بعمليات عسكرية واسعة في الضفة الغربية.

لكن العملية تطرح سؤالاً يصعب على نتنياهو تجاوزه: إذا كانت سياسات الاقتحامات والاعتقالات وتوسيع الاستيطان وتقييد حياة الفلسطينيين هي الطريق إلى الأمن، فلماذا تتواصل العمليات المسلحة رغم كل هذه الإجراءات؟ وهل يمثل التصعيد علاجاً للإخفاق، أم استمراراً للسياسة التي أسهمت في إنتاجه؟

قد يحاول نتنياهو استثمار العملية لإعادة تقديم نفسه قائداً حازماً، وتحويل النقاش من مسؤوليته عن الإخفاقات الأمنية إلى قدرته على الرد بالقوة. غير أن التصعيد قد يخدم هدفاً يتجاوز يوم الاقتراع.

فإذا انتهت الانتخابات دون أغلبية واضحة، فإن مواجهة واسعة في الضفة الغربية قد تضع المعارضة أمام خيارات صعبة: المشاركة في حكومة طوارئ بشروط نتنياهو، أو تحمل اتهامات بإضعاف الجبهة الداخلية، أو العجز عن تشكيل حكومة بديلة.

وهكذا تصبح الحرب وسيلة محتملة لتعطيل انتقال السلطة وإطالة عمر حكومة تصريف الأعمال، حتى دون تحقيق انتصار انتخابي. فهل المؤسسة العسكرية والأمنية في وضع يُمكنها من وضع حد لمثل هكذا سيناريو بعد تعيين معظم قادتها من الموالين له؟ رغم أن هذا السيناريو ليس مضموناً؛ فقد يؤدي التصعيد أيضاً إلى تعميق السخط على حكومة أخفقت في تحقيق الأمن، ويمنح خصوم نتنياهو دليلاً إضافياً على أن استمرار سياساته يعني استمرار الأزمات.

آيزنكوت: هل تتصدع أسطورة «سيد الأمن»؟ ..

وسط هذه التوازنات يبرز غادي آيزنكوت بوصفه أحد أكثر المنافسين إزعاجاً لنتنياهو، لأنه ينازعه على المجال الذي احتكره طويلاً: تعريف الأمن الإسرائيلي.

فآيزنكوت، رئيس الأركان السابق وعضو حكومة الحرب السابق، لا يهاجم نتنياهو من خارج المؤسسة الأمنية، بل من داخل خبرتها وعقيدتها، وهو ما يمنح انتقاداته وزناً خاصاً لدى قطاعات واسعة من المجتمع الإسرائيلي.

وقد تجلى هذا التحدي عندما رفض ادعاء نتنياهو أن إيران كانت قد امتلكت بالفعل قنبلة نووية، مؤكداً، استناداً إلى معرفته بالمعلومات الاستخباراتية، أنها لم تكن تمتلك سلاحاً نووياً.

ولا يتعلق الخلاف بتجاهل مخاطر البرنامج النووي الإيراني، بل بالفارق بين تقدير خطر يستدعي سياسة لاحتوائه، وتصويره باعتباره تهديداً وجودياً محققاً يجعل الحرب الخيار الوحيد.

وحين يشكك رئيس أركان سابق في صدقية الرواية التي استند إليها رئيس الحكومة لتبرير الحرب، يصبح السؤال مشروعاً: هل بالغ نتنياهو في تصوير التهديد الإيراني لدفع إسرائيل والولايات المتحدة نحو خيارات عسكرية تتجاوز الضرورة الأمنية؟ وهل نجح في توريط ترامب في حرب لم تكن مبرراتها المعلنة متناسبة مع نتائجها؟

لا تحسم تصريحات آيزنكوت هذه الأسئلة، لكنها تنقلها إلى قلب النقاش الإسرائيلي، بعد أن اعتاد نتنياهو تقديم تقديراته الأمنية باعتبارها حقائق لا تقبل التشكيك.

والأكثر أهمية أن آيزنكوت شكك في أهلية نتنياهو لقيادة عملية عسكرية جديدة ضد إيران، وفي جدوى تغيير النظام الإيراني بالقوة، وانتقد إخفاق الحكومة في تحقيق أهداف الحرب وتدهور الأمن في الضفة الغربية.

هنا تكمن أهمية التحدي الذي يمثله: فهو لا ينافس نتنياهو على إدارة القوة فحسب، بل يحاول التشكيك في الطريقة التي يوظف بها التهديدات الأمنية لترسيخ سلطته.

وفي المقابل، يعود نتنياهو إلى سلاحه التقليدي: التخويف من البديل، واتهام خصومه بالضعف، وربط أمن إسرائيل ببقائه الشخصي. ويكشف تصويره المنافسة بوصفها اختياراً بين «نتنياهو وترامب» من جهة، و«آيزنكوت ومنصور عباس» من جهة أخرى، عن محاولة تحويل الصراع السياسي إلى مواجهة بين الأمن والخطر، واستثمار التحريض على المشاركة العربية في الحكم.

من مراجعة أمنية إلى بديل سياسي؟ ..

هنا نصل إلى السؤال الأكثر أهمية فلسطينياً وإسرائيلياً: هل يمكن أن تتطور مراجعة العقيدة الأمنية التي يمثلها آيزنكوت إلى مراجعة سياسية أوسع؟

لا تعني منافسته لنتنياهو أن إسرائيل تقف على أعتاب تحول يعترف بحقوق الفلسطينيين. فآيزنكوت ينطلق من المؤسسة العسكرية، ويتمسك بالتفوق الأمني الإسرائيلي، ولا يقدم حتى الآن مشروعاً لإنهاء الاحتلال أو الاعتراف بالدولة الفلسطينية.

كما أن سعيه إلى تشكيل ائتلاف صهيوني واسع، مع استمرار استبعاد الأحزاب العربية لدى معظم قوى المعارضة، يكشف حدود التغيير المطروح.

ومع ذلك، فإن أهمية هذا التطور تكمن في إمكان انتقال النقاش من سؤال: من الأقدر على استخدام القوة؟ إلى سؤال أكثر جوهرية: هل ما زالت القوة، بالصيغة التي اعتمدها نتنياهو، قادرة على إنتاج الأمن؟

فإذا بدأت قطاعات أوسع من المجتمع الإسرائيلي تدرك أن استمرار الحرب لا يضمن الاستقرار، وأن إدارة الصراع بالقوة لا تمنع انفجاره، فقد يفتح ذلك نقاشاً أعمق حول العلاقة بين الأمن والسياسة.

لكن هذا الانتقال ليس تلقائياً. فقد ينتهي إلى استبدال نتنياهو بقائد أكثر كفاءة في إدارة الاحتلال، وأكثر قدرة على ترميم علاقات إسرائيل الدولية، دون تغيير أهدافها الاستراتيجية.

وربما يكون هذا أحد أخطر الاحتمالات على القضية الفلسطينية: أن تنجح إسرائيل في تحسين صورة حكمها وإدارة صراعاتها، بينما تبقي جوهر سياساتها تجاه الفلسطينيين على حاله.

ولذلك ينبغي التمييز بين بديل أمني أكثر انضباطاً، وبديل سياسي يعترف بأن الاحتلال والاستيطان وإنكار الحقوق الفلسطينية ليست حلولاً أمنية، بل مصادر دائمة للصراع.

هل يعيش نتنياهو ضربة المقفّى؟ ..

قد يكون نتنياهو أمام واحدة من أشد المفارقات في مسيرته السياسية. فالحروب التي استخدمها لتكريس صورته قائداً لا بديل عنه لم تحقق الأمن الموعود، والتهديدات التي ضخّمها لإحكام قبضته على المجتمع الإسرائيلي أصبحت موضع تشكيك من شخصيات خرجت من قلب المؤسسة الأمنية نفسها.

لكن نهايته السياسية ليست محتومة. فهو لا يزال يمتلك قاعدة انتخابية صلبة، وائتلافاً متمسكاً ببقائه، وعلاقة خاصة بترامب، فضلاً عن قدرة معروفة على استثمار الأزمات والانقسامات.

وقد تكون المفارقة أنه لم يعد بحاجة إلى انتصار انتخابي كامل كي يبقى في السلطة؛ فقد يكفيه أن يعجز خصومه عن الاتفاق على البديل.

ومع ذلك، فإن انتقال المنافسة إلى مساءلة صدقية روايته الأمنية يشكل تطوراً مهماً. فالرجل الذي اعتاد مطالبة الإسرائيليين بالاختيار بينه وبين الخطر بات يواجه من يقول لهم إن استمرار حكمه قد يكون جزءاً من الخطر نفسه.

أما فلسطينياً، فليس المطلوب الرهان على سقوط نتنياهو بوصفه طريقاً تلقائياً إلى الحرية، ولا تجاهل الفرص التي قد تفتحها أزمته. فالمعيار الحقيقي لأي تحول إسرائيلي هو الانتقال من إدارة الاحتلال إلى إنهائه، ومن فرض الأمن بالقوة إلى الاعتراف بحقوق الشعب الفلسطيني.

ولعل الاختبار الذي تواجهه إسرائيل يتجاوز اسم رئيس حكومتها المقبل: هل ستكتفي باستبدال الرجل الذي أدار حروبها، أم تبدأ بمساءلة السياسة التي جعلت الحرب بديلاً دائماً عن السلام؟

إذا كانت «ضربة المقفّى» تهدد نتنياهو اليوم، فإن السؤال الذي سيحدد مستقبل المنطقة هو ما إذا كانت إسرائيل ستدرك أن أمنها لا يمكن أن يُبنى على استمرار حرمان الفلسطينيين من حريتهم.