آراء

ثقافة غنم السمار

6 مشاهدة قراءة 10 دقيقة

الكاتب : تحسين يقين

مساران يطولان في حياتنا: خلاصنا الفرديّ الشخصيّ، وخلاصنا العام، ويرتبط بهما سلوكنا العمليّ؛ وكلما حققنا حاجاتنا الفرديّة، فإن الاهتمام العام يصبح أكثر تركيزا وصدقا، ولكن أن يطغى الاهتمام الشخصيّ على الاهتمام العام، فإن ذلك سيكون مستهجنا.

أول مرة سمعت بهذه الاستعارة البلاغية، كانت في قريتي الصغيرة، وحملت معنيين، وصف المعنى الأول طبيعة "غنم السمار"، تلك الأغنام التي تحتاج لطول مراقبة من الراعي، كونها جريئة من ناحية الحركة في المرعى، كما أنها ليست حريصة على البقاء في القطيع، فلديها نزعة استقلالية. أما المعنى الثاني، فتمثّل في عقد مشابهة بين غنم السمار وبين الجماعة البشريّة التي "بتفعفط"، فلا تبقى معا في مسارها.

كان يوما حزيرانيا عام 1994، حين شاركنا في دورة "دليل الرحلة المدرسية" نظّمها مركز تطور العلم "المورد"، الذي أشرف عليه فنيّا د. حمدان طه، أستاذ التاريخ والآثار، وأحد مؤسسي وزارة السياحة والآثار، حيث كان يقود مسارات التجوال للتعرّف على المواقع الأثريّة في الضفة الغربية، بالإضافة الى الجانب المعرفيّ في حقول معرفية تخصّ التاريخ والجغرافيا والسياحة.

كنا مجموعة معلمين ومعلمات، حوالي العشرين، وكان من ضمن مسار التجوال الوقوف عند المواقع الأثرية، والاستماع بشكل أساس للدكتور حمدان طه، الي كان يغادر الثلاثينيات في ذلك الوقت. وقد عانى د. حمدان من عدم التزام المجموعة بالتحلّق حوله للاستماع، حيث كنا لا نكاد نتجمّع إلا بتكرار النداء، ووقتها سمعت د. طه حمدان يقول لنا، أو لعله كان يهمس لنفسه: "غنم سمار". وقتها أحببت التشبيه البلاغي، كون نشأتي كانت نشأة قرويّة، وكنت قد اختبرت حال الرعاة، ممن يرعى غنم السمار والبياض "النعاج والخراف"، حيث كان قطيع البياض أكثر التزاما بالقطيع.

"غنم سمار"، دوما كنت أتذكر الطفولة وأول الشباب، وما تغيّر هو أن العمر يجعلنا نتعمّق. وهنا بالرغم من إيجابيات وميزات كل المخلوقات، سمار وبياض، إلّا أن المضمون البلاغي ضروري ليتجلى في واحد من أهمّ مبادئ الحياة، في المجتمع والدولة، ذلك ان التعاون قيمة كبرى، وهو بالضرورة مرتبط بالقرب النفسي الاجتماعي الإنساني، ولا يعني ذلك بالطبع أن يكون الناس نسخا عن بعضهم بعضا.

لعلّ هناك أمثلة سلبية كانت نتاجا لحياة غير سويّة، برمجت جزءا من الناس، منها: "ازرع كل اشي بتقلعوا ما عدا بني ادم بتزرعوا بخلعك"،  و"يا لعيب يا خريب" و"أنا زي الفريك بحبش شريك"، والأخير اشتهر في مصر، ومن الممكن استقصاء العديد من الأمثال الشعبية المتعلقة بموضوعنا هنا، لنقدها من خلال فهم سياقها وتاريخ ظهورها، ولكن ما يؤسف له هو أننا بالرغم من الوعي وبخاصة الموجود لدى النخب، فإنها تعيد إنتاج ما هو سلبيّ، حيث تجدنا سرعان ما تشتتنا واختلفنا، ولو كان الخلاف فكريّا لتحملنا ذلك، لكنه منطلقه هو البحث عن الخلاص الشخصيّ.

في العمل الوطنيّ السياسيّ والمؤسساتي في الحكم والإدارة نحتاج المأسسة، وهذا ما تم إنجازه لدى من ارتقى في هذا العالم، فالناس هم الناس في كل مكان وزمان، لكن الحكمة في الحكم والإدارة تجلت حين تمّ إدماج التعاون ضمن بنية المؤسسات.ولعنا نتذكر بدايات عدم التعاون في تنفيذ الأنشطة ليس داخل الوزارات بل داخل الوزارة الواحدة.

يدفعنا تأمل الحياة السياسية الفلسطينية منذ بدء الكيانية ما بعد الحرب العالمية الأولى، للتساؤل لماذا لم نستفد "ونتعظ" مما حدث لنا قبل عام 1948؟ لكن استمر التساؤل على مدار العقود، وصولا إلى تأسيس فصائل العمل الوطني، ومرورا بكل محطات العمل السياسيّ، ولعلنا مواليد منتصف الستينيات قد شهدنا على اختلاف الحركتين الوطنية والإسلامية منذ الشهر الثالث للانتفاضة الأولى، ثم ما حدث بعد 5 سنوات حيث اتفاقية أوسلو، حيث شهدنا الخلاف غير المبرر، وما واكبه من فعل على الأرض أخّر تطبيق بنود الاتفاقية، ما منح الاحتلال فرصة تمناها لعدم التنفيذ؛ فلم يكن لا في الوعي ولا في اللاوعي إيمانا بوجود الكيان السياسيّ الفلسطيني، وصولا إلى المأساة التي دفع شعبنا ثمنها من دمه وممتلكاته؛ فكان من المأساة على مدار19 عاما وجود مسارين تفاوضيين، مع الاحتلال من جهة، وبيننا وبين أنفسنا من جهة أخرى. صارت لجهود المصالحة الوطنية تاريخ، يستطيع الباحث رصده من البداية حتى الآن، حيث تتعقد الأمور في ظل جدلية الانتخابات وظروف عقدها من جهة، واستشراس الاحتلال من جهة أخرى، فلم تكن مثلا اعتداءات المستوطنين لتتم لولا تغطيتها من المستوى السياسيّ. والمأساة أننا تأخرنا كثيرا، فقد تأخرنا بالمصالحة، لدرجة أن تحقيقها الآن لن يؤدي لثمار سياسية وطنيا لو حدثت مبكرا، فقد حدث الاستفراد من جهة، وحدث أن أصبح هؤلاء وهؤلاء في واد وشعبنا في واد آخر.

عانت الحركة الوطنية وطنيا وقوميا وأمميا يمينا ويسارا من تشرذم وصل دوما حدّ الكراهية والنفور، وكل منا لديه ذكريات سيئة فيما عانينا منه من تنميط؛ فقد كنت شخصيا، رغم موقفي الوطني الوحدويّ والعقلانيّ، ومعنا آخرون، من تنظيمات وكتل مختلفة نعاني من تغيّر النظرة حتى من قبل زملاء العمل والرفاق والأخوة، فقد اعتاد الأفراد على وضع كل جماعة في سلّة واحدة مرفوضة، ولم تكن علاقات الكبار من قيادات صف أول وثان إلا علاقات مجاملة أو توازن أو بحث لتحقيق مصالح شخصية، ولو كانت العلاقات فعلا طيّبة رغم الخلاف الطبيعيّ طبعا، لما أورثوا الكراهية والنفور ما بين أفراد الفصائل والكتل السياسية، وصولا للاقتتال الذي لم يكن وليد لحظة، بل نتاج تراكم تربية فئوية، وليس فقط فئوية بل نبعت من وجود الولاءات داخل الفصيل الواحد. وفي ظل هذا الاختلاف المؤسف، نفر الشعب من الفصائل.

واليوم، تشكّل استعادة الحركة الوطنية والإسلامية للشعب أهمية تفوق كثيرا مسألة الانتخابات، بل انه في ظل تلاحم الشعب مع قيادته يمكن التوافق على الكثير من الأمور ومنها مسألة تشكيل حكومة خلاص وطني، والفرصة مؤاتية فعلا لاستعادة ما كان من فعل سياسيّ على الأرض لتقوية بقائنا هنا، فلنتأمل فقد الفترة ما بين 2007 و2013، بتجرّد وموضوعية، فلسطينيا وعربيا ودوليا، خصوصا في وضع حدود لاعتداءات الاحتلال. كما يمكن حتى نكون موضوعيين تأمل ما هو إيجابيّ منذ تأسيس السلطة الوطنية، فقد أنجزنا وطنيا ما يستحق دوما الاحتفاء به، باتجاه وضع النقاط على الحروف، بجعل العمل ينحى الى مضمون المؤسسة لا الاتجاه الفرديّ. كذلك من المهم والموضوعيّ تأمل ما هو إيجابي في الحركة الوطنية بقيادة منظمة التحرير.

واليوم، فإن العمل الذاتي هو الحاسم، وهو يتمثّل فينا، نحن الكتلة البشرية الوطنية المتخلصة من التسييس الضيّق، التي لا نتحدث فيها عن الوحدة الوطنية بل نمارسها.