آراء

"فصائل" الخيبة الوطنية

12 مشاهدة قراءة 10 دقيقة

الكاتب : المتوكل طه
 
الغريب العجيب المُريب، بعد ثلاث سنوات من الإبادة الممتدة والمتوحّشة، وبعد مئات آلاف الضحايا والرّكام، لم تستطع الفصائل الفلسطينية كلّها، وربما لا تريد، من أن تتوحّد، ويصبح لها برنامج واحد وإيقاع واحد وتمثيل جامع تحت مظلّة واحدة! ثُمّ وأمام سؤال الانتخابات التشريعية، تداعت لغير اجتماع لحوار فصائلي؟! كأنّ عقدين من التشظّي والفظاعات لم تكن كافية للحوار! أيّ عبث وخفّة وتسطيح هذا؟ أليس هذا مدعاة للتساؤل والأسف، فما الذي سيوحّدنا إذا لم يوحّدنا ما جرى؟ إن "الوحدة الوطنية" الفلسطينية هي "دُمية كافكا" الضائعة، التي لم تجد مَن يعوّضنا عنها..ولو بالكلام والوعود. وما يجري يعني أمرا واحدا، وهو؛ أنه لا توجد فصائل معارضة أو موالية، إلا شكلا..وأنّ وجود حركة وطنية، هو  محض ادّعاء وافتراء ووَهْم. والأغرب هو أنّ هذه القوى فطنت "فجأة" لضرورة توحيد شعثها، او تبدأ بحوار جدّي، كأنّ ما مضى لم يدفعهم لعلف حصانهم إلا يوم السباق! هل هذه سذاجة أو انتهازية ام أعذار باهتة؟ هذا يذكّر بقصّة العريس الذي لم يعرف بأنّه عريس إلا ليلة "الدّخلة"! 
وستعمل هذه "الفصائل" على إعادة انتاج نفسها، بالوجوه الخائبة الفاشلة ذاتها، في كلّ سباق ومؤتمر، وستحاول أن تستحوذ على كلّ المواقع والمناصب والمفاصل. وفي أحسن الأحوال؛ سيأتون بوجوه مدجّنة، جاهزة للتبرير والتسحيج، لتغطية ما يقترفونه من تجاوزات وفساد، بخطاب مزعوم يدّعي القوّة والتطهرية!  
هؤلاء الذين قضوا على الحركة الوطنية، من خلال بوابة الحُكم أو المعارضة، بشكل استراتيجي ممنهج، تماهى مع النقيض، وأكمل دوره في القضاء على كلّ فكرة وثابت..أو من خلال الحياد والحَرد والمغامرات..
وأسأل؛ هل الذين يريدون تأجيل الانتخابات لم يعرفوا وضع غزّة والقدس إلا اليوم؟ شيء يدعو للجنون والقهقهة. أولم يكونوا مقدّرين لخريطة التحالفات المفترضة على الساحة الفلسطينية؟ وهل الديمقراطية يجب ان تكون على قدّ يد فلان وعلّان، وإلا لن تكون؟ ماذا يعني هذا؟ إن الاستخفاف بكلّ مقدراتنا وحقوقنا ومستقبلنا وتقاليدنا..هو تأكيد على أزمة تجاوزت الظرف والبُنية، ووصلت إلى أزمة وجود.
هل نحن مأزومون إلى حدّ الفجيعة، وفقدنا الثقة ببعضنا وبأنفسنا وبمستقبلنا؟
إننا نهين رموزَنا ونحقّرها، ولا نستطيع إنتاج رموز جديدة. ونرتدُّ إلى ذاتنا لنمزّقها! ونذهب إلى اللغة النهائية، بمعنى نُؤَلِّه أنفسَنا ونُشيطِن خصومَنا الوطنيين، ونفقد القدرة على الحوار والاستماع. ونذهب للانتماء إلى الدوائر الضيّقة، أي الطائفة أو الجغرافيا أو الفصيل السياسي. وغالباً ما يقلّد المهزومون أعداءهم، ويتشبّهون بنقيضهم. وتتناسخ عن الانهيار السياسي انهيارات أخلاقية وقيميّة. وتتعالى أصوات الإحباط ونداءات الاستغاثة والتخبّط، ويبدو وكأنَّ الانتماء إلى الخلاص أو الوطن ضربٌ من العبث والحمق، وتزداد مفردات اليأس والقنوط، ويظهر وكأنَّ الأمل قد مات! ونذهب إلى الخَلاص الشخصي بدلَ الخَلاص العام. 
لقد وقع شعبنا تحت صدمة بعد الإبادة المهولة، ما أنتج حالة عامة من الخوف، والذهاب إلى الخلاص الشخصي، ثم اكتشف أن الخلاص الشخصي لن يفضي لشيء ولن يحميه، الأمر الذي يدفع ببعض الأفراد والأصوات للبحث عن خلاص ما جماعي، وهو أمر صعب وشائك. وأعتقد أن شعبنا الذي اصطدم بكلّ الجدران المُغلَقة، ورأى أن الفصائل قد استنفذت دورها، ربما يضحّي بالحُكم لاستعادة فكرة التحرير..فما يجري من تعدّيات وغطرسة وفاقة، لن يجد متنفّسا له إلا بالانفجار. انتبهوا! ما زالت الأشباح في كلّ طريق، ووراء كل جدار وباب.
إن المسؤولية مرتبطة بالوعي أكثر من ارتباطها بالشجاعة، والناس حلفاء أيامهم أو مصالحهم أو حاجاتهم البسيطة. والسياسة اغتصاب طوعي أو عنيف. وقد يحدث أمرٌ يكون كالقطرة التي تطفح الكأس، أو القشّة التي تقصم ظهر البعير، ما يعني أن ثمة تراكمات، غير مرئية، تختمر وتكبر، وتنتظر تلك القطرة حتى تفيض..بمعنى؛ أن ما حدث لم يكن ابن لحظته، أو أن ما سيحدث لن يقع "فجأة"! وعلينا أن نخاف على كلّ شيء يخصّنا، ونفعل المستحيل حتى نحفظه ونصونه، هذا إذا أردنا أن تكون أرضنا، أو ما تبقى منها، أرضَ العدالة وأملَ الأجيال. فالذي لا يخشى شيئاً لا يحبّ شيئاً، ونحن نخشى على حُلمنا وأرضنا ودمنا وأهلنا وثوابتنا وحقوقنا، وأطفالنا الذين لم يولدوا بعد.
إنّ ما جرى يوم السابع من أكتوبر ، وما حدث عبر هذه المجزرة المروّعة؛ هو خارج صندوق النمط والسائد والمُعتاد، ولهذا فإن تناوله والتبصّر فيه، يحتاج إلى لغة جديدة، وينبغي  التفكير به بأدوات من خارج الصندوق..أيتها الفصائل المنفرطة والصامتة..إذ لم تحرّكوا ساكناً أمام دموية الاستيطان وأشكال الفناء..لكنّكم تسارعون وتنشطون أمام الانتخابات والسعي لتأكيد الذات!
 لا يصحّ لأيّ فلسطيني، منذ الآن فصاعداً، أن يعيد إنتاج أيّ مقولة جاهزة ومعدّة سلفاً، وبأن خرابها الأكيد. وليس له أن يكرّر أيّ فكر مبذول، أو يستخلص منه أي رؤية، أو أن ينبس بتلك اللعثمات التي أودت بنا إلى الهاوية.
نعم! أدعو إلى إعادة النظر والتبصّر وسبر غور كل ما لهجنا به وقلناه وقرّرناه وصدّقناه وعملنا به، أو كان هادياً لنا..لأنه، ببساطة واختصار، ثبت بطلانه وعجزه، إذا لم أقل إنه تآمر علينا.
والفلسطينيون على موعدٍ مع الخلاص، لكنهم على موعد قريب مع حقائق وأخبار ستذهلهم! وسيضربون كفاً بكفّ، ويأسفون على ما كان من مؤامرات مقذعة وترتيبات مُريبة، وقفت خلف ما جرى ويجري! والفلسطينيون، على موعد قريب مع ما أورثه الدمُ والرّدمُ والاستيطان والفقر من تداعيات ثقيلة، ما يستدعي خطّة مختلفة لاستيعاب وتجاوز هذه اللزوجة وجبال الدخان الغوليّة!
لقد أثبتت إسرائيل، خلال عدوانها السافر المتواصل هذا، بكلّ كتلتها البشرية، أنها نقيضنا الكامل، غير القابل للتفاهم أو التعايش معه. وقد رأينا إشارات حاسمة، على مدار عقود، بأن هذا الكيان غير قابل لأيّ شكل من صور القبول أو التعاون أو القبول. وبقيت نتيجة واحدة هي: إما نحن وإما هم، على هذه الأرض، إن ظلّوا على حالهم ومواقفهم..ولا ينبغي المراهنة على أيّ حزب قادم أو غارب.
   وإن توحّش التحالف المسعور الصهيوني الأمريكي، الممتد من هنا إلى هناك، مرورا بالمحيط الساخن حولنا، هو فضيحة العصر، وعليه؛ لا تجوز المراهنة أو انتظار الأمل من حلفاء القتل الأمريكيين. 
لا يدّعي أحدٌ أنه يمتلك القدرة أو الإمكانية، على بلورة ما يلزمنا من استراتيجية، واجبة الوجود، تقوم على أرضية فكرية مناسبة، تركن على نفسها وتعتمد على ذاتها، وتكتفي بما لديها، دون أن تمدّ يدها إلى ما لدى الآخرين من أفكار أو مقولات أو نظريات..ببساطة؛ لانها محض ادّعاءات، ولأنها إيهام ووَهْمٌ وتهويم ونفاق وكذب ودجل ومخيال، لم ينتج لنا إلا ما نراه من جحيم كامل.
ولا بد من اشتقاق جملة تعيد حجارة البيت إلى الجدار، وترجع الفلاح إلى زيتونه المنهوب، وتدفع الينبوع لأن يتدفق بين التلال، والشمس تشرق على أرض جديدة خالية من الغرباء والقتلة.