الكاتب : يونس العموري
لم تعد جرافات الاحتلال في القدس تحتاج الى ان تختبئ خلف جنودها، ولم يعد بن غفير يحتاج الى ان يرسل احدا ليتحدث باسمه. هذه المرة صعد بنفسه الى الجرافة، وجلس في مقعدها، وتركها تهدم بناية في الطور، ثم صور المشهد ونشره، وكأنه لا يريد للركام ان يبقى مجرد ركام، بل يريد له ان يصبح صورة، والصورة تصبح رسالة، والرسالة تصبح سياسة. خمسة طوابق، عشر شقق، ونحو سبعين مقدسيا، بينهم نساء واطفال، وجدوا انفسهم خارج بيوتهم، فيما الوزير الاسرائيلي يطل من فوق الجرافة وكأنه يعلن من هناك ان القدس بالنسبة لحكومته ليست مدينة يسكنها بشر، وانما مساحة قابلة للهدم واعادة التشكيل.
لماذا صعد بن غفير الى الجرافة؟ كان يستطيع ان يبقى في مكتبه، وان يوقع او يأمر او يتلقى تقريرا عن عملية الهدم. لكنه اختار ان يكون في الصورة. اختار ان يرى المقدسيون الوزير وهو فوق الالة التي تهدم بيتهم، واختار ان يرى العالم المشهد ايضا. هذه ليست تفصيلة في الصورة. هذه هي الصورة كلها. فحين يتحول وزير الى شاهد على هدم منزل، ثم الى جزء من عملية الهدم نفسها، يصبح الهدم اعلانا سياسيا، ويصبح الركام خلفية لسياسة تريد ان تقول للمقدسي .. نحن لا نهدم حجارتك فقط، نحن نريد ان نريك من يملك القوة، ومن يقرر، ومن يستطيع ان يجعل بيتك صباحا بيتا ومساء بلا بيت...
يقولون البناء غير المرخص. حسنا، ومن الذي جعل الترخيص في القدس امتحانا يكاد يستحيل على الفلسطيني اجتيازه؟ ومن الذي يضيق التخطيط ويضع القيود، ثم ينتظر من المقدسي ان يكبر اولاده في غرفة لا تتسع لهم؟ ومن الذي يترك الحاجة الى السكن تتكاثر، ثم يفتح ملف المخالفة عندما يرتفع الاسمنت فوق الارض؟ القضية ليست ان هناك قانونا على الورق، بل من يكتب القانون، ومن يطبقه، وعلى من يطبقه، ومن يملك حق البناء ومن يملك حق الهدم. وعندما تكون النتيجة ان بيت الفلسطيني يهدم بينما تتوسع المشاريع الاستيطانية، يصبح الحديث عن القانون وحده محاولة لاخفاء السياسة داخل كلمة بيروقراطية باردة.
القدس بالنسبة لحكومة الاحتلال ليست بحاجة الى جرافة واحدة، بل الى منظومة كاملة من الجرافات: جرافة تهدم البيت، وجرافة اخرى تفتح الطريق للمستوطنة، وجرافة ثالثة تغير شكل الحي، وجرافة رابعة تدفع السكان الى الرحيل من دون ان يقال لهم ارحلوا. والهدم هنا لا يبدأ عندما تصل الجرافة، بل يبدأ قبلها بسنوات، حين يصبح البناء الفلسطيني مشكلة، والسكن الفلسطيني مشكلة، والوجود الفلسطيني نفسه مشكلة تحتاج الى اعادة تنظيم. ولهذا لا ينبغي ان نقرأ هدم الطور باعتباره حادثا منفردا. انه حلقة في سياسة اوسع تستهدف اعادة تشكيل القدس بشريا وعمرانيا، وجعل الوجود الفلسطيني فيها اكثر كلفة واكثر هشاشة واكثر عرضة للتهديد.
لكن في المشهد الفلسطيني هناك سؤال آخر، وربما آن الاوان ان نقوله بصراحة من دون ان نمنح الاحتلال ذريعة، ومن دون ان نخفف من مسؤوليته .. ماذا يعني تعزيز صمود المقدسيين اذا كان المواطن الذي تهدم سلطات الاحتلال بيته سيخرج في الصباح من بين الركام ولا يعرف اين ينام في الليل؟ ماذا يعني ان تكون القدس اولوية وطنية اذا لم تكن هناك منظومة طوارئ حقيقية، سريعة، ومعلنة، تستقبل العائلة في اللحظة التي تسقط فيها الجدران، وتوفر لها السكن المؤقت، وتدفع عنها فاتورة التشرد، وتؤمن لها المحامي، وتتابع ملفها، ثم تساعدها على اعادة بناء حياتها؟
نعرف ان هناك مؤسسات وبرامج فلسطينية تتحدث عن تعزيز صمود المقدسيين، ونعرف ان هناك مساعدات قانونية واجتماعية ومساعدات للمتضررين من الهدم. كل ذلك مهم، لكن المواطن الذي خرج امس من بيته لا يعيش داخل ورقة موازنة، ولا ينام داخل برنامج حكومي. هو يحتاج الى مفتاح بيت، او الى سقف مؤقت، او الى مكان يحمي اطفاله من ان يتحولوا في ليلة واحدة من سكان بيت الى سكان شارع. هنا يصبح السؤال موجها الى السلطة ومؤسساتها .. هل حجم الاستجابة يتناسب مع حجم الهجمة؟ وهل ما لدينا من برامج ومساعدات قادر فعلا على مواجهة سياسة هدم ممنهجة، ام اننا ما زلنا نتحرك بعد وقوع الكارثة بدلا من الاستعداد لها قبل وقوعها؟
وهنا لا يجوز ان يتحول نقدنا للسلطة الى مساواة بين الضحية والجلاد. الاحتلال هو الذي هدم، والاحتلال هو الذي اصدر القرار، والاحتلال هو الذي يملك الجرافة والقوة والسلاح والقانون الذي يطبقه على الارض المحتلة. لكن السلطة ليست مطالبة فقط بأن تقول بعد الهدم .. الاحتلال هدم بيتا جديدا. هذه وظيفة البيان، اما وظيفة السلطة فهي ان تسأل قبل الهدم .. ماذا سنفعل اذا هدم؟ واين ستذهب العائلة؟ وكيف نحميها؟ وكيف نساعدها على البقاء؟ وكيف نمنع ان تتحول كل جرافة الى خطوة اخرى في طريق دفع المقدسي الى الخروج؟
المقدسي لا يحتاج الى بيان جديد بعد سقوط بيته. يحتاج الى ان يشعر ان هناك من كان ينتظره قبل سقوط البيت، لا بعده. يحتاج الى مؤسسة تعرف اسمه قبل ان يصبح خبرا، وتعرف عنوانه قبل ان يتحول العنوان الى ركام، وتعرف عدد اطفاله قبل ان تبدأ عملية البحث عن مأوى. الصمود ليس كلمة تقال في المؤتمرات، وليس صورة لمسؤول يقف امام القدس، وليس بيانا يدين الاحتلال ثم ينتهي مفعوله بانتهاء المؤتمر. الصمود بيت بديل عندما يهدم البيت، ومحام عندما تصدر ورقة الهدم، ومال عندما تتوقف الحياة، ومدرسة عندما يتشرد الاطفال، وعلاج عندما تضرب العائلة في امنها الاجتماعي، وشبكة وطنية تجعل المقدسي يعرف انه ليس وحده.
والسؤال الاكبر هنا ... لماذا لا تكون هناك حالة طوارئ مقدسية دائمة؟ لماذا لا يكون هناك صندوق حقيقي ومفتوح ومعلن لاعادة اسكان كل عائلة يهدم الاحتلال بيتها؟ لماذا لا ننتقل من سياسة التعويض بعد الكارثة الى سياسة الوقاية قبلها؟ لماذا لا يكون لكل حي مقدسي فريق قانوني وهندسي واجتماعي يعمل مع الناس قبل ان تصل الجرافات؟ لماذا لا تتحول قضية السكن في القدس الى مشروع وطني دائم، بدلا من ان تبقى ملفا يظهر كلما هدمت جرافة بيتا ثم يعود الى الادراج؟
الاحتلال يريد مقدسيا متعبا، مديونا، خائفا، مهددا في بيته، يفكر كل صباح في سؤال واحد .. هل سأبقى هنا ام ارحل؟ وهذه هي المعركة الحقيقية. ولذلك فان مقاومة الهدم لا تكون فقط امام الجرافة، بل في قدرة المواطن على البقاء بعدها. الجرافة تهدم الاسمنت، لكن الذي ينجح في دفع العائلة الى الرحيل يكون قد حقق شيئا اكبر بكثير من هدم بيت.
وهنا بالضبط يجب ان يفهم بن غفير ومن يقف خلفه ان القدس ليست جرافة. القدس ليست مقعدا يجلس عليه وزير اسرائيلي ليتصور نفسه سائق مدينة. القدس ليست صوت الحديد وهو يسحق الاسمنت. والقدس ليست صورة ينشرها وزير ليثبت لجمهوره انه قادر على الهدم. القدس انسان، وبيت، وحي، وذاكرة، ومدينة يعيش فيها الفلسطيني قبل ان يقرر الوزير ماذا يفعل بها.
اما بن غفير، فقد اختار هذه المرة ان يضع نفسه فوق الجرافة. وهذه ربما كانت الصورة الاكثر وضوحا لسياسة حكومته .. وزير فوق، وبيت تحت، وعائلة تبحث عن مكان، وجرافة بين الاثنين. لكنه اخطأ في شيء واحد .. الركام لا يمحو اصحاب البيت، كما ان هدم البيت لا يهدم حق صاحبه في القدس.
ويبقى علينا نحن، كفلسطينيين وسلطة ومؤسسات وفصائل وقطاع خاص ومجتمع مدني ، ان نسأل سؤالا لا يحتمل التأجيل .. اذا كانت جرافة الاحتلال تستطيع في ساعات ان تجعل سبعين مقدسيا بلا بيت، فهل نستطيع نحن في الساعات نفسها ان نجعلهم يعرفون اين سيذهبون، ومن سيدفع اجرة البيت، ومن سيحمي اطفالهم، ومن سيقف معهم امام المحكمة، ومن سيعيد بناء ما هدم؟
لان القدس لا تحتاج الى مزيد من الكلام عن الصمود بقدر ما تحتاج الى صناعة الصمود. والبيت الذي يهدمه الاحتلال مرة، لا ينبغي ان يسمح له الواقع الفلسطيني بأن يهدم صاحبه مرتين.

