آراء

العراق إذ يحتفي بـ"استقلاله الثاني".. تحديات استرداد "السيادة" وحفظ الاستقرار

5 مشاهدة قراءة 19 دقيقة

الكاتب : عريب الرنتاوي
 

ما إن أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، عن انسحاب آخر جندي أمريكي من قاعدة أربيل الجوية، ونهاية عملية "العزم الصعب" التي بدأتها واشنطن على رأس تحالف دولي عام 2014، حتى خرج فريق وازن من العراقيين إلى الشوارع، احتفاء باستعادة "السيادة"، لتكتسب هذه الاحتفالات زخما أكبر، بالنظر لتزامنها مع احتفالات عيد "الاستقلال الأول" عام 1932، وكأنه بات للعراق عيدان للاستقلال لا عيد واحد، كما سائر شعوب الأرض ودولها.

ونقول "فريق وازن" من العراقيين، لأن نهاية الوجود العسكري الأمريكي في بلاد الرافدين، لم تسقط على كل العراقيين بالوقع والتأثير نفسه، فمقابل هذا الفريق (الأغلبية) الذي نظر للانسحاب الأمريكي بوصفه يوما تاريخيا مشهودا، لطالما استعجل مقدمه، ثمة فريق آخر، ومكونات عراقية أخرى، لم تنظر للمسألة من المنظار ذاته، ولطالما استمهلت الأمريكيين البقاء، وانتقدت استعجال حكومتهم وتسرّعها، بل ونظرت للانسحاب بمشاعر مختلطة من القلق والإحساس بالتخلي والخشية من مجاهيل تستبطنها قادمات الأيام والسنين، وتلكم حكاية سنمرّ عليها في سياقات هذه المقالة.

ويطرح الإعلان الأمريكي عن الانسحاب والاحتفاء العراقي بـ"استعادة السيادة"، جملة من الأسئلة الكبرى على العراق وجواره، فالقصة لم تنته في 30 سبتمبر/أيلول، فما هي دلالات القرار الأمريكي وتأثيراته على معادلات الداخل والخارج؟ وهل حقا انتزع العراقيون سيادتهم على بلدهم؟ وهل خرجت الولايات المتحدة من حسابات السياسة والسياسيين العراقيين على اختلافهم؟ وهل انتصرت إيران وحلفاؤها في معركة طرد الوجود الأمريكي على الأرض العراقية؟ وهل فقدت الولايات المتحدة أوراقها في العراق وقدرتها على التأثير في سياساته الداخلية وعلاقاتها الخارجية؟

وماذا عن سؤال "الاستقرار" الأكثر أهمية من أسئلة "السيادة"، وما هي التحديات التي ستجابه بغداد في مرحلتها الجديدة؟ ماذا عن مصير السلاح والفصائل التي تمتشقه، وكيف سترتسم العلاقة بين الكيانات والمكونات العراقية؟ وهذا غيض من فيض ما يطرح من أسئلة وتساؤلات.

من البنتاغون إلى الخزانة ..
والبداية من مغزى القرار الأمريكي بالجلاء عن العراق، فمما لا شك فيه أن 30 سبتمبر/أيلول 2026، سيدخل تاريخه الحديث، بوصفه يوما تاريخيا، ومحطة فارقة في أبعادها الداخلية والخارجية، وأن بمقدور العراق ورئيس حكومته بالذات، أن يحتفلا باستعادة السيادة، حتى وإن كانت في الحدود الرمزية والقانونية، فثمة فصل قد انطوى، وآخر يُفتح.

والوجود الأمريكي في العراق، الذي بدا حاسما في أهميته، ولعب دورا بالغ الأهمية في الحرب على "تنظيم الدولة- داعش"، تسبب في استجرار انقسامات داخلية ازدادت عمقا، وصراعات مع جوار قريب، نظر إلى هذا الوجود بوصفه مصدر تهديد، واستكمالا لحلقات "التطويق" و"الحصار" المضروبة أمريكيا و"غربيا" حول إيران، وأصبح من حيث يريد الداعي والمُستَدعى، أو لا يريدان، عاملا إضافيا لتوتر مستدام وصدامات متكررة، حوّلت العراق، بالضد من رغبة حكومته وشعبه، إلى "صندق بريد" لتبادل الرسائل الدامية، وساحة لحروب الآخرين فيه وعليه.

بهذا المعنى، حقَّ للعراقيين الاحتفاء بـ"يوم السيادة"، أقله في هذا الفاصل الزمني بين حقبة مضت وأخرى تقرع الأبواب، مع أن سؤالا ملحا ما زال يجول في سماء النخب العراقية المختلفة والمصطرعة: هل انتهى عصر النفوذ الأمريكي في البلاد، وهل سيكون بمقدور العراقيين ممارسة "السيادة"، هل رُفع "السيف الأمريكي عن رقابهم"، أم إن هذا السيف قد تغير شكله وطرائق عمله؟، هل يعني غياب الجندي الأمريكي ميدانيا زوال الهيمنة الأمريكية أم إن المشهد ينطوي على إعادة صياغة جذرية لأدواتها؟

هنا نفتح قوسين لنشير إلى أربع من أدوات الهيمنة الاقتصادية والمالية، التي ستنقل سيف التسلط من يد "البنتاغون" وبضعة آلاف من جنوده المنتشرين في العراق، إلى يد "الخزانة" الأمريكية بأدواتها الناعمة والخشنة:

أولاها: أن العراق لم يسترد بعد سيطرته المباشرة على موارد نفطه، فلا تزال عوائده التي تمثل العمود الفقري للاقتصاد العراقي (90% تقريبا من موازنة الدولة التشغيلية والاستثمارية)، تودع مباشرة في حسابات الاحتياطي الفدرالي في نيويورك.
هذا "الإملاء" المالي المستمر منذ الغزو والاجتياح عام 2003، يمنح واشنطن الصلاحية والقدرة على التحكم بتدفقات السيولة النقدية وتأخير التحويلات عند الحاجة، وبما يضع أي حكومة في بغداد أمام سيناريو العجز عن دفع رواتب موظفيها دون المصادقة الأمريكية.

ثانيتها: أن واشنطن أحكمت رقابتها اللصيقة على القطاع المصرفي العراقي عبر منصات إلكترونية صارمة لضمان الامتثال المالي، وبات بمقدور "الفدرالي" و"الخزانة" تقييد شحنات الدولار النقدية الموجهة للبنك المركزي العراقي تحت ذريعة مكافحة التهريب ومنع وصولها إلى جهات ودول خاضعة للعقوبات الأمريكية (إيران)، هذا النظام الرقابي الصارم أدى في كثير من الأحيان إلى أزمات حادة في سعر الصرف واهتزازات اقتصادية دورية. والخلاصة أن "صنبور المال" العراقي ما زال، وسيبقى إلى أمد غير معلوم، في يد واشنطن.
ثالثتها: لقد أثبتت منظومة العقوبات على المصارف والشخصيات السياسية والعسكرية، أنها عصا غليظة تُرفع بوجه من "يشق عصا الطاعة"، وأنها نجحت في كثير من الأحيان في "تدوير الزوايا الحادة" لمواقف أحزاب وجماعات وشخصيات، مرتبطة مصلحيا بنظام "سويفت".
أما رابعتها: فتخرج عن عالم المال والنقد، إلى فضاءات الطاقة، حيث يقع العراق تحت رحمة "الاستثناءات الدورية" الممنوحة له من قبل واشنطن لكي يُسمَح له باستيراد الغاز والكهرباء من إيران لسد نقص مزمن في الطاقة الكهربائية.
إن إصرار فريق من الفصائل على معادلة "سلاح المقاومة مقابل سلاح البيشمركة"، قد يفضي إلى تناسل الصراعات الأهلية بين مكونين رئيسين، فالفريق الكردي يجمع على "دستورية" البيشمركة، فيما تطعن الفصائل في الأمر، والأكراد ينظرون لاستهداف سلاح مقاتليهم، على أنه "انقلاب" على الدستور الفدرالي .
وتستخدم الولايات المتحدة هذه الاستثناءات كأداة مقايضة وضغط لانتزاع تنازلات في ملفات أمنية وسياسية أو لتحقيق مكاسب لشركاتها، وأي قرار أمريكي بوقف هذه الاستثناءات قد يغرق المدن العراقية في العتمة، وربما يستولد غضبا شعبيا يعيد إنتاج "انتفاضة عام 2019″، وربما على نطاق أوسع، ويؤثر حتما على التصنيف الائتماني للعراق وبيئة الاستثمار العالمية ورغبة الشركات الدولية في دخول السوق المحلية، دع عنك حكاية الصندوق والبنك الدوليين، اللذين تسعى حكومات ودول المنطقة للحصول على شهادات "حسن سلوك" منهما، بوصفهما ممرا إجباريا للتمويل والقروض، ما تيسر منها وما تعذّر.

إلى جانب كل ما سبق، ورغم انتقال العلاقة الأمريكية العراقية من مربع "التحالف الدولي" إلى "إطار إستراتيجي ثنائي"، فإن واشنطن، أبقت على أصول أمنية واستخبارية لا يستهان بها، إن تحت مسمى "التعاون الثنائي"، أو بغرض حماية دبلوماسييها، وسفارتها الكبرى في العالم، وهي وإن خرجت عسكريا من العراق، إلا أنها لم تذهب بعيدا، بل أعادت نشر قواتها على مقربة منه، وفي جواره.

إذن، الصراع الأمريكي الإيراني في العراق وعليه، مقبل على تبدّل في أدواته من دون أن تحسم نتائجه، وفيما إيران تستطيع عبر حلفائها، أن تتقدم لملء فراغات خلّفتها واشنطن في الفضاء العراقي، إلا أنها ستواجه باستمرار نفوذ الأخيرة وتأثيرها المهيمن حتى إشعار آخر.

من استرداد "السيادة" إلى حفظ الاستقرار ..
لن نفسد على العراقيين فرحتهم باسترداد "السيادة"، ولن نجادل طويلا في "تاريخية" اليوم المشهود في 30 سبتمبر/أيلول.. لكن مروحة التحديات التي تجابه الدولة والمجتمع، ما زالت تقض مضاجع العراقيين وأصدقائهم في العالم، وبالذات في دول الجوار القريب والأبعد.

هنا يستوقفنا إجماع لافت، بين الكيانات الشيعية، المنضوية في الإطار التنسيقي أو خارجه "خاصة الصدريين"، على الترحيب بما حصل والاحتفاء به، بيد أنه إجماع يخفي انقسامات أبعد وأعمق بين هذه الأطراف، وزعاماتها بالأخص.

فالفصائل الخمس الرئيسة في إطار ما يُعرف بـ"المقاومة الإسلامية"، ترفض الانصياع لقرار "حصرية السلاح"، وهي لا تنظر للمهلة الممددة حتى يونيو/حزيران القادم، بوصفها نهاية مطاف، أو موعدا مقدسا، وهي ما زالت تبحث عن ذرائع ومبررات للاحتفاظ بسلاحها، وربما إلى ما شاء الله.

وهي تروّج لنظرية "تكامل الأدوار بين جيش عقائدي موازٍ للجيش الوطني"، وتعظم تجربة إيران في الجمع بين الجيش والحرس، وتستدعي من أجل ذلك، جملة من المخاوف (البعض يراها فزّاعات) من نوع: أن واشنطن لم تنسحب بالكامل، وأنها تعيد نشر قواتها على مقربة من حدود العراق، وأن "العامل الإسرائيلي" قد يفعّل في أية لحظة، وأن "تنظيم الدولة" قد يطل برأسه البشع من جديد.

وتضيف إلى هذا وذاك وتلك، أن ثمة جيشا موازيا للجيش الوطني في شمال العراق، وأن البيشمركة ليست سوى "مليشيا" تمثل ذراعا عسكرية مستقلة عن الدولة، يتبع الحزبين الكرديين الرئيسين، ويأتمر بأوامرهما، وأن توحيدها مؤخرا تحت مظلة "وزارة البيشمركة"، لا يعطيها وضعا دستوريا مختلفا عن الحشد الشعبي الذي تمت "قوننته" بوصفه جزءا من "الشرعية" يتبع القائد العام، وأنها وإن كانت تحتفظ بمهمة "رسالية" أخرى تميزها عن الحشد: المقاومة، إلا أنها جزء منه، ولا يتعين الاقتراب من سلاحها.

وإذ مضى على تكليف علي الزيدي أزيد من خمسة أشهر بتشكيل الحكومة، دون النجاح في ملء شواغرها التسعة المتبقية، جراء انقسامات وتنازعات على السلطة، داخل الأطياف الشيعية "الإطار التنسيقي" أساسا، ومع المكونات والكيانات الأخرى، فإن شكوكا تساور العراقيين في قدرة هذه الحكومة، على البقاء والاستمرار، برغم الدعم الأمريكي والدولي الكبير لها، وبرغم تأييدها من قطاعات وازنة من العراقيين أنفسهم.

رغم انتقال العلاقة الأمريكية العراقية من مربع "التحالف الدولي" إلى "إطار إستراتيجي ثنائي"، فإن واشنطن، أبقت على أصول أمنية واستخبارية لا يستهان بها، إن تحت مسمى "التعاون الثنائي"، أو بغرض حماية دبلوماسييها، وسفارتها الكبرى في العالم، وهي وإن خرجت عسكريا من العراق، إلا أنها لم تذهب بعيدا، بل أعادت نشر قواتها على مقربة منه، وفي جواره الالتزام بشعار "قانون واحد، دولة واحدة، وسلاح واحد"، والقدرة على ترجمته، دون المقامرة بإشعال "حرب أهلية"، محصورة بالمكون أو ممتدة إلى مكونات أخرى، هو التحدي الأكبر الذي يواجه العراق بعد استرداد "السيادة"، ومن أجل تعزيز الاستقرار.

ومنذ اندلاع شرارات الانتفاضة التشرينية (عام 2019) بشكل خاص، بدا أن الكيانات السياسية الشيعية، تعيش حالة اصطراع وتفارق، ستتفاقم حال مضت الحكومة في ترجمة مشروع "حصرية السلاح" بالقوة، وأن استمرت فصائل "المقاومة الإسلامية" على رفضها وتحديها لقرار الدولة.

ثم إن إصرار فريق من الفصائل على معادلة "سلاح المقاومة مقابل سلاح البيشمركة"، قد يفضي إلى تناسل الصراعات الأهلية بين مكونين رئيسين، فالفريق الكردي يجمع على "دستورية" البيشمركة، فيما تطعن الفصائل في الأمر، والأكراد ينظرون لاستهداف سلاح مقاتليهم، على أنه "انقلاب" على الدستور الفدرالي للعراق عام 2005، ومحاولة لتفكيك الإقليم، وإعادة ربط محافظاته بالمركز، في عودة لعقارب الساعة قرابة ربع قرن إلى الوراء.

والمكون السنّي لديه مخاوف من استمرار أطراف بحمل السلاح، وكثير منه ثقيل.. للشيعة "حشدهم" وفصائلهم مدججة بالسلاح والأيديولوجيا، وللكرد "بيشمركتهم" المجربة والمسلحة، وهم وحدهم لا يتوفر لديهم ظهير مسلح، وأن جل ما سمح لهم به، لم يتخط تشكيلات محلية وعشائرية، تتبع "الحشد الشعبي"، وليس من بينهم من يطالب بتشكيل ذراع عسكري خشية اتهامات بـ"الإرهاب" و"استدعاء تنظيم الدولة"، الأمر الذي يفاقم القلق من مجاهيل المستقبل.

وبعد الفراغ العسكري الأمريكي، تسعى أطراف سنية لملئه بتوثيق علاقاتها مع جوارها العربي أو مع تركيا، والاتكاء على "ظهير إقليمي" في غياب الظهير المحلي.

لكن تركيا بدورها ستغادر العراق في غضون شهرين اثنين، وستفكك قاعدتها في معسكر "بعشيقة" وفقا لتفاهمات نيويورك بين الزيدي-أردوغان، وأنقرة في الأصل، تحتفظ بأوثق العلاقات مع أربيل وبغداد، الأمر الذي يبقي أسئلة كثيرة عالقة في أذهان قادة هذا الفريق من العراقيين.

كيف ستبعث القيادة العراقية برسائل الطمأنينة إلى جميع مواطنيها ومواطناتها، كياناتها ومكوناتها، هو التحدي الأبرز الذي سيواجه العراق في مرحلة "الاستقلال الثاني"، معطوفا على تحد آخر، لا يقل فداحة، ويتصل أساسا بصلب الأزمة الاقتصادية والمالية والاجتماعية التي تعتصر العراق، لا سيما في مناخات الحرب على إيران وتداعياتها، وكيف ستدير الحكومة العراقية توازناتها الداخلية وعلاقاتها الخارجية، هو ملف ساخن ثالث ينتظر حكومة الزيدي، وربما ما سيليها من حكومات.

أما سيناريو "عودة تنظيم الدولة"، فهو وإن تراجعت فرصه واحتمالاته، إلا أنه ما زال يُطل برأسه، من البوادي السورية-العراقية الممتدة، ويتغذى بـ"المظلوميات"، والخلاصة أن مشوار تعافي العراق ما زال طويلا وشائكا، وأن استرداد السيادة أو بعضٍ منها، ما زالت دونه عقبات وتحديات حفظ الاستقرار.

*كاتب ومحلل سياسي أردني