آراء

الأقصى بين الميدان والمحكمة: كيف يُعاد تشكيل الوضع القائم ؟

8 مشاهدة قراءة 6 دقيقة

الكاتب : بروفيسور/ حسين الديك
لم يعد النقاش حول المسجد الأقصى يدور فقط حول عدد الاقتحامات الإسرائيلية أو توقيتها، بل حول طبيعة ما يجري داخل المسجد نفسه. فالمؤشر الأكثر أهمية خلال عام 2026 ليس ارتفاع أعداد الزائرين اليهود فحسب، وإنما انتقال بعض الممارسات من مجرد الزيارة إلى الصلاة والطقوس الدينية، بالتزامن مع تحركات سياسية وقضائية تسعى إلى إعادة تعريف ما هو مسموح به داخل الموقع ، فالوضع الذي استقر بعد عام 1967، وتطور في ترتيباته اللاحقة، يقوم عملياً على معادلة حساسة: المسلمون يمارسون العبادة داخل المسجد الأقصى، بينما يُسمح لليهود وغير المسلمين بالزيارة وفق ترتيبات محددة.
تكتسب واقعة إدخال  القرابين النباتية الأربعة( الأترج والآس وسعف النخيل وأغصان الصفصاف)  أهمية خاصة لأنها ليست مواد عادية، بل تمثل ما يعرف في الطقس اليهودي بـ "الأصناف الأربعة" المستخدمة في عيد العرش، لذلك فإن دلالة إدخالها إلى الأقصى ليست في طبيعة هذه النباتات نفسها، وإنما في الوظيفة الدينية التي تؤديها داخل المكان، فحين يدخل شخص إلى موقع مقدس باعتباره زائراً، فإن العلاقة بالمكان تبقى في إطار الزيارة، لكن عندما يدخل حاملاً أدوات مرتبطة بطقس ديني، ثم يستخدمها في أداء الشعيرة، فإن العلاقة تنتقل من  الزيارة  إلى العبادة إلى إثبات الحق في العبادة وهذه النقلة هي الأكثر حساسية سياسياً وقانونياً.
حتى الآن، لا توجد وثيقة رسمية منشورة يمكن الاستناد إليها للقول إن الحكومة الإسرائيلية اتخذت قراراً سرياً مكتوباً بإلغاء الوضع القائم أو اعتماد التقسيم الزماني والمكاني في المسجد الأقصى، وهذه نقطة ينبغي عدم تجاوزها في أي تحليل جاد، لكن غياب الوثيقة لا يعني بالضرورة غياب المسار السياسي.
فما نشهده اليوم يمكن تفسيره من خلال ثلاثة مستويات متوازية الخطاب الرسمي للحكومة ويتمثل في التأكيد على استمرار الوضع القائم الممارسة الأمنية والشرطية حيث تظهر في بعض الحالات مرونة أكبر تجاه الصلاة والرموز الدينية اليهودية، والنشاط السياسي والقضائي لجماعات دينية وقومية إسرائيلية.
الأكثر أهمية في هذا المسار هو انتقال جزء من المعركة إلى المحكمة العليا الإسرائيلية، فالمطالبة بالسماح لليهود بإدخال أدوات الصلاة وممارسة الطقوس داخل المسجد الاقصى ، لأن الجماعات التي تسعى إلى تغيير الوضع القائم تدرك أن تحقيق تحول دائم لا يمكن أن يعتمد فقط على قيام أفراد بالصلاة تحت حماية الشرطة. المطلوب، على المدى الأبعد، هو إعادة إنتاج الأساس القانوني والإداري الذي يحكم المكان، وهنا يمكن فهم أهمية المسار القضائي باعتباره جزءاً من محاولة تحويل التغيير الميداني إلى تغيير قانوني، فإذا أصبح أداء الصلاة حقاً قضائياً أو إدارياً معترفاً به، فإن قاعدة "الزيارة دون الصلاة" ستفقد جوهرها، حتى لو استمر الخطاب السياسي في استخدام عبارة «الوضع القائم.
ان المادة التاسعة من معاهدة السلام الأردنية ـ الإسرائيلية لعام 1994 تنص صراحة على أن إسرائيل تحترم "الدور الخاص الحالي" للمملكة الأردنية الهاشمية في المقدسات الإسلامية في القدس، مع إعطاء الدور الأردني التاريخي أولوية كبيرة في مفاوضات الوضع النهائي، وبالتالي فإن تغيير قواعد الدخول والصلاة وإدارة الشعائر لا يمثل فقط مسألة فلسطينية ـ إسرائيلية؛ بل يمس أيضاً الترتيب الأردني ـ الإسرائيلي الذي اعترف بالدور الخاص للأردن في المقدسات الإسلامية.
ولهذا السبب تنظر عمّان إلى أي تغيير أحادي في قواعد الأقصى باعتباره مساساً ليس فقط بالمقدس نفسه، وإنما أيضاً بالدور الأردني، وقد أكدت الأردن أمام محكمة العدل الدولية أن دورها الخاص في المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس معترف به، وربطت بين إجراءات تغيير الوضع القائم وبين المساس بهذا الدور .